مؤلف هذا الكتاب هو طبيب اخصائي بالاذن ومشاكل السمع في مستشفى «سان انطوان» في باريس. وهو يحاول من موقع الاخصائي بالسمع ان يسبر اغوار المعرفة في ميدان اختصاصه بكل حيثياتها وتوجهاتها الصغيرة، وذلك من اجل غاية محددة هي محاولة فهم الآليات والمعطيات تجعل من الاذن «اذنا موسيقية» ويبدو من الواضح منذ البداية ان المؤلف يميل الى تغليب عنصرين اساسيين هما «الفيزيولوجيا» و«المورثات» في مجال البحث عن سر الاذن الموسيقية.. ولكن دون ان يهمل مسألة يراها ايضا مهمة واساسية، وهي تتعلق بـ «التعليم». ان المؤلف يؤكد ان عبقريتي «جان سيبا ستيان باخ» و«لفجانج امادوس موزارت» تعود بجزء منها الى مورثات سمعية.. ولكنه يؤكد في الوقت نفسه ان هذا وذاك ما كان ليصبحا ما آلا اليه لولا وجود أب في الحالتين ارغم كل منهما ابنه على الجلوس لساعات امام البيانو، وبكل الحالات تبقى الاذن الموسيقية بمثابة محصلة لفعل عاملين يشارك كل منهما بقسط في الوصول الى تنمية الاذن الموسيقية يتمثل هذان العاملان في الاستعداد الفطري من جهة والتعلم من جهة اخرى. وعبر تضافرها انجزت الاذن الموسيقية مسيرتها من اليونانيين القدامى وموسيقاهم شبه البدائية. وحتى سمفونيات موزارت. لكن مؤلف هذا الكتاب الطبيب المختص بحاسة السمع، لا يقبل باختزال الموسيقى الى مجرد فعل موروثات وانما يقول بوجود عملية فيزيولوجية معقدة.. ومع هذا تبقى هناك الكثير من الاسرار التي تحيط بآلية الانفعالات القوية النابعة من الموسيقى او المرافقة لها. مع هذا يتحدث المؤلف عمن يسميه بـ «الاذن المطلقة» والتي يعتبرها بمثابة هبة من السماء ولغز في الوقت نفسه. اذ لم يتمكن احد حتى الآن من ادراك سر قدرة بعض الاذن الموسيقية النادرة عن التمييز بين ادق الاصوات والنوطات الموسيقية دون اية مرجعية مسبقة. هكذا يستطيع بعض الموسيقيين التمييز بين اربع عشرة او خمس عشرة نوطة في الثانية الواحدة، كما يؤكد المؤلف ويضيف انهم يستطيعون تحديد نوعية الآلات التي اصدرتها بطريقة حدسية ومباشرة، ان طريقة تعرف ذوي الاذن الموسيقية على تباينات الاصوات والنوطات التي يسمعونها تبدو وكأنها رد فعل مستمر ولا واعي. ان مثل هذه القدرة على التعرف على عدة علامات نوطات موسيقية متتالية او متزامنة وتحديد اسمائها دون اية مرجعية سابقة هي ما يسميها المؤلف بـ «الاذن المطلقة» وهي مطلقة بمعنى اختلافها عما يسمى بـ «الاذن النسبية» المشتركة بين جميع الموسيقيين المحترفين والذين يستطيعون التعرف على هذه العلامات شريطة ان يكون قد تم تزويدهم مسبقا ب«المرجعية الصوتية». وما يميز الاذن المطلقة هو تمتع صاحبها بنوع من الذاكرة السمعية الاستثنائية، وضمن هذا الاطار يرى المؤلف ان واقع كون علامات السلم الموسيقى «الصولينج» هي انتاج غربي بدأ فعليا مع الموسيقى الكلاسيكية و«التأليف الموسيقى» لذلك يبدو ان الاذن المطلقة لا توجد في الثقافات الموسيقية الاخرى كما يقول المؤلف ثم يتساءل مباشرة: هل من المفيد امتلاكها اي الاذن المطلقة؟ وهل يمكن تطوير هذه الاذن المطلقة لدى طلبة الموسيقى؟ لقد حاول العديد من الباحثين في ميدان الموسيقى الاجابة على مثل هذه التساؤلات وجاءت اعمالهم لتؤكد الحقيقة الموضوعية للخصوصيات التشريحية التي تتسم فيها الاذن المطلقة ولتشرح ايضا الآليات الفيزيولوجية التي تعمل على اساسها.. وقد اكدت الدراسات المقدمة بمجملها ان ظهور الاذن المطلقة يتطلب بنفس الوقت وجود موهبة فطرية تغذيها منذ سن مبكرة معرفة وممارسة لـ «الصولينج، مما يسمح بالتعرف لاحقا على ادق العلامات الموسيقية. لكن التطور التكنولوجي الهائل الذي تتسم فيه هذه المرحلة من تطور الانسانية جعل الاهتمام بـ «الاذن المطلقة» محصورا بالاخصائيين في مجال فيزيولوجيا السمع وكذلك بـ «المحيط الموسيقي». وبكل الاحوال غدت الاذن المطلقة نادرة اليوم، ولعل اشكال الحرية التي تتسم بها الموسيقى المعاصرة والفوضى التي عرفتها موسيقى الباروك ـ سادت في القرن السابع عشر بأوروبا وتميزت بالحرية في التعبير الفني قياساً بما كان سائداً قبلها ـ هي المسئولة عن اختفاء الاذن الموسيقية، حسب رأي المؤلف الطبيب الاخصائي بميدان السمع. ما يؤكده المؤلف هو ان الاذن المطلقة التي يتمتع بها اشخاص نادرون يملكون بذور العبقرية انما هي ظاهرة استثنائية، رائعة تخرج عما هو مألوف وعام ومن العسير جداً شرحها، كما ان الاذن النسبية يتطلب هو نفسه تدريبا طويلا لكن مكن التوصل الى امتلاكها والبروز على الصعيد الموسيقي اذ تم تكريس زمن طويل في عملية التدريب. وذلك اساس انها صفة يمكن اكتسابها ولو جرى تعلم الموسيقى في سن متأخرة هذا على عكس الاذن المطلقة، التي لا يمكن اكتسابها بالعمل والممارسة اذا لم تبدأ التربية الموسيقية والعزف على الآلات منذ سن مبكرة شريطة توفر الموهبة التي يتم انتقالها غالبا من جيل الى جيل وتحتاج لوجود وسط موسيقى مزدهر كي تتفتح بدورها. ومن خلال دراسة تاريخية مفصلة يبرز المؤلف اهمية العامل الوراثي في امتلاك الاذن الموسيقية المتميزة اذ يبدو انه في حالة جان سيباستيان باخ مثلا كان هناك استعداد مسبق تم نقله من الآباء الى الابناء لاسيما وان ابوي باخ كان كلاهما موسيقيين. وتتكرر الحالة نفسها بالنسبة لموزارت حيث ان اباه كان هو الآخر موسيقيا. ويشير المؤلف في هذا السياق الى دراسات جرت في امريكا قبل عقدين من الزمن واثبتت دور العامل الوراثي في الموسيقى بشكل علمي وطبي بعد ان كانت مجرد الملاحظة وقراءة التاريخ تشير لذلك. الاذن الموسيقية تكون مطلقة او نسبية او مجرد اذن تملك موهبة الاستماع