«يكتب القلم لكنه قد يخطئ في بعض الأحيان، أما الكاميرا فتكتب صوتا وصورة» هكذا بادرنا المصور الفلسطيني طلال أبورحمة عندما سألناه عن علاقته بالكاميرا وكيف استطاع بين يوم وليلة أن يكون محط أنظار العالم كله. ولكن طلال أبورحمة، الذي كرمه مهرجان الاسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة، لم يكن صاحب صورة وليدة الصدفة وإنما مصور صحفي قدم دليلا على وحشية الممارسات الاسرائيلية وعدوانها على الحق الفلسطيني، ورغم تعرضه للملاحقة والتعسف الاسرائيلي فإنه لا يزال يلاحق اسرائيل إيمانا بعدالة قضيته، وبكاميرا لا تعرف الكلل. التقيناه وكان الحوار التالي: ـ هل حدثتنا عن شعورك بتكريم مهرجان الاسماعيلية لك في دورته التي يعود فيها بعد غياب خمس سنوات؟ ـ بالطبع أسعدني هذا التكريم، وأعتبرته تتويجا لعملي الذي أعشقه جدا، وتكريمي من مهرجان الاسماعيلية له وقع خاص على قلبي لأسباب كثيرة أهمها أن التكريم عموما يسعد ويفرح أي انسان، وعلى المستوى الخاص فإن تكريم مهرجان الاسماعيلية جاء كتقدير خاص من مهرجان مصري. جاء من مصر الشقيقة والحبيبة، في الحقيقة لديّ الكثير ما أقوله عن سعادتي بالتكريم المصري لي ولكني لا أستطيع أن أعبر جيدا، فالكاميرا هي أداة تعبيري المفضلة، وأعتقد أنني قلت من خلالها الكثير والكثير مما لا يستطيع القلم كتابته وما لا يستطيع اللسان البوح به. ـ تم تكريمك في كافة وسائل الاعلام العربية والدولية بعد تصويرك لمشهد مقتل الطفل الفلسطيني محمد الدرة فهل أسعدتك هذه التكريمات وهل تتذكر عددها؟ ـ لا يفارقني هذا المشهد أبدا، وأعتبر أن حظي السيئ فقط هو الذي قادني في تلك اللحظة وتلك الساعة من عصر ذلك اليوم المشئوم يوم 30 سبتمبر في العام الماضي، لأشاهد مقتل طفل برئ برصاصات الغدر الصهيوني، فيما كان والده يحاول أن يحميه ويحمي نفسه، ولكن عزائي الوحيد أنني استطعت بالكاميرا وبالصوت والصورة أن أسجل دليلا دامغا على وحشية وهمجية ودموية جنود الاحتلال، كنت أشعر بألم شديد وأنا أرى الطفل ووالده يستصرخان الجميع النجدة، والكل يقف عاجزا عن تقديم أي مساعدة لهما، كان موقفا لا نحسد عليه حتى وان كانت المشاهد التي التقطها قد تصدرت الصفحات الأولى لكبرى الصحف أو شاشات التليفزيون العالمية، ليس هناك أبشع من الشعور بالعجز أمام مثل هذا المشهد المأساوي الذي سيظل محفورا في ذاكرتي مهما طال الزمن، وبالطبع لست فخورا بما قمت به ولا استطيع مساعدته، كنت أحافظ على نفسي وعلى أرواح أخرى اتولى مسئولية رعايتها، لقد كنت في وضع حرج. ـ لم تخبرنا كم مرة تم تكريمك؟ ـ في الحقيقة مرات كثيرة وقد حصلت على عدة شهادات تقدير لعملي الصحفي من التليفزيون الفرنسي وشبكة CNN وبعد تصويري لمشهد الدرة تم تكريمي في العديد من الدول العربية والعالمية منها نقابة الصحفيين المصريين وجريدة الأخبار المصرية وجمعية محبي فن صلاح طاهر بالاسكندرية، وتكريم من قطر، وتكريم خاص من التليفزيون الفرنسي، اضافة الى العديد من الجوائز التقديرية والأوسمة التي حصلت عليها في المهرجانات العربية والدولية مثل مهرجان قرطاج بتونس، ومهرجان الاذاعة والتليفزيون بالقاهرة، ومهرجان تطوان السينمائي بالمغرب، ومهرجان فيز الدولي بفرنسا، ودرع المجاهد من الرئيس الايراني، وجائزة الصحافة العربية من الامارات، ووسام الشجاعة من نقابة الصحفيين الفلسطينين وغيرها. ـ نعود الى صورة اغتيال الدرة فهل استطاعت في رأيك أن تحقق ما كنت تأمل فيه؟ ـ بالتأكيد حيث استطاعت هذه الصورة أن تعري مقولة الدفاع عن النفس التي تجترها ماكينة الدعاية الصهيونية وترفع الغطاء عن الوجه الهمجي للاحتلال الاسرائيلي وتكسب القضية الفلسطينية في آخر المطاف تعاطفا دوليا كبيرا. ـ ولكن لماذا اكتسبت صورة الدرة هذه الأهمية، رغم أنها لم تكن أبشع من آلاف الحوادث التي سبقتها وما زالت تحدث؟ ـ ربما لأن هذه الصورة استطاعت أن تتجاوز حدود الكادر الصامت، واستطاعت أن تسجل استغاثات ومواساة الصغير لوالده مشلول الحركة في مواجهة جنود لا قبل له بهم، صارت هذه الاستغاثات صرخة تهدد كل أب بافتقاده الحيلة تجاه خطر كهذا يتعرض له ابنه، إنه سحر الكاميرا التي لا تكذب والتي تقلب موازين التفكير في أوقات كثيرة، يصبح معها الكلام أو الكتابة بلا قيمة أو أهمية لأنها في تكثيفها تقول لنا كل شئ، لذلك كان لابد أن تحتل صورة محمد الدرة الصدارة وأغلفة المجلات والصحف العربية والعالمية، وتحتل صرخات محمد الدرة واستغاثاته قصائد الشعراء، وتتصدر نشرات الأخبار لفترة طويلة. ـ مشاهد اغتيال الدرة هل كانت هي الوحيدة التي سجلتها؟ ـ لا هناك عشرات غيرها تماثلها في البشاعة هناك أيضا مشاهد دخول الدبابات الاسرائيلية لهذه المنطقة، بدون تعليق، لماذا، يوميات من الانتفاضة، وغيرها، وكلها تصور لنا بشاعة الاحتلال، وتؤكد لنا أننا في حاجة الى عشرات من الكاميرات، لأن الصورة عندما تتحول الى اداء قتال تصبح أخطر من الرصاصة وهو السلاح الذي يحاربنا به الغرب الآن. ـ نضالك بالكاميرا هل كان الأول في تاريخك أم سبقه أحداث أخرى تحسب لك في مواجهة العدو؟ ـ تم اعتقالي في سجون الاحتلال الاسرائيلية مرات عديدة، كان أولها في بداية دراستي الثانوية، وتم تقديمي للمحكمة العسكرية سنة 1970 وكان عمري وقتها أربعة عشر عاما بتهمة مقاومة الاحتلال وحكم علي بالسجن لمدة ثلاث سنوات، ودفعت غرامة كبيرة وحصلت على شهادة الثانوية العامة أثناء فترة اعتقالي في سجن غزة، وبعد خروجي التحقت بجامعة بير زيت لدراسة الحقوق ومنعت من استكمال دراستي حيث اعتقلت مرة أخرى، وسافرت الى الولايات المتحدة لدراسة ادارة الأعمال وبعد عودتي عام 1979 تم اعتقالي مرة أخرى. القاهرة ـ نيرة صلاح الدين