قوتها ومتانتها تسحرك على الفور.. انها السفينة جيمس كايرد التي بنيت في الأساس كزورق لصيد الحيتان، لأن الحيتان لم يكن يتم اصطيادها في أي شيء مهلهل أو رديء الصنع. يبلغ طول السفينة حوالي 23 قدما، ولكن عندما تعرف عن الرحلة التي كان عليها ان تقوم بها، فإن السفينة تبدأ فجأة بالظهور بمظهر الشيء الصغير جدا جدا. تخيل ثلاثة رجال مستلقين على أرضية من ثقل الموازنة الصخري يحاولون النوم في الجزء الأمامي من السفينة. ورجل آخر يحرس ذراع الدفة، واثنان آخران يشغلان نفسيهما بقطع الثلج الملحي وازالته عن ارضية ظهر المركب الزلقة أو بضخ الماء من قاع المركب. وفي هذه الاثناء، تبحر السفينة جيمس كايرد وهي تتقاذفها الامواج عبر المضائق المعتمة والجروف الناتئة لجنوب المحيط الاطلسي، وهو أكثر الامتدادات المائية غدرا على وجه الكرة الارضية قاطعة 800 ميل خلال 17 يوما. وهؤلاء الرجال الستة الذين يعذبهم العطش يحدوهم أمل ضعيف بالوصول سالمين، فالابحار شبه مستحيل في تلك المياه، حيث يندفعون في البحر، بينما تعصف الرياح بأشرعتهم الضعيفة وهم يعلمون انهم اذا ضلوا الطريق الى الجزيرة الصغيرة التي يتوجهون اليها فإنهم سينجرفون الى مياه المحيط المفتوحة مما يجلب الموت المحتم لهم وللرجال الـ 22 الذين تركوهم خلفهم معزولين على جرف ناء في القطب الجنوبي. تعتبر الرحلة التي قامت بها السفينة «جيمس كايرد» من جزيرة الفيل الى ساوث جورجيا واحدة من أعظم الرحلات البحرية التي تم القيام بها على الاطلاق. وقد وصفها سير أرنست شاكلتون بأنها «حكاية صراع عظيم في مياه هائجة». والآن تقبع السفينة ذاتها في المتحف البحري الوطني في جرينتش، حيث تم استعارتها من كلية دولويتش. وقبل عامين، ذهب عامل سكة حديد متقاعد يدعى فنسنت لتفحص السفينة في مقرها الدائم، وهناك أقيمت حفلة، فألمح بعض الضيوف الى ان والده جون كان أحد البحارة الشجعان الذين كانوا على متن السفينة في أحلك ساعاتها. ويقول فنسنت بهذا الخصوص «لم يبد على أحد أدنى اهتمام، ولهذا أبقيت رأسي مطأطأ، تجولت في المعرض وتساءلت كيف نجحت السفينة في القيام بتلك الرحلة». غير ان الرحلة لم تكن سوى جزء فقط من القصة الرائعة للحملة الامبراطورية عبر القطب الجنوبي التي انطلقت من انجلترا في أغسطس من عام 1914 في الوقت الذي كان اعلان الحرب يدوّي في آذان جميع من على متنها، وذلك من اجل عبور القارة القطبية الجنوبية لأول مرة. انها قصة بقاء وتحمل جماعي في وجه المخاطر والصعاب الفائقة. وعلى الرغم من فقدان سفينته «انديورانس» في الجليد، الا ان شاكلتون تمكن من قيادة رجاله الى بر الأمان عبر رحلة استغرقت عامين. والآن فقط، وبعد ان تزاحم منتجو الافلام على تجسيد الرحلة على الشاشة السينمائية، بدأ ينظر اليها في سياقها الحقيقي كحكاية بطولة قطبية أكثر تعاطفا مع زمننا هذا من الحكاية الرومانسية المقاومة للحياة التي نسجها الكابتن روبرت فالكون سكوت. فطوال الجزء