عمل مؤلف هذا الكتاب مستشاراً للتسويق في عدة شركات تجارية كبرى. وكان قبل ذلك قد عمل ضابطاً في الجيش الامريكي كذلك لمع في عمله كمذيع بالتلفزيون. يقارن المؤلف في هذا الكتاب بين الصراع في ساحة المعارك العسكرية والصراع في مجال الاعمال ليقول بانه لا توجد وسيلة لإحراز انتصارات افضل من الرجوع الى التاريخ العسكري وتطبيق استراتيجياته على عالم الاعمال. ويرى بان دراسة الاستراتيجيات القديمة وفهمها تمكن مديري الشركات وحملة اسهمها والعاملين فيها من البقاء والاستمرار بل ويسمح لهم بالصعود الى القمة ايضاً. ويتم الرجوع في هذا السياق الى القاموس لتحديد معنى كلمتي حرب وصراع اللذين يترددان في عالم الاعمال وحيث يدلاّن على انهما يعنيان التنافس بين دول وامم للاستحواذ على بعض الاراضي او التفوق والسيطرة من قبل احدها او بعضها على الاخر.. او الاخرين.. ويستمر المؤلف في المنطق نفسه ليقول بانه اذا تم استبدال «الدول والأمم».. بـ «شركات» وايضاً «الحرب» بـ «المنافسة» فإنه يمكن القول بان الحرب التجارية هي «صراع بين شركات للاستحواذ على العملاء والتفوق والسيطرة لاحداها على الاخرى». غير ان المؤلف يستدرك بسرعة كي يوضح بانه ليس في نيته الاشادة بالحروب او تشجيع الشركات على الخروج من مجال المنافسة في الاعمال حتى ولو كانت الحروب بمثابة «دروس» نتعلم منها. ويبيّن المؤلف مدى استخدام المصطلحات العسكرية بشكل واسع بين الامريكيين في قطاع الاعمال والصفقات مثل الحديث عن «حرب الهامبورجر» بين «المكدونالد» و«بيرجر كنج»، وبين كوكا كولا وبيبسي كولا.. بل هناك في امريكا «حرب الكتب» بين المؤسسات والافراد المستقلين.. فالجميع يدافعون عن حصتهم من الاسواق.. لذلك فإنه يتعين على من يريد تحقيق الانتصار في تلك الحروب «التجارية» ان يستعين بالتفكير العسكري. فالجنرال الذي يقوم باعداد خطة عسكرية حربية لا بد وان يضع في حساباته استراتيجية عدوه وقوته وتشكيلاتها. وما اذا كان سيحارب بشكل هجومي ام بشكل دفاعي. لكن ما هي التكتيكات التي سيتبعها؟ وما هي الحروب والمعارك التي سبق وخاضها؟ وما نوعية اسلحته؟ ما هي نقاط قوته وقوة ضعفه؟. وكما قال احد كبار العسكريين النمساويين في القرن التاسع عشر الذي شارك في الحرب ضد نابليون والذي يعد من كبار مؤسسي الاستراتيجية العسكرية الغربية: «ان الحرب ليست مواجهة بين قوة حية ضد قوة لا حياة فيها، وانما هي صدام بين قوى حية» هذا يعني ان الطرفين يسعيان، كل من جهته، بالحاق الهزيمة بالطرف الاخر.. وكل فعل سيكون له بالضرورة رد فعل. لكن في مجال الاعمال، تفضل الشركات والمؤسسات التركيز على قوتها وخططها واهدافها ومستوى الخدمات فيها وقوتها على صعيد بيع منتجاتها.. ويذكر المؤلف في هذا السياق واقع ان الكثيرين من مدراء الشركات لا يهتمون بالمنافسة ويؤكدون ضرورة ان تهتم الشركات الاخرى بما يفعلون هم وبالتالي تبتعد عن المنافسة وبالتالي عن تحسين الانتاج. العاملون في هذه المؤسسات مدعوون للبحث عن عمل لدى مؤسسات اخرى». يقول مؤلف الكتاب. ان المؤلف يعود في مجمل تحليلاته الى الاستشهاد بمنطق الحروب والاستراتيجيات العسكرية ويقول بان هناك ثلاثة اسباب وراء انتصار قادة عسكريين على منافسيهم. وتتمثل هذه الاسباب في حيازة اسلحة متفوقة ونظم تكتيكية وقوة كبيرة، وموقف دفاعي قوي. ولتطبيق المنظومة الاولى من الاسباب على مجال الاعمال يرى المؤلف بان الشركات يمكن ان تلجأ الى احدى الاسلحة المعروفة، رخص الاسعار والتميز والتركيز على سلعة معينة. ويضرب عددا من الامثلة على شركات لجأت الى خفض الاسعار ونجحت في الحد من سعر التكلفة مما عاد بالفائدة على العملاء وبحيث اصبحت تلك الشركات قادرة على منافسة الشركات الاخرى التي تنتج السلع نفسه. ويعطي المؤلف المثل على ذلك بشركة «ديل» لصناعة الحواسيب والتي بدأت نشاطاتها المباشرة عبر البيع المباشر للعملاء وبدون وسيط. وقد استطاعت هذه الشركة عبر المستوى العالي من الخدمات الذي قدمته ان تصبح احد اكثر الشركات في العالم سرعة في النمو والازدهار. كما قدم المؤلف مثالاً آخر يتمثل في البنوك التي تقدم الخدمات المباشرة عن طريق الهاتف.. وكان مثل هذا النموذج قد بدأ في انجلترا مما شكل حافزاً لبنوك اخرى كي تقوم بالطراز نفسه من الخدمات كوسيلة للدرء من الخسائر. ويؤكد المؤلف على «سلاح» آخر في مجال الاعمال وهو تقديم شيء مختلف للعميل ذي قيمة متميزة، وان يتم الاستمرار في مثل هذا السبيل. النموذج المقدم بهذا الشأن هو شركة «ديسون» الانجليزية التي قدمت مكنسة كهربائية جديدة افضل من مثيلاتها مما جعلها تستحوذ على 50% من المبيعات في الاسواق بعد سنوات قليلة. غير ان هذا النوع من المنافسة لا يستمر طويلاً اذا انه في مثل «ويسوم» قامت شركة «الكترو لوكس» بانتاج مكنسة اخرى اكثر كفاءة من تلك التي انتجتها الشركة الاولى حيث ان مكنسة «الكترو لوكس» لا تحتاج الى كيس او الى مصفاة ـ فلتر. ويذكر المؤلف ضمن هذا السياق مثال شركة «أمازون» التي احدثت برأيه ثورة في عالم الكتب عبر بيعها مباشرة الى القاريء من خلال شبكة الانترنت وحيث اصبح خلال فترة قصيرة ـ نسبياً ـ اكبر بائع للكتب في العالم. ويركز المؤلف في تحليلاