استعرض أندرو ويتن عالم التطور النفسي عدة دراسات لكتّاب آخرين عن سلوك القردة. واستخلص ويتن 39 اختلافاً في السلوك بين مجموعات القردة الأفريقية لا يمكن تفسيرها إلا لسبب المهارات المكتسبة أو التعليم وليس الغرائز. فماذا تعني هذه النتيجة؟ يعني ذلك ان القردة ايضا لها حضارات وتقاليد ثقافية، وليس الإنسان وحده هو الذي يتمتع بذلك. وضرب ويتن أمثلة على تقاليد القردة، فقال إن احدى الفصائل الفرعية للقردة الأفريقية مثلاً تستخدم الحجارة لكسر الجوز بالطرق عليها وهي على قطعة من الخشب أو الحجر، أي مثل المطرقة والسندان ولا تستخدم أي فصيلة أخرى من القردة هذه الطريقة لكسر الجوز. وقد لاحظ علماء (القردة التي تسير على قدمين). إن قردة الشمبانزي في منطقة جومبي في تنزانيا تحب أن ترقص عندما تهطل الأمطار، غير أن أبناء عمومتها في منطقة بوسو، وهي غابة مطيرة في غينيا، لا تفعل ذلك. وتقوم هذه القردة في غينيا بكسر الجوز الضخمة باستخدام عصي قصيرة تطرق بها الجوز ثم تدخلها في الجوزة لاستخراج الثمرة الى فمها مباشرة. وهذا أسلوب آخر في تناول الغذاء، لا يشاركها فيه إلا القردة في ساحل العاج. ولاحظ أن هذه الطريقة تشبه استخدام الشوكة والسكين أو العصي اليابانية والصينية عند الانسان. وتقوم قردة منطقة جومبي في تنزانيا بمحاصرة النمل في صفوف طويلة ثم تضغطها في شكل «كباب» قبل أن تبتلعها. وهناك منطقة تسمى ماهيل تبعد عن جومبي 105 أميال وتسكنها نفس الفصيلة من قردة الشمبانزي تصفق بيديها عالياً في الهواء عندما تريد الزواج من الإناث وهو تقليد لا تقوم به إلا قردة هذه المنطقة، مما يعني أن لها عادات اجتماعية خاصة. وقد لاحظ العلماء أن هذه القردة تعلّم أبناءها أيضاً طرق تناول الطعام بعصي صغيرة. استبعاد الفكرة ويقول فرانسي دي فال، الأستاذ بجامعة ايموري في كتابه عن التقاليد الثقافية للقردة إن الجميع غالباً ما يستبعدون فكرة ان يكون للحيوانات عادات اجتماعية وثقافية، وكأن هذا أمر مستحيل. فإذا كانت القردة تستطيع أن تتعلم أموراً بسيطة مثل تناول الطعام بالعصي وكسر الجوز بالحجارة فإنها بالتأكيد لها عادات اجتماعية وثقافية. وقد بيّن ويتن ان مجموعات معينة من القردة تستطيع أن تتعلم ولها سلوكيات تعليمية معينة. لذلك يقول إن تعبير ثقافة ينطبق بالفعل على أي نوع من الحيوانات تتميز فيه فصيلة معينة عن غيرها بسلوك معين. وينتشر البحث في سلوكيات الحيوانات كالنار في الهشيم من القردة إلى غيرها من الحيوانات. فقد أوضحت دبرا جوردون بجامعة ستانفورد مثلاً أن مستعمرات النمل تغيّر سلوكها بناء على عمرها وقد توصلت الى ذلك من خلال دراسة 300 مستعمرة للنمل على مدى 20 عاماً. وتقول إن المجتمعات الأصغر سناً من النمل تكون عدوانية وتميل الى المواجهة في الوقت الذي تركن فيه المجتمعات كبيرة السن من النمل الى الدبلوماسية والحرص الشديد. والمعروف أن عمر النملة لا يتجاوز سنة واحدة، لذلك فلا بدّ انها تنقل خبراتها إلى الأجيال الجديدة، رغم أن نقل هذه الخبرات يتم بطرق غير معروفة حتى الآن. ويبحث العلماء حالياً في عادات وتقاليد وثقافة الحيوانات الأخرى حتى الفئران. فقد كشف ريتشارد بايرن الباحث البريطاني في أحد المؤتمرات العلمية أن الفئران السوداء تأكل حيوانات مثل السناجب، بينما الفئران البنية بالقرب من نهر بو في ايطاليا تسبح في النهر لتصيد المحار وتتغذى عليه. فلا بدّ أن لكل مجموعة من هذه الفئران ثقافة وتقاليد خاصة بها.
