انه مشهد هدوء وسكون: رواد الفضاء داخل محطة فضاء يسبحون دون جهد حول الكرة الارضية بعيدا عن ضوضاء وصخب الارض. ولكن، اليك الحقيقة الصاخبة، الضجيج الذي تحدثه المراوح والمضخات على متن المحطة الفضائية الدولية حاد ومرتفع الى درجة ان الرواد الذين اقاموا فيها حوالي ستة اشهر وجدوه مرتفعا الى درجة انهم يعتبرونه اكبر مشاكل الاقامة هناك. ويقول رائد الفضاء جون فوس: «انه موجود هناك على الدوام انه اشبه بضجيج المصانع. ليس مثل مصنع يجري فيه طرق الحديد بل كمنشأة انتاج عادية حيث توجد ضوضاء دائمة في الخلفية آتية من الآلات والماكينات الدائرة». ومع انه كان يضع سدادات في أذنيه كل ليلة عندما كان يخلد الى النوم فقد اصيب فوس بصمم جزئي خلال اقامته في المحطة الفضائية، وقد عادت قدرته على سماع ذبذبات الصوت العالية قليلا. الا انه استعاد حاسة السمع بشكل كامل منذ عودته الى أجواء الهدوء النسبي في الكرة الارضية في شهر اغسطس الماضي. وقد نام فوس والقائد الروسي للمحطة يوري اوساتشيف في مقصورة الخدمة التي تضم الحمام والرواق واجهزة التمارين ومعظم تجهيزات تبريد المعدات وتدوير الهواء وهي الاكثر ضجيجا. وقد تعرض فوس وأوساتشيف لضوضاء اكثر مما كان مخططا ايضا بسبب ازالة ابواب حجرتي نومهما بغية تسهيل التهوية. أما رفيقة الرحلة سوزان هيلمز فلم يتأثر سمعها لأنها كانت تنام في المختبر الامريكي الاكثر هدوءا. ومع ذلك كانت تضع سدادات خاصة لمقاومة الصوت في اثناء نومها. وتقول هيلمز انها كانت قادرة على التكلم مع فوس واوساتشيف بنبرات صوت عادية عندما يكونون قريبين من بعضهم البعض، ولكنهم كانوا يضطرون الى رفع صوتهم، وقد نبه فوس مراقبة الرحلة على الأرض ان المحطة الفضائية صاخبة على نحو يؤثر على الراحة بشكل عام وأبلغها اعتقاده ان ذلك سيؤدي الى فقدان مقدار من القدرة على السمع. ويعتبر النصف الذي بنته روسيا من المحطة الفضائية اكثر ضجيجا من النصف الآخر ـ وهذا الامر يثير القلق منذ وقت طويل. وقد تجاوزت المقصورتان الداخليتان الروسيتان حدود مقاييس السلامة التي رسمتها وكالة الطيران الامريكية فيما يختص بالضجيج حتى قبل اطلاقها في العام 1998 والعام 2000. وقد كان ضجيج هاتين المقصورتين اعلى من حدود المقاييس الامريكية لأنهما صنعتا بنفس تصاميم محطة مير الروسية. وعندما استلمت الناسا المعطيات الصوتية على محطة مير كان الوقت متأخرا جدا فتم التوقيع على الاتفاقية ولم تستطع الوكالة أن تفعل شيئا. ويتذكر جيري جودمان مهندس الناسا الذي بدأ عمله في مجال سمعيات المحطة الفضائية قبل ثلاث سنوات: «لقد وجدنا انفسنا في مأزق وكان صعباً ان نقنع احدا في ذلك الوقت بأننا سنواجه مشاكل من هذا النوع. لقد تورطنا في حالة سياسية صعبة». وقد وافق مسئولو المحطة الفضائية الذين كانوا يستعجلون اطلاق شيء الى المدار بعد سنوات من التأخير على المقصورتين الروسيتين الصاخبتين باعتبار انه سيتم اضافة كواتم الصوت لاحقا. والحقيقة ان كواتم الصوت اضيفت فعلا وسيرسل المزيد من الكواتم لاحقا. غير ان جودمان يقول ان المستوى الاجمالي للضجيج لا يزال مرتفعا جدا. وثمة غرفتان فقط من الحجرات الست في المحطة الفضائية تتقيدان بالحد الاقصى الموصى به لحدة الصوت، وهو 60 دسيبل، وكان المستوى المحدد في البداية هو 58 دسيبل الا انه رفع الى 60 دسيبل. الاكثر ضجة وتعتبر مقصورة الخدمة اكثر الغرف ضجة حيث تبلغ حدة الصوت بشكل دائم بين 60 و70 دسيبل، اي ما يوازي ضجيج اوتوستراد شغال تماما. وترتفع الحدة الى 78 دسيبل في بعض المواقع. ويسجل الضجيج في مختبر دستني الامريكي 60 الى 63 دسيبل ويرتفع احيانا الى اكثر من 70 دسيبل عندما تبدأ المعدات والآلات بالدوران. ورواق الناسا الذي يبلغ ضجيجه 58 دسيبل هو اكثر الحجرات هدوءا. ويشار الى ان الحد الاقصى للضجيج على المكوك الفضائي هو 68 دسيبل. الا ان رحلات المكوك لا تطول اكثر من اسبوعين ولذلك يعتبر التعرض مقبولا. يقول جودمان ان كل الدراسات التي اجريت اظهرت ان هذه الحدة مرتفعة جدا للعمليات طويلة الامد. وسدادات الاذن وكواتم الصوت التي توضع على الرأس لا تقدم حلاً للمشكلة. ويضيف جودمان: «حاول ارتداء هذه السدادات أو الكواتم لمدة 24 دقيقة. انها مزعجة جدا. ولا يستطيع رواد الفضاء تحملها». ويعتقد جودمان ان الضجيج في مقصورة الخدمة حيث توجد عشرات المراوح اعلى حتى من ضجيج المحطة الروسية مير التي اخرجت من مدارها في مطلع هذه السنة. وكانت هناك تقارير عديدة عن حدوث مشاكل سمع على متن مير مما يجعل مقصورة الخدمة محفوفة بالمخاطر. وعن ذلك يقول جودمان: «افراد الطاقم مضطرون لتكرار ما يقولونه عدة مرات واحتمال حدوث اخطاء موجود. اذا لم تسمع الارقام الصحيحة فانك تتخذ خطوات خاطئة مما قد يكون له مضاعفات سيئة». وتزداد المشكلة تعقيدا بسبب خليط جنسيات الاشخاص الموجودين على متن المحطة. يقول جودمان: «عندما يكون الاتصال بين امريكي واخر ياباني أو روسي، يكون الفهم صعبا، وعندما تكون البيئة صاخبة يصبح الامر اكثر صعوبة». القائد الحالي للمحطة الفضائية الرائد الامريكي فرانك كلبستون اعرب عن مخاوفه. فهو يقول ان جهاز الانذار من الحريق انطلق ذات مرة في المختبر لكنه لم يحس بذلك الا بعد مضي بعض الوقت. وقد كان انذارا كاذبا. وابلغ كلبستون مركز المراقبة في مطلع شهر يناير، ان جرس الانذار لم يشد انتباهه كما كان يتوقع، وانه ينبغي رفع نبرة الجرس ليصبح اعلى من الهدير الدائم للاجهزة. وتعتزم روسيا استبدال مراوحها بأجهزة اكثر هدوءا الا ان ذلك لن يتم قبل 18 شهرا حسب تومي هولواي، مدير برنامج المحطة الفضائية في ناسا، الذي يشدد على ان المشكلة مالية وليست تقنية. وخلال ذلك ينصرف المهندسون الى ايجاد حلول اخرى مثل فصل وعزل الآلات التي تحدث ضجيجا.