كثيرة هي المؤشرات التي ظهر من خلالها الشاي مكونا ثابتا لا يفارق الحياة اليومية البريطانية منذ قرون مضت، فكثيرة هي الأغاني التي ألفت حوله، وعديدة هي الاعمال الادبية التي نسجت خيوطها عليه، ولا حصر للأزياء التي استوحت الوانها وتشكيلاتها بفضله. تؤكد السجلات التاريخية الانجليزية المبكرة وصول الشاي للمملكة المتحدة قادما من الصين عام 1644 وان تاجرا بريطانيا يدعى توماس جاروي روج له لاول مرة عام 1660 باعتباره علاجا صحيا حقيقيا. وينقل مجلس الشاي البريطاني عن حملة جاروي الترويجية زعمها بأن الشاي يساعد على حماية الصحة وحتى مرحلة عمرية متأخرة وانه مفيد للبصر والتخلص من الامساك ومعالجة الرشح والاستسقاء والاسقربوط. وتضيف الحملة نفسها ان الشاي قادر على جعل جسم الانسان نشطا وقويا. اما الطب الحديث فلا يخفي فوائد الشاي لكنه يشير الى غير تلك التي ادعاها جاروي. اذ يؤكد علماء اليوم على الدور الذي يلعبه الشاي في تحسين صحة الفم «باعتباره مصدرا طبيعيا للفلورايد» واحتمالية تقليله لخطر الاصابة بامراض القلب وبعض السرطانات. واكتسبت عادة تناول الشاي شهرة في عصر جاروي وبحلول عام 1700 توزعت في لندن وحدها اكثر من 500 مقهى تبيع جميعها هذا المشروب الجديد. وبعد ذلك شهد القرن التاسع عشر طقسا جديدا تمثل بجلسة ما بعد الظهيرة او جلسة العصر المنزلية وفيها يقدم الشاي بفنجان زجاجي صيني فاخر معه طبق من معجنات وحلوى لذيذة المذاق تدور حولها محادثة حميمة يتناول فيها الجلسات هموم ما قبل العصر. وترجع قصة «شاي العصر» الى دوقة بيدفورد التي ادركت ان في الشاي ومعه بعض الوجبات الخفيفة حلا يمكن ان يسكت نداء الجوع ما بين فترتي الغداء والعشاء. ويقال ايضا ان تلك الفترة ذاتها شهدت الظهور الاول لبعض تصاميم الازياء البراقة واثواب حفلات الشاي وانماط حياة نسائية اخرى. وتقول شركة «تونينج» وهي احدى اعرق واقدم شركات صنع الشاي البريطانية ان ارتداء المرأة لفستان الشاي الفضفاض والناعم والمريح يجعلها تشرب ما تستطيع من فناجين الشاي وتأكل ما تسمح لها معدتها من المعجنات والاطباق الخفيفة المرافقة له من دون ان يؤثر ذلك على جمالية واناقة مظهرها الانثوي». اما وقد بلغ الحديث عمال المصانع، فقد تضمن برنامج عملهم ومنذ ما يقارب 200 سنة 10 دقائق استراحة لاحتساء الشاي ومن ثم دأبت بعض الشركات على منح موظفيها فترتي «استراحة الشاي» صباحا وعصرا، وعندما حاول بعض الصناعيين في فترة ما وقف هذه العادة طمعا في دقائق العمل كانت عاصفة الاحتجاج ضدهم اقوى من هدير الماكينة التي ارادوا لها الا تقف وهكذا فشلت جميع تلك المحاولات. وبعد ان تغير نمط الحياة اليوم، امست قليلة جلسات الشاي اليومية خلال فترة ما بعد الظهر وانحسرت ربما في عطل نهاية الاسبوع. وفي خضم عملية التغيير هذه، بدأ الناس يرحلون في هذه العطلة الاسبوعية الى الريف او اطراف المدن حيث تنتشر المقاهي التي تقدم الشاي او القهوة او العصائر الطازجة والمشروبات الخفيفة ليتم شربها او احتساؤها مع المعجنات «الحلوى المنزلية الصنع والتي تقدم عادة مع الزبدة أو المربى أو الكيك المثلج». وبهذا النهج توسع مفهوم شاي ما بعد الظهيرة في لندن وباقي المدن الكبرى ليصل الى افضل الفنادق واشهرها حيث يقصدها الزبائن للاستمتاع بنماذج مختلفة من الشاي والكيك التي تأتي بها نادلة انيقة لتقدمها على طبق من فضة.
