قبل تسع سنوات انعقد المؤتمر النقدي الرابع في جامعة اليرموك بإربد. وكانت السمة الغالبة على بحوثه دراسة المواقف التي وقفها المستشرقون من الأدب العربي. وقدّم فيما قدم بحث عن الكوميديا الالهية، ناقشه المؤتمرون بصور مختلفة. بعضها يدل على فهم، وبعضها يدل على تطفّل. فالذين طالعوا الملحمة او اطلعوا عليها كانوا اذا تكلموا أفهموا، والذين لم يطلّعوا ولم يطالعوا كانوا يقرزمون ويجمجمون، ويهرفون بما لا يعرفون، وعذرهم أنه يستحيل على القاريء مهما يؤت من الصبر والتفرغ وطول العمر، ان يحيط بكل شيء، في عالم تنهمر مطبوعاته على العيون انهمارا. لهذا رأيتني في هذه الخاطرة، وبعد ان انجزت «الوجيز في قصة الحضارة» راغباً في أن أنفح القاريء باليسير من الكثير، فأقدم اليه خلاصة هذه الملحمة لعلها تغنيه عن الأصل، ثم لعلها تضع بين يديه ملامح هذا الأثر الادبي قبل ان نضرب ما قيل فيه على محك النقد في الحلقة المقبلة. وهذه الخلاصة مستمدة من قصة الحضارة «لول ديورانت». لم يكن أبوا دانتي حينما سمّيا ولدهما «دورانتي ألجيري» ـ ومعناه حامل الجناح الطويل البقاء ـ يعلمان ان ولدهما سيكون له في أفق الخلود جناح ممدود. اما الشاعر، فرخّم اسمه، وجعله دانتي. وهو سليل أسرة عريقة من مدينة فلورنسا. أحبّ وهو يافع فتاة اسمها بياتريس، ألهمته هذا الأثر الادبي الكبير بعد موتها وهي في ريعان الشباب. نظم دانتي ملحمته الضخمة باللغة الايطالية الشعبية بعد أن كان الشعراء ينظمون باللاتينية، وجعلها مئة قصيدة، واتّبع فيها النظام التثليثي للقوافي، وأدار موضوعها حول الدين والأخلاق، وصبّ أفكاره في قوالب لفظية ذوات أبعاد ثلاثة: بعد حرفي، وبعد مجازي، وبعد رمزي، فالحرفي يصور الارواح بعد الموت، والمجازي يرمي الى تصوير حياة الانسان في الدنيا ومعاقبته او مكافأته في الآخرة وفق ما تكتسب يداه، والرمزي يتمثل في جعل الجحيم تعبيراً عن مرور الانسان بالخطيئة، والمطهر إشارة الى التبرّؤ من الآثام، والفردوس رمز للنجاة عن طريق حبّ الله. ومن ينظر في الأفكار المبثوثة في القصيدة يجد فيها حشداً من الفلسفة، والفلك، والجغرافية والتقويم، والتنجيم، والطلسمات، والايمان بالقوى الخفية، والتثليث، وآراء ابن رشد وابن سينا والغزالي والفارابي، وصوراً كثيرة مستمدة من القرآن والتفسير والإسراء والمعراج ورسالة الغفران، وتصوّف ابن عربي. 1 ـ الجحيم: خيّل الى دانتي انه لن يبلغ السعادة حتى يجتاز الجحيم، ثم المطهر، ثم تتلقّاه في السماء «بياتريس»، فتدخله الفردوس. فكيف تصوّر الشاعر هذه المواضع وصوّرها؟ تصوّر الجحيم هاوية سحيقة مظلمة في جوف الارض، تتصاعد من بين صخورها الوحشية أبخرة حارة، وروائح كريهة، وتزمجر فيها رياح عاتيات، لا يفوقها عتواً إلاّ صراخ المعذّبين. وعلى شفة الهاوية العليا يقيم من لم يؤثر عنهم في الدنيا خير ولا شر، وعذابهم أن تلسع الزنابير وجوههم، ويحرق الندم قلوبهم، فإياك والحيدة، وكن من أهل الخير. وعلى قارب ملاحه يدعى «كارون» وفي نهر اسمه «اكرون» يمضي دانتي في صحبة الشاعر القديم «فرجيل» الى دائرة الجحيم الأولى، فيجد فيها كبار الفلاسفة: أرسطو وابن رشد وابن سينا. ثم الى الدائرة الثانية، فيقابل اهل الزنى مثل هلين وكليوبترة، فيغمى عليه من هول المشهد، وحينما يستيقظ يجد نفسه في الدائرة الثالثة، فيلقى فيها عبيد الجشع، يأكل لحومهم كلب مفترس كما أكلوا في الدنيا لحوم الأبرياء. فإذا جاز الثالثة الى الرابعة وجد البخلاء والمبذرين يعذب بعضهم بعضاً باقتتال لا نهاية له. وفي الخامسة والسادسة صرعى الغضب والكسل، وفي السابعة القتلة والمنتحرون. وعلى تخوم الدائرة الثامنة تقف هولة مروعة تنقل دانتي ومرشده الى هاوية المرابين والقوادين، والمتاجرين بالدين، وعلى رأسهم البابا «نقولا الثالث». وفي الدائرة نفسها المنجمون ومختلسو الأموال العامة، وعذابهم احراق جلودهم وتجديدها كلما نضجت. وفي التاسعة ـ وهي الدرك الأسفل من النار ـ هوة يملؤها الجليد يدفن فيها خونة الاوطان، فإذا بكوا آضت دموعهم كحبات البرد. والخلاصة ان جهنم جمعت صنوف العذاب، وكلّما أمعن الانسان في اقتحامها زادته رعباً على رعب، وكأنها تمثل قسوة المسيحية في القرون الوسطى. ولا يحسّ القاريء شيئاً من الفرج الا حينما ينتقل دانتي وفرجيل الى المطهر. فماذا لقيا فيه؟ 2 ـ المطْهر: المطهر مخروط جبلي من سبع طبقات، يتلقى فيهن الانسان الوان العذاب الطفيفة، قبل ان يغفر له، ويدخل الجنة. والعذاب في المطهر آنيّ، وفي الجحيم ابديّ، وفيه يلقى دانتي الملوك الصالحين العادلين، ويدعو الى ترسيخ الملكية. والعقاب في المطهر يرمي الى غسل الأدران، وتبرئة القلوب من أوشابها، وفيه سبع شرفات. اولاها تشتمل على عقوبة تشبه عقوبة «سيزيف» صاحب الصخرة، والثانية يظهر فيها الحسّاد بثياب خشنة وعيون مغلقة، خيطت أجفانها بأسلاك الحديد. والثالثة والرابعة والخامسة لأهل الغضب والكسل والبخل، وفي كل شرفة منها عذاب يناسب الذنب. والشرفة السادسة مخصصة لتطهير المنهومين المغرمين بالطعام، وفيها تهتز الفاكهة الذكية على الأشجار أمام أولئك الجشعين الذين أذهبوا طيباتهم في الحياة الدنيا، فإذا امتدت ايديهم اليها لتقطفها تراجعت. والشرفة السابعة مخصصة للشعراء المجان الذين غلبتهم الشهوة ففسقوا واستغفروا لذنوبهم، فغفر لهم. وفجأة ينكص فرجيل على عقبيه، ويخلّي بين دانتي والجنة، ويبشره بأن عيني بياتريس ستهديانه سواء السبيل. وفجأة أيضاً تبرز من بين الحقول جارية حوراء عيناء، وهي تغني وتذكّر دانتي بخطيئة آدم التي أخرجت البشر من هذه الجنة، بعد ان كانت عامرة بهم. وتتعاقب المفاجآت، إذ تهبط بياتريس من السماء فلا يستطيع دانتي ببصره الحسير أن يراها، ولكنه يحسّ مرورها حينما تسري في أوصاله رعدة تذكره حبه القديم. لقد انتهت رحلة دانتي في المطهر، وهو الان يتأهب لاقتحام السماء ودخول الفردوس، وتذوق الجمال العلوي البعيد عن الشهوات، فكيف تصوّر الشاعر السماء والفردوس؟ وكيف صوّرهما؟ 3 ـ السماء والفردوس: كل شاعر يستلهم صوره من ثقافته وبيئته ويرسمها على ضوء ما يؤمن به، ويدعو اليه. غير ان دانتي في تصويره السماء والجنة استمد صوره من ثقافته وعقيدته، وأغفل البيئة. تلقى دانتي عن الكنيسة تحريم التصوير، فنزع الى التجريد، فلم يصور الملائكة والقديسين، او صوّرهم على نحو تعيا بإدراكه الأبصار، وتمثلهم كواكب نورانية تسبح في فضاء الجنة. ومع أن الكنيسة الكاثوليكية كانت في زمانه تعترف ببعث الجسم بعد الموت، فقد بالغ دانتي في تزمته، وحرّم ما أحلّت الكنيسة. استرشد دانتي بفلك بطليموس، فجعل السماء تسع كرات مطردة الاتساع، بعضها يحيط ببعض، وتدور كلها حول الارض، وهي في دورانها تسبّح لله، وتشاركها في تسبيحها النجوم، وما النجوم في حقيقتها الا أرواح الصالحين، تصعّدت الى علّييّن. وفي مزدحم الأنوار المقدسة: كراتها وأفلاكها ونجومها ينبعث نور بياتريس ليجذب اليه دانتي، ويرفعه الى الجنة الاولى، وهي جنة الذين لم يلوثوا نقاءهم بذنب. فلا يكاد يبلغها حتى تجذبه قوة صاحبته جذبة قوية، تبلغه السماء الثانية، وهي مثوى الذين كانوا يعملون في الدنيا أعمال البّر. وتتعاقب الجذبات من الثانية الى الثالثة، فالرابعة، فالخامسة. وفي الخامسة تقيم أرواح المجاهدين والشهداء في سبيل الحق. وفي السادسة ينعم برضوان الله القضاة العادلون. وفي السابعة يزداد جمال صاحبته بياتريس بهاء وصفاء، لكنه جمال محرّم على الحبيب. انها لا تجرؤ على الابتسام لدانتي لئلا تحرقه، وتحوله الى رماد بقوة اشعاعها. وفي السماء الثامنة يحنّ دانتي الى بياتريس، ويتودّد اليها، فتزجره، لأن هذه العاطفة أرضية، لا تخالط أهل الجنة. وبينما كانت بياتريس تحدق في جهة من الجهات كأنها تتوقع ظهور شيء تنشق السماء عن ضياء وبهاء، فتقول لدانتي: انظر الى جيش المسيح المنتصر، فلا يرى الشاعر غير نور موصول بنور، ولا يسمع غير أصداء الغناء والأنغام، فيدنو من الركب الذي تنبعث منه الأضواء والأصداء، ويخيل اليه أنه أبصر «بطرس»، فيقول له بطرس ساخراً: «ان الكرسيّ البابويّ سيظل شاغراً او مدنساً مادام «بنيفاس» بابا. ثم يختفي الموكب، ويصعد دانتي الى السماء التاسعة، وفيها الروح الالهية المجردة من الجسد، والأصل الثابت لجميع الارواح والأجساد، وأصناف الملائكة، غير ان دانتي يعجز عن رؤية الله، اذ تتحول الكواكب النورانية التي تكنفه الى وردة بيضاء كبيرة، فتنصرف بياتريس عنه، وتتخذ موقعها المخصص لها في تلك الوردة. وترسل القديس برنار الى دانتي، لعله يقدم له بعض العون، ويساعده على رؤية المشاهد السماوية. تلكم خلاصة سريعة للكوميديا الالهية اما دراستها، وضربها على محك النقد، والنظر فيما قاله المستشرقون عن تأثر دانتي بالفكر العربي الاسلامي فيها ففي الحلقة المقبلة ان شاء الله.