يسود اعتقاد بأن تركيب المحيطات والمسطحات المائية على الارض قد تغير على مدى الـ 500 مليون عام الماضية وقد ايدت هذا الاعتقاد دراسة حديثة حول القطرات المائية الدقيقة داخل البللورات القديمة الحفرية. ويقول لورانس هاردي استاذ العلوم الارضية والكواكب بكلية كريجر واستاذ العلوم بجامعة هوبكنز ان الحديث ليس عن تغيرات هائلة، فليس من المتوقع ان يحدد تغيير كيماوي بين يوم وليلة من الان في مياه المحيطات مثلا لن تتحول المياه الى وسط قاعدي تماما، لكن هناك تغيرات في مستويات بعض المكونات الكيمياوية الرئيسية وقد تكون هذه التغيرات كافية للتأثير على اشكال الحياة البحرية وقد تساعد نظرية هاردي العلماء في فهم اصول تكوينات مثل الجروف البيضاء في دوفر بيريطانيا والرواسب الطباشيرية الهائلة في انحاء العالم. يعرف خبراء الجيولوجيا ان هناك مخلوقات دقيقة بحرية تسمى بلانكتون، لكنهم لايعرفون لماذا يكثر وجودها بهذا الشكل منذ تكون الرواسب الطباشيرية وهي الفترة الجيولوجية التي تسمى العصر الكرتياسي. ويقول هاردي ان البلانكتون حدثت فيه طفرة هائلة ولا نعرف سببا لذلك لانه كان المعتقد سابقا ان الكيمياء البحرية هي نفس الكيمياء الكرتياسية نسبة الى العصر الكرتياسي. مستويات اعلى لكن نظرية هاردي تفيد بأنه قد يكون هناك مستويات اعلى من الكالسيوم ذاب في مياه البحر في ذاك الوقت وقد يكون ذلك قد ساهم في طفرة نمو البلانكتون الدقيق، واجهت نظرية هاردي اعتراضات كبيرة، فهي تربط بين تغير مستويات الكالسيوم والماغنسيوم والبوتاسيوم والسلفا الايونية الذائبة في مياه البحر وتغيرات مناسيب قاع البحار التي تتضح في سلاسل جبلية في وسط المحيطات. السلاسل الجبلية هي المناطق التي تنفصل فيها الصفائح الارضية وتطلق مادة اللافا (المعادن المنصهرة) الى قاع البحر، ثم تبرد وتصبح هي قاع البحر الجديد. ويقول هاردي ان غالبية العلماء الذين درسوا هذا الموضوع منذ الخمسينيات اعتقدوا ان مياه الانهار التي تتصرف في المحيطات تتفاعل مع رواسبه وانه نوع من التفاعلات يشبه نظام الحماية الكيمياوية التي تجعل تركيب مياه المحيطات بلا تغير على الدوام. لكن الدليل الاخير الذي يعزز نظرية هاردي جاء عن طريق مشروع قاده احد تلامذة هاردي وهو تيم لونستاين استاذ الجيولوجيا حاليا بجامعة برمنهجام فقد كان لونستاين يدرس القطرات المائية الدقيقة في البللورات الملحية التي تنتمي الى عدة عصور جيولوجية مختلفة وتحتوي هذه البللورات على قطرات دقيقة جدا تسمى براين وهي تتكون من خلال تبخر مياه المحيطات. قام لونستاين وهاردي وآخرون بدراسة التركيب الكيماوي لهذه القطرات عن طريق ميكروسكوب مسح الكتروني مزود بأشعة اكس من اجل التحليل الكيماوي. نظرية هاردي ووجدوا ان نظرية هاردي قد توقعت بدقة ما سيجدونه مسبقا على اساس الزمن الذي تكونت فيه هذه البللورات الملحية. ويشعر هاردي بأن الدليل على تفنيد نظرية بقاء كيماوية المحيطات على حالها بدأ يتضح منذ بداية القرن العشرين عندما قام الكيماوي الالماني فان هوف اول حاصل على جائزة نوبل في الكيمياء بدراسة بعض الرواسب الملحية الكبيرة في المانيا. ويقول هاردي ان فان هوف كان يحاول الحصول على دليل تجريبي على كيفية تكون هذه الرواسب الملحية الهائلة، وقد افترضوا ان مياه المحيطات ثابتة التركيب الكيماوي كما افترض كثيرون في ذاك الوقت. لكنهم عندما فحصوا هذه الرواسب وجدوا ان بعضها كما لو كان ينحدر من اصل يشبه مياه المحيطات الآن، وارجع العلماء هذه الاختلافات الى احتمال حدوث تغيرات بعد حرق الملح لكن هاردي فكر في احتمالات اخرى. اهتم هاردي بصفة خاصة بالينابيع الملحية الدافئة التي اكتشفت في سلاسل قاع المحيط الاطلسي لان التركيب الكيماوي للمياه التي تخرج منها لايشبه تركيب مياه المحيط، كما لايشبه تركيب مياه الانهار. ولاحظ علماء المحيطات ان حرارة اللافا عند السلاسل الجبلية المحيطية تسبب حدوث شروخ وكهوف في قاع المحيط وتخرج منها ينابيع اخرى، وعندما تمر المياه في هذه الرحلة في قاع المحيط تذيب الماغنسيوم والسلفات وترسب الكالسيوم والبوتاسيوم. ويقول هاردي ان هذا نموذج بسيط لانه لا يحتوي على حسابات معقدة، فقد طور النظرية حيث اعتبرت المحتوى الكيماوي للمحيطات هو عبارة عن حساب المدخلات من الينابيع في قاع المحيط واختلاطها مع المواد المتدفقة من القارات عن طريق الانهار. وتوقع هاردي تركيب مياه المحيطات في عصور جيولوجية مختلفة عن طريق تقدير التغير في معدل انتشار الاشكال الصخرية في قاع المحيط. وقد اختبر هذه التوقعات مقابل الادلة التي حصل عليها من عينات من الحجر الجيري والملح ومواد اخرى تكونت عن طريق التبخير. ويقول هاردي ان هذا النموذج البسيط ادى الى نتائج هامة فاستطاع ان يحدد الفواصل الزمنية بين التغيرات الكيماوية في مياه المحيطات، بحسب فترات كل منها عشرة ملايين عام.
علوم وتكنولوجيا ـ تتغير كيماويتها كل 10 ملايين عام، نظرية علمية جديدة عن التركيب الكيماوي لمياه المحيطات