الأكبر من القرن الماضي، اعتبر سكوت نموذجا لعمليات الاستكشاف القطبية البريطانية. ومنذ ان أبرز كتاب رولاند هنتفورد بعنوان «سكوت واموندسون» البطل في عام 1979 كرجل هاو يضع المجد فوق البقاء، ظل الاساس فارغا. ومع ذلك، عندما نشرت السيرة الذاتية لشاكلتون التي كتبها هنتفورد في عام 1985 تساءل أحد النقاد الأمريكيين حول من سيقرأ سيرة حياة رجل لم يسمع به أحد، لكن هذا لم يعد هو الوضع القائم وقد جاء زمنه أخيرا. يقول هنتفورد: «في ظل الظروف التي عليها العالم الآن، فقدت البلاد أخيرا تذوقها للبطل الرثائي والقرباني وهي تفضل الناجين. وبالطبع كان شاكلتون أعظم الناجين انه شخصية كثيرة الشبه بشخصيات هوميروس. إن الاهتمام الامريكي هو الذي أدى الى الاعتراف بانجازات شاكلتون ربما لأنه كان يجسد الفضائل الامريكية العملية أكثر من تجسيده للفضائل الانجليزية وتمثل هذا الاهتمام في اصدار كتاب يحمل عنوان «انديورانس» للكاتبة النيويوركية كارولين الكسندر، بالاضافة الى اقامة معرض متنقل جاب جميع ارجاء الولايات المتحدة لابراز شجاعة شاكلتون وقدرته على القيادة. كما صدر دليلان في مجال نشاط الاعمال يقدمان «دروساً في القيادة» اعتمادا على طريقة شاكلتون في التعامل مع أولئك الاشخاص الذين كانوا تحت امرته. وانتقل الاهتمام بشاكلتون ورحلته الى دور الانتاج السينمائي حيث قامت شركة ايماكس السينمائية بانتاج فيلم خاص يصور تلك الرحلة. ويعكف المخرج السينمائي وولفجانج بيترسون على اخراج فيلم جديد بعنوان «انديورانس» من بطولة نجم هوليوود راسيل كراو. لقد كانت الحملة قليلة التمويل وسيئة التحضير بمثابة فشل ذريع من حيث هدفها المعلن، فقد غادرت السفينة «انديورانس» ساوث جورجيا في الخامس من ديسمبر عام 1914 حاملة طاقما مؤلفا من 28 رجلا ضم بحارين وعلماء وجراحين ورساما ومصورا وفريقا مؤلفا من 69 كلبا لجر الزلاجات. وبفضل جسمها المقوى الذي كان مصمما لكي يتحمل الاحتكاك بالجليد، تمكنت من الابحار عبر المحيط الى مسافة 80 ميلا عن اليابسة، ولكن بحلول 18 يناير عام 1915 أطبقت عليها الاطواف الجليدية بسرعة. لم يكن أمام شاكلتون من خيار سوى قضاء الشتاء القطبي الطويل عاجزا عن التحرك مع تحرك الطوف الجليدي الى الخلف باتجاه الشمال في بحر ويديل. وبحلول شهر سبتمبر كانت قبضة الجليد قاسية لدرجة ان السفينة «انديورانس» لم تعد قادرة على التحمل. فالضغط أدى الى ثنيها والتوائها، وعصرها في النهاية. وفي نوفمبر من العام نفسه غرقت عبر فتحة في الثلج. وعلى الرغم من البرد القارس وقلة الغذاء، فقد استطاع الرجال الصمود والبقاء على قيد الحياة حتى بداية الصيف وذوبان الجليد، ومن ثم انطلقوا بقوارب النجاة الثلاثة الى ان وصلوا الى جزيرة الفيل التي لم يسبقهم اليها أحد أبدا. وبهذا الوصول لم تنته مغامرة شاكلتون ورفاقه، وإنما يمكن القول انها بدأت لتنتهي بعودتهم سالمين الى أرض الوطن بعد غياب دام عامين. ضرار عمير
