ظللت ألح على الأسرة عامين كاملين لتقبل الانتقال من حي المهندسين المزدحم الى مدينة الشيخ زايد الصحراوية الجديدة. فقد ضقت بالزحام حتى طلقت قيادة السيارات، واشتقت الى الفضاء الرحب. وقاومت الأسرة مقاومة شديدة، وهذا طبيعي فالنفس تتعلق بما تعودت عليه. وعندما أقول الأسرة أعني زوجتي. فلقد تضاءلت الأسرة مع الزمن لتصبح فردين فقط. الأولاد تفرقوا في البلاد، فأصبحنا نرى أحدهم مرة أو مرتين في الاسبوع، في حين أصبحنا نرى واحدة منهم كل شهور طويلة فهي تدرس خارج البلاد. ومع ذلك فأنا مصمم أن استخدم تعبير الأسرة. وهذا ليس رجوعا الى التقاليد القديمة التي كانت تجعل الرجل يسمي زوجته الجماعة! أو يطلق عليها أحيانا لقب أم الأولاد حتى لا يخصصها أمام الغرباء. ولكنني عندما أقول الأسرة فأنا أعني الجالسين في شرفات المتفرجين. لهم أيضا رأيهم فهل المسافة الى البيت الجديد قريبة وسهلة أم العكس؟ فإنها اذا كانت بعيدة وصعبة سيتعلل الأولاد بهذا ولن نستطيع رؤيتهم إلا كل فترة طويلة. ولقد وافق الجميع فورا، أما زوجتي فلقد قاومت الفكرة عاما كاملا. وأدركت حالا السبب. لاشك أنها فكرت في بشاعة عملية النقل لأسرة في سننا. فأنا على سبيل المثال أجمع أوراقا تعود الى ثلاثين عاما أو أكثر، وأنا كما يعرف أصدقائي أكثر الناس اهمالا ولا أحتفظ عادة بأي شئ، ويعرضني هذا أحيانا لمواقف صعبة. وربما كان الانتقال صعبا أيضا من الناحية النفسية. فنحن في هذه البقعة منذ أكثر من عشرين عاما. وعندما انتقلنا عبرنا الشارع لا أكثر أما الانتقال الى مكان يبعد ثلاثين كيلو مترا فهو شئ آخر. أما أنا فلم يمر عليّ قلق الانتقال. ولا أظن أن أحدا ممن أعرفهم عرف الانتقال مثلما فعلت. فلقد كان أبي موظفا من موظفي الحكومة، وتتطلب مهنته كثرة الانتقال من بلد الى بلد. ولذلك كنت معتادا على الانتقال من بيت الى بيت. وكانت البيوت تختلف بشكل كبير، بعضها شقة عادية، وبعضها بيوت كبيرة من طابقين، وربما كان معها حديقة. ولا أنسى إحدى هذه الحدائق وفيها ثلاث شجرات من المانجو كنت أقضي معها فصل الصيف أنتظر سقوط حباتها، لأن الثمرة التي تسقط وحدها تكون عادة أطيب. وكانت إحدى هذه الشجرات تطرح عددا قليلا من الثمار لكنها لذيذة الطعم، في حين أن إحداها كانت تحمل آلاف الثمار. لكن طعمها ذاعق ومالح وهكذا عرفت منذ وقت مبكر أن الأندر هو الأفضل. وعندما نصحني يحيى حقي بعد سنوات طويلة أن أفعل القليل الذي أحب بدلا من الكثير السائد، فهمت النصيحة. ويبدو أنها أيضا قريبة الى طباعي. لذلك كنت دائما قليل الأعمال. ومع ذلك لاحظ صديق بطريقة فظة أنني كثير الأعمال. وكنت أتخيل أنه يعرف أن الجزء الثالث من بوابة الحلواني كتبته منذ سنتين ولم أكتب هذا العام سوى مسلسل اذاعي عن طلعت حرب.. وهو قليل لكاتب متفرغ. ويبدو أن الصديق حسب أيضا المقال الاسبوعي الذي أكتبه في «البيان» فهو من قرائها. ومن الغريب أنني عندما فكرت في تقليص الأعمال التي أقوم بها على قلتها كما ترى فكرت أن أكف عن كتابة هذا المقال. ومع ذلك فهو أصعب الحلول، فأنا لا أعرف من أتحدث معه في هذا. إنني أشبه بالجندي الياباني الذي وضعوه على مشارف كهف وقالوا له دافع عن هذا المكان، ونسوه. وانتهت الحرب. وظل يدافع عن الكهف عشرين عاما بعد الحرب. وأنا أريد أن أعرف من هو قائدي في هذه الحرب، لأستأذن منه في الكف عن الكتابة. واذا كان يونسكو صورنا ونحن ننتظر جودو فأظن أن جودو بالنسبة لي كان هنا واختفى. ولا أعرف هل جودو يقرأ ما أكتبه، ولابد أن يفعل، فهذه مسئوليته. فإذا كان يقرأ لي، أعتبر هذه رسالة له أرجو أن يجيبني عليها، أي اذا كان قائدي تركني عند الكهف، واعتزل الصحافة مثلا! وأعود الى قصة الانتقال التي بدت لي يسيرة، فإذا بها عملية كبرى. وبدأوا ينقلون بعض الأشياء. ولاحظ كلمة بدأوا فأنا لا أعرف ماذا أفعل في هذه الحالات. ونتيجة معرفتهم بي، يحرصون على ابعادي. ودخلت الغرفة فوجدتها جرداء. وآثار الأثاث منعكسة على الجدران، والأرض عليها تراب وأوراق وخشب أحسست ببرودة الغرفة. وجاءت يد لتعصر قلبي عصرا. أحسست بالغربة والوحدة. وأدرت مناقشة مع نفسي أذكرها أنني الذي فكرت في الانتقال وتحمست له. ولابد أن أتحمل الآن آلام الفراق حتى وإن كنت استهين بها. وسيطرت علي فكرة عارمة أن أرى البيوت التي سكنتها من قبل، طبعا الالمام بها جميعا كان مستحيلا، ولكنني قررت أن أبدأ. وكان قد سبقني في الانتقال صديقي عمار الشريعي، كان يسكن على بعد بيتين مني. أما الآن فلقد انتقل الى فيلا جميلة تجاور قصر محمد علي بالمنيل، وتطل على النيل، وهو الأمر الذي أنكره أصدقاؤه من العميان، وهي مجموعة من أظرف الناس وأرسل عمار سرا من يأتي بكميات من الطوب، وأعطى كلا منهم كمية منها, وطلب من كل واحد القاء نصيبه حتى يسمع صوت اصطدام الطوب بالماء، فيصدق أن الفيلا على شاطئ النيل. وفي طريقي الى بيت عمار تذكرت أنني كنت أسكن في هذا الحي مع نهاية دراستي الجامعية وقضيت أكثر من ساعة أطوف المكان بحثا عن البيت فلم أجده. وتذكرت محاولتي أن أري زوجتي البيت الذي كنت أسكنه في مصر الجديدة وكنا في طريقنا الى عرس في أحد الفنادق. وتأخرنا ولم أصل الى البيت. ولأن الرغبة كانت عارمة وجدتني أقصد البيت الذي كنت أسكنه في شبرا عندما كنت طالبا فهو الذي استخرجت عليه بطاقتي، والعنوان الموجود فيها هو عنوان البيت. وقبل أن أدلف الى الشارع. وبالمناسبة كان استاذنا يحيى حقي يكره كلمة يدلف هذه. واجهت محلا تجاريا تذكرته فجأة. كانت تديره فتاة جميلة، ربما كانت التي شجعتني على التدخين، إذ كنت أمر عليها كل يوم لأشتري شيئا. وفكرت أن أشتري شيئا آخر. فلقد كففت عن التدخين بعد أن أنشب أظافره في صدري. واقتربت لأجد كرة من اللحم. وزعمت أنني أريد أن أشتري حلوى، وأنا أحاول أن أستعيد صوتها القديم. ولكنني فجأة رأيت فيها ما لم يتغير: عينيها. كانت عيناها في لون العسل المصفى كما كتب احسان عبدالقدوس، أو كانتا ذهبيتين كما كتب بلزاك. ورأيت في عينيها أنها تذكرتني، فأحسست بأنني أطير في السماء، قالت لي: أنا أعرفك. لقد رأيتك عدة مرات على شاشة التليفزيون. وحاولت أن أتعلق بالأمل: وتذكرين أنني كنت أسكن هنا؟! لكنها لم تكن تتذكر. وقضت ذات العيون الذهبية على رغبتي في البحث عن البيوت القديمة. وفجأة تذكرت حادثة قديمة، فلقد كنت أعمل في إحدى المؤسسات، وكان طبيبها متواطئا مع الادارة، فهو يرفض الاعتراف بأي مرض حتى لا يحصل الموظف على اجازة. ومن باب المشاكسة ذهبت له دون مرض، فإذ به يشخص لي مرضا خطيرا. ويعطيني اجازة، وهذا مما لم نسمع أنه فعله. وقابلت الموضوع بسخرية، ولكن زملائي بدا عليهم الخوف، مما جعلني أخاف أنا أيضا.. وأردت أن أتأكد من التشخيص، ولم أكن أعرف من الأطباء إلا سمير فياض، لكنه كان على سفر وسيأتي في الغد. وقضيت اليوم أبحث عن أصدقائي القدامى. مرة أبحث عن البيوت القديمة ومرة عن الأصدقاء القدامى. ما معنى هذا؟ وقررت أن أتعايش مع أحاسيسي الحزينة وأنا راحل. ولكن أي رحيل؟!