مؤلفا هذا الكتاب هما مؤرخان قررا العودة الى كتابة تاريخ الحرب العالمية الاولى 1914 ـ 1918 على اساس «التجربة المعاشة» لاولئك الذين انخرطوا فيها. لقد ارادا كتابة تاريخ هذه الحرب بالاعتماد على كتابات اولئك الجنود الذين كانوا في الخنادق وعلى جبهات القتال.. اي كما عاشوها كبشر من لحم ودم لهم عواطفهم واحاسيسهم الخاصة. ومن هنا جاء عنوان الكتاب «صرخة جيل». اذ لم يتم التركيز على الاهداف السياسية للاطراف الداخلة فيها وانما على انعكاساتها داخل النفس الانسانية.. المصادر الاساسية اذن في هذا العمل هي كتابات الجنود من مراسلات ومذكرات ويوميات وقد كان «ريمي كازال» احد مؤلفي هذا الكتاب قد نشر سابقاً بعض نصوص الجنود في عمل حمل عنوان: «مذكرات حرب الجندي لويس بارتاس». ويشير المؤلفان منذ مطلع كتابهما الى ضرورة «الحذر» عند التعامل مع مراسلات الجنود من الجبهة لعدة اسباب في اولها «الرقابة» التي تمارسها السلطات العسكرية عادة على كتابات الجنود.. ولكن ايضا «الرقابة الذاتية للجنود انفسهم» اذ تقرأ: «يعرف الجندي بان معنوياته الخاصة ترتبط بمعنويات اولئك الذين يحبهم. ولذلك لا يلجأ الى ذكر الاحداث او الحالات التي يمكن ان تثير قلقهم في مراسلاتهم لاهلهم او لاصدقائهم». وبسبب هذه الرقابة الذاتية قد يقول الجنود المعنيون لاناس غرباء ما لا يقولونه لأهلهم. وهكذا نقرأ في رسالة كتبها فريق يدعى «فاكييه» لرئيسه في المصنع الذي كان يعمل فيه: «ولكن لا تخبر زوجتي ابداً بالوضع السيء الذي يحيط بي هنا». ويجد مؤلف هذا الكتاب احد مصادرهما الرئيسية في الكتابات التي تم نشرها عن «قصص الحرب» خلال السنوات العشرين التي تلت بداية اندلاع الحرب العالمية الاولى. ويبينون الى اي مدى جرى التعتيم على حقيقة ما كان يعيشه الجنود في خنادقهم، بل والتعتيم على جريمة الحرب ذاتها، لصالح تاريخ «تم فرضه من اعلى». ويبدو انه كان هناك «روايتان» للحرب الرواية الرسمية التي تخدم اهدافاً معينة والرواية التي جاءت على لسان الجنود انفسهم. وضمن هذا السياق يتعرض المؤلفان لما كتبه العديد من المؤرخين حول الحرب العالمية الاولى، كما يتعرضان ايضا لما تم تقديمه من شهادات وتقديم تقييمهما لما يمكن اعتباره حقيقة كشهادات لها مصداقيتها. وهكذا يقدمان «قراءة» جديدة لمؤلف صدر عام 1932 تحت عنوان: «الحرب العالمية الاولى كما يرويها المحاربون». هذه الشهادات كانت بمجملها وكما يراها المؤلفان نوعا من المساهمة في «ثقافة السلام». التي لم تستمر مع ذلك طويلاً لان الحرب العالمية الثانية قد اندلعت بعد عقدين من الزمن وذلك لان المانيا كانت رأت في معاهدة فرساي وثيقة «اذلال» لها وليس وثيقة سلام اوروبي. وما يلاحظه مؤلفا هذا الكتاب هو عدم تركيز الجنود في كتاباتهم ومراسلاتهم على «كرههم» العدو الذي كان في مواجهتهم على الرغم من مشاعرهم الوطنية الاصيلة. كان الهدف الاساسي هو محاولة «الانتصار» في الحرب من اجل «الانتهاء منها» وذلك مع احساس دائم بالحنين الى العيش بسلام وسط حرارة الاهل والاصدقاء. مع ذلك يؤكد المؤلفان ايضا بانه «لم يكن هناك تجربة وحيدة للحرب» وبالتالي ليس هناك رؤية واحدة. وبهذا المعنى يبدو هذا الكتاب في احد ابعاده بمثابة نقاش لقضية «الشهادات» نفسها ومدى اعتمادها كمصدر في كتابة التاريخ. وكتاب ايضا عن استراتيجيات الحرب العالمية الاولى وعن رهاناتها عبر شهادات الذين شاركوا بها.