أحياناً يكون من السهل نسيان الحقيقة القائلة ان المومياوات هي اجساد لاشخاص حقيقيين، ولكن اصغ باهتمام الى الموتى الأزليين، وستسمع حكايات اكثر غرابة من حبكة اي من افلام الرعب السينمائية. ان المومياوات تتباين وتطل للنور باشكال عديدة تبدأ من اجسام محفوظة عن عمد، بمهابة ومهارة وطقوسية معينة، الى تلك الاجسام المخلدة بمحض الصدفة في مستنقعات لا يتخللها الهواء ومناطق يغطيها الجليد وصحارى جافة. ويقوم دارسو المومياوات المعاصرون باعادة تشكيلها لتعلم اسرارها. وسواء انجزت المومياوات في الماضي القريب او قبل ألوف السنين، فإنها تعتبر نافذة على حياة اخرى واماكن مختلفة وعصور بعيدة فهي تكشف تفاصيل خفية لثقافات مختلفة ولوجوه وعقول الناس القدماء ويمكنها حتى ان تجسد تاريخاً لاينافس للمرض مما قد يساعدنا في اكتشاف علاجات جديدة اليوم. البعض يقول انه من الغطرسة ان يأخذ العلم هذه الاجسام ويزعج نومها الابدي من اجل ان يلبي فضولنا فقط، ويصر آخرون على اننا سنكون اغبياء اذا رفضنا مثل هذه الهبة النادرة والثمينة، ولكن اذا عرض الخالدون ان يسردوا قصصهم، فمن منا سينكر رغبته في الاستماع؟ هناك الكثير مما يمكن تعلمه من الموتى. كانت كونستانزا سيروتي تعتبر نفسها «غريبة» على الدوام، باعتبارها متحدرة من مهاجرين ايطاليين واسبان الى الارجنتين. ولقد ترعرعت في سهول بوينس آيرس، وبقدر علمها لم تكن لديها اي صلة خاصة بجبال الانديز او شعبها. ومع ذلك، فإن سيروتي كانت تكن عاطفة خاصة منذ سن مبكرة للجبال ولشعب الانكا، الذين عاشوا ومارسوا عباداتهم هناك. ولكن شيئاً ما جذبها الى هناك على الرغم من انها لا تعرف بالضبط ما هو هذا الشيء. وتقول بهذا الخصوص: «قررت ان اكون عالمة آثار متخصصة بالمرتفعات. وكان ذلك هو هدف حياتي». وقبل عامين، ساعدت سيروتي في قيادة حملة استكشافية استثنائية، كانت الحملة تستهدف جبلاً بركانيا يدعى يويياكو يقع في اقصى شمال غرب الارجنتين وينتصب على ارتفاع 6723 متراً فوق سطح البحر، وهو مرتفع جداً لدرجة ان جسم الانسان لا يمكنه ان يتأقلم ابدا مع نقص الاوكسجين عليه، وفي هذا المكان اكتشفت سيروتي بعملها مع عالم الآثار الشهير جون رينهارد اعلى موقع لحضارة الانكا يعرف حتى الآن واستخرجت افضل المومياوات حفظاً التي تم اكتشافها حتى الآن، وهي عبارة عن جثث ثلاثة اطفال من الانكا كانوا قد اخذوا الى هناك وقدموا قربانا في طقوس دينية قبل حوالي 500 عام. من هم هؤلاء الاطفال، ولماذا دفنوا احياء في قبورهم الجليدية؟ انه لغز حقيقي لان الانكا لم يتركوا وراءهم سجلات مكتوبة على الرغم من قدراتهم التقنية والفنية المؤثرة، لكن سيروتي والآخرين اخذوا ينسجون ما جرى خلال طقوس الانكا على قمة الجبل باستخدام دلائل اثرية ووثائق من الغزاة الاسبان في القرن السادس عشر ومن عينات حامض الدي ان ايه القديمة المحفوظة في الثلج. تقول سيروتي: هذه المومياوات تشبه من يحمل رسالة وقد كان المقصود هو ان يكونوا رسلاً عندما تم تقديمهم قرابين للآلهة لتمثيل مجتمعاتهم في العالم الآخر، والآن يقومون بسرد قصصهم الى العلماء كذلك. في الحقيقة ان هناك اشارة ضئيلة الى الجزء الشمال الغربي الجبلي والنائي من الارجنتين في الروايات التأريخية التي وضعها الغزاة الاسبان فالمنطقة كانت اضافة متأخرة لامبراطورية الانكا التي امتدت 3000 كيلومتر على طول الساحل الغربي لامريكا الجنوبية في اوج عظمتها في القرن السادس عشر. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة هو لماذا اهدر الانكا واسلافهم قدراً كبيراً من الوقت والطاقة لتسلق هذه القمم الصعبة لبناء المعابد وتقديم القرابين؟ عندما بدأ رينهارد العمل في جبال الانديز قبل عقدين من الزمان، كان الرأي السائد هو انهم كانوا يحاولون الاقتراب من الشمس التي كانوا يعبدونها، ولكنه كان يشكك ايضا بأن الانكا عبدوا الجبال نفسها باعتبارها حامية لهم ومتحكمة بالطقس ومصدراً للمياه وبدأ يبحث في القمم عن انماط تدعم نظريته. وقد تمخض عمل رينهارد عن اكتشاف العديد من المواقع المقدسة على رؤوس الجبال، واصبح مقتنعا بوجود موقع آخر على الجبل البركاني يويياكو. وفي الوقت نفسه كانت سيروتي تركز انظارها على الجبل البركاني ذاته، ومن هنا جاءت الحملة المشتركة التي استغرقت 23 يوما قضاها اعضاء الفريق في ظروف جوية قاسية جدا كان يمكن ان تقضي عليهم. ولكنهم رغم ذلك لم يشعروا بهذه الصعوبات عندما تكللت جهودهم بالنجاح واكتشفوا موقعاً يحوي ثلاث مومياوات لصبيين وفتاة لاتزال بحالة ممتازة. كان الاطفال قد خضعوا للتجميد العميق لمدة خمسة قرون ولم يتعرضوا ابداً لتمزق الخلايا والتلف النسيجي الذي يسببه ذوبان الجليد. وقد كشفت التحاليل الخاصة بصور الاشعة ان اعضاءهم الداخلية هي من بين الافضل حفظاً في اي مومياء عثر عليها على الاطلاق، وادمغتهم بدت اشبه ما تكون بالحالة التي كانت عليها بعد وقت قصير من وفاتهم ورئاتهم لاتزال منتفخة بالهواء. ويمكن للمرء حتى ان يشاهد الدم في قلوبهم وأوعيتهم الدموية وليس هناك من علامات في اجسامهم تدل على تعرضهم للجروح او الرضوض. ونعود الى السؤال المتعلق بالسبب الذي يدفع الانكا الى ترك ثلاثة من اطفالهم يتجمدون حتى الموت على قمة احد الجبال يقول رينهارد وسيروتي ان الجواب سجله المؤرخون الاسبان الاوائل فمجتمعات الانكا كانت تضحي بأجمل اطفالها او فتياتها ممن هم في سن المراهقة كقرابين في احد اهم طقوسهم والذي يسمى «كباكوتشا». ضرار عمير



