اذا كان العرب قد اثبتوا على مدى تاريخهم انهم اشطر من غيرهم في ذبح بعضهم البعض.. فانهم قد اكدوا ايضاً انهم اشطر واقوى من الآخرين في ذبح لغتهم العربية المسكينة واراقة دمائها.. وتقطيع اوصال قواعدها في مذبحة مستمرة لا تعرف الرحمة.. ولا يبدو انها ستهدأ او تتوقف..! مذبحة لغتنا العربية جبهاتها مفتوحة.. على الاثير اذاعيا.. وعلى الورق صحفياً.. وعلى الشاشات الفضائية تلفزيونيا.. وفي المحافل والندوات الادبية والخطابية ثقافياً..! .. في مذبحة اللغة العربية استشهد «الفاعل» منصوباً بـ «فتحة» طائشة.. وسقط «المفعول به» مضرجاً بالضمة الظاهرة.. وفشلت كل كتائب حروف الجر في «كسر» شوكة ما بعدها، واستسلم «المبتدأ» ملقياً بسلاحه «المرفوع».. ونزع «الخبر» لما اصاب المبتدأ فألقى هو الآخر بصحته معلنا قبوله لأي تنازلات يفرضها عليه المعتدون على لغته.. بعد ان اوسعوه «فتحا» و«كسرا» حتى «سكن» واستسلم آخر الامر..! .. في مذبحة لغتنا العربية تشتت عائلة «كان» بعد ان تعرضت اخواتها لعدوان بربري استهدف شل حركتها لوقف تدخلها لرفع المبتدأ ونصب الخبر، وتم نزع صلاحيات «إنّ» واخواتها بعد ان تلقين تهديداً صارما بعدم الدخول على اي مبتدأ او خبر الا بعد الاستئذان.. حرصا على الفضيلة وتمشيا مع الاخلاق الحميدة..! .. في مذبحة اللغة العربية اصبح «الحال» لا يسر، وضاعت «الضمائر»، ولم يعد «جمع المذكر السالم» سالماً، واصبح «المبني للمجهول» معلوماً للجميع، وقام «نائب الفاعل» بانقلاب ازاح فيه «الفاعل» عن موقعه، واعرب «المنادى» عن حسرته لان احداً لم يستجب لندائه..! .. وفي مذبحة اللغة العربية فشلت كل «ادوات الاستفهام» في الحصول على اجابة شافية عن اسباب نشوب هذه المذبحة او موعد انتهائها، واصبحت قواعد اللغة السليمة «ممنوعة من الصرف».. بعد ان تدهورت «الظروف» واصبحت في وضع يستدر «العطف» والشفقة..! وكأنه لم يكفنا ما فعله «النفرات» بلغتنا الجميلة بعد ان حولوها الى «واجد خراب».. وبعد ان تدنى حالها من مستوى «الارباب» وهوى الى مستوى «رفيج»، واشتد «الجنجال» بينهما حتى وصل الى حد «المسكرة» التي لا حدود لها..! لم يكفنا هذا.. فرحنا نطيح في لغتنا التي سميناها «جميلة».. ورحنا نوسعها ركلاً ولطماً على مشاهد من الناس وامام الجميع، ورفضنا الاعتراف بها والتعامل معها في معظم المؤسسات والبنوك، وبهدلناها في مكاتباتنا وفي لافتات محلاتنا.. واصبحت في وضع «المنبوذين» في الهند..! . في الاذاعة يقدم المذيع نشرة الاخبار متوجاً إياها باسمه، وكأنه يعترف مقدماً بما سوف يرتكبه في حق لغته العربية، متحملاً بشجاعة وجرأة يحسد عليهما مسئولية ذلك كاملة، ثم تبدأ النشرة.. وتبدأ معها طعناته الى كبد اللغة وامعائها واطرافها دون رحمة ولا هوادة، حتى تنتهي النشرة وقد اصبح ما استقر في اذهان المستمعين منها هو خبر العدوان الغاشم على حصون اللغة العربية وقلوعها، وتساقط عشرات الضحايا من الاسماء والافعال تحت قواعد اللغة التي انهارت على من وما فيها! . في التلفزيون.. تبتسم المذيعة الرشيقة عندما تطل على شاشة الفضائية فخورة بنصبها للفاعل وجرها للمبتدأ.. وبرشاقة تحسد عليها تضع على المجرور ضمتين تأكيداً لعدم اعترافها بشرعية انضمام حروف الجر الى جامعة اللغة العربية..! في التلفزيون ايضاً.. هناك المذيع او مقدم البرنامج الذي لا تبدو عليه السعادة الا اذا مسح بكل قواعد النحو ارض الاستوديو، ولا يبدو عليه الارتباك الا اذا «أخطأ» ونطق جملة بتشكيلها الصحيح، ربما خوفاً من أن يعاقب على ذلك!! في الندوات التلفزيونية.. تصاب بالاحباط الشديد وانت ترى من يتحدث بالعامية عن ضرورة استخدام الفصحى في الحوار، وتشعر باليأس وأنت تشاهد استاذاً جليلاً متخصصاً في اللغة وآدابها يرتكب من الأخطاء اللغوية خلال محاضرته ما يعجز عن ارتكابها بعض تلاميذه، وقد تفكر في الانتحار عندما «ينجعص» مقدم البرنامج في نهايته ليوجه الى هذا وذاك الشكر باسم اللغة العربية المسكينة.. وباسم السادة مشاهدي البرنامج «او ضحاياه»، ولا ينسى خلال هذا التقريظ ان يساهم مع ضيوفه الكرام في الإجهاز على ما تبقى من أصول اللغة وقواعدها..! بعض المؤسسات.. اجلالاً منها للغة العربية وحماية لها من عبث الجهلاء بها، خاصة بعد ان تكررت الأخطاء اللغوية الفادحة في مكاتباتها وفي أوراقها الرسمية.. أصدرت قرارها الحاسم بوقف التعامل معها وبها، واستبدلتها بلغة انجليزية ليس فيها فاعل ولا مفعول.. ولا مبتدأ او خبر.. ولا منصوب او مرفوع، باختصار ليس بها كل «وجع دماغ» اللغة العربية ام المشاكل ومصدر الأخطاء والمتاعب.. على أيدي أهلها قبل غيرهم، هكذا.. ومنعاً للمشاكل تم استبعاد هذه اللغة المعقدة، لا يهم ان يتم ذلك في بلد ناطق بما يسمى «لغة الضاد».. ولا يهم ان معظم المتعاملين مع هذه المؤسسات هم عرب اولاد عرب، وأنهم لا يعرفون حرفاً من هذه اللغة البديلة، فاصطحاب مترجم معهم في كل تحركاتهم ومعاملاتهم ليس بالامر الصعب او المكلف..!! وكلمة اخيرة.. أيها العربو.. حافظون على لغتكم الذي هي عنوانو حضارتكم، وكونوا يدن واحدتن لمواجهتي كل من يفكرو في الاعتداء عليها.. قبل ان تفقدونها وتفقدونا معها كل شيئاً..!» والى اللقاؤ والعلم نورن..!!