يبدو ان شعار «جيد كالذهب» لم يعد يعني الكثير في الاسواق المالية العالمية في الوقت الحالي فعلى الصعيد التقليدي، كان المستثمرون يلجأون الى الاصول المضمونة مثل السبائك الذهبية كملاذ آمن في اوقات الازمات الدولية. لكن الارتفاع في اسعار الذهب بعد الحادي عشر من سبتمبر الماضي كان ضئيلاً ومؤقتاً. صحيح ان المستثمرين تدافعوا في البداية للاحتماء من الاسهم المتقلبة بعد الهجمات على نيويورك وواشنطن وما ان فعلوا ذلك حتى ارتفعت اسعار الذهب الى قرابة 295 دولاراً للاونصة، ولكن بعد اسبوعين من وقوع الهجمات، وبينما كانت الاسواق تنتظر لترى كيف سيكون الرد الامريكي، توقف اتجاهها التصاعدي، وبعد شهرين، عادت الاسعار الى مستوياتها السائدة قبل الهجوم التي تدور حول 271 دولاراً للأنصة. وهذا السعر يعد بعيداً عن آخر ارتفاع كبير حدث خلال حرب الخليج عام 1990 - 1991 عندما ارتفعت الاسعار بمقدار 60 دولاراً لتصل الى حوالي 400 دولار للاونصة. ويقول ليونارد كابلان من مؤسسة «بروسبكتر اسيت مانجمنت» في نيويورك من المؤكد ان الشراء، لجوءاً الى الملاذ الآمن لم يكن الدواء الذي فكر فيه معظم الناس، وقد اثار ذلك دهشة عدد كبير من المحللين والمتعاملين في هذه الاشهر.وفي اوقات الازمات السياسية والاقتصادية، يمكن للذهب ان يقلل المجازفة عندما تتداعى الاستثمارات الاخرى. وبخلاف الموجودات او الاصول الاخرى، مثل اسهم الشركات التي قد يتبين انها عديمة القيمة، فإن الذهب سيحتفظ دائما بشيء من القيمة حتى وان كان استثماراً منخفض الربحية لا ينتج عوائد سريعة. ولهذا فإن القوى التي تحرك اسعار الذهب تختلف عن تلك التي تقرر فئات الاصول الاخرى، ويمكنها ان تتحرك في الاتجاه المعاكس للاسهم والعملات. والسؤال المهم هنا هو ما اذا كان الاخفاق في الحفاظ على ارتفاع في السعر مؤخراً هو مجرد لطخة بسيطة في سجل الذهب الناصع ام انه يشير الى نهاية تفضيل الاسواق للاستثمارات المدعومة بالاصول الصلبة. ان رأي الخبراء منقسم بهذا الصدد، فبعض المحللين يلقون باللائمة على الطبيعة غير العادية للازمات العالمية الراهنة وتاريخ السوق الحديث في اخفاق الذهب بأداء دوره في الاشهر الاخيرة، وبدأ محللون آخرون بالتشكيك في الافتراضات ذاتها التي تشكل الاساس لسمعة المعدن الثمين كملاذ آمن. ينتمي كمال النقبي من مؤسسة «ماكواري ريسيرتش» الى المعسكر الاول وهو يقول بهذا الخصوص: خلال حرب الخليج كان هناك هدف واضح المعالم، وكان من الواضح تماماً انه صعب للغاية، ان لم يكن مستحيلاً ان يفعل العراق شيئا، والآن الهدف اصعب بكثير، والغاية اقل وضوحاً. لقد عانت اسعار الذهب بالفعل خلال اواخر سنوات التسعينيات من القرن الماضي، عندما طرحت العديد من البنوك المركزية احتياطياتها من الذهب في الاسواق، وهكذا لم يعد المعدن الثمين مفضلاً لدى المستثمرين، ويشير احد المحللين الى ان الاسواق الراهنة تختلف تماماً في النطاق والمجال والقاعدة الاستهلاكية عن الاسواق في عام 1990. وبشكل خاص، يمكن اعتبارها حتى اكثر اعتماداً على جانب المستهلك واقل اعتماداً على جانب المستثمر، وفي ظل شبح الركود الاقتصادي الذي يضرب المستهلكين، فإن سوق الذهب لايزال غير كبير بما فيه الكفاية ولا قابل للتسييل او متوفر بدرجة كافية للسماح للمستثمرين برفع اسعاره بشكل مفاجيء. ان التحليلات التي قامت بها مؤسسة متسوي للمعادن الثمينة العالمية للتدفقات المالية على الولايات المتحدة في سبتمبر الماضي تدعم هذا الرأي بكشفها النقاب عن استثمار 100 مليون دولار فقط في اسواق الذهب مقارنة بـ 53 مليار دولار تم استثمارها في الصناديق المشتركة للاسواق المالية. ويقول روس نورمان من شركة «ذي بليون ديسك دوت كوم» اميل الى القول ان الذهب هو ملاذ آمن، لكن اداءه يستمر في الضعف بفعل حقيقة انه يواصل كونه بعيداَ عن متناول غالبية المستثمرين. ويخالف نورمان الرأي فريدريك بانيزوتي، المحلل في مؤسسة جولد افينو ومقرها جنيف، الذي يقول ان الطلب من جانب مستثمرين صغار في انحاء العالم على السبائك والقطع النقدية الذهبية اثبت ان السبائك الذهبية لاتزال جذابة اثناء الازمات.غير انه يعترف بأن الصورة الاقتصادية مواتية بشكل اقل لارتفاع ثابت لاسعار الذهب، ويقول بهذا الصدد ان «التخفيض في اسعار الفائدة في الاشهر الاخيرة لتجنب الركود الاقتصادي والحفاظ على الاقتصادات في المسار الصحيح يظهر ان الدولار الامريكي سيعاني بشكل اكبر وهذا يعتبر ضربة للذهب من حيث النشاط الملموس. كانت سنوات الستينيات والسبعينيات هي التي اكسبت الذهب سمعته المدوية كاستثمار الملاذ الآمن. فخلال حرب فيتنام بشكل خاص، كان الذهب يباع بمستوى غير مسبوق يقارب الـ 135 دولاراً للاونصة. وعندما بدأت الولايات المتحدة بطباعة المزيد من الدولارات لتمويل الحرب، قامت بشراء المزيد من الاحتياطات الذهبية للحفاظ على ذلك الانتاج المتزايد، وقد ادى ذلك الطلب المتزايد الى رفع الاسعار. ومع اندلاع الصراع في الشرق الاوسط خلال السبعينيات وتعرض افغانستان للغزو السوفييتي في عام 1979، عزز الذهب من سمعته كاستثمار آمن مقابل خلفية من اسعار النفط المرتفعة والضغوط التضخمية الاخرى. والآن يطرح بعض المحللين شكوكاً في تلك القراءة الخاصة للتاريخ. ويقول احد هؤلاء المحللين والذي يعتقد ان فكرة الذهب باتت قديمة ان ذلك التوجه كان مدفوعاً بالتضخم، وليس بفعل كونه ملاذاً آمناً، وفي ظل الظروف الراهنة، فإن مستقبل الذهب والتوجه المستقبلي لاسعاره بات من المستحيل التنبؤ بها حسبما يرى بعض المحللين الاقتصاديين. ضرار عمير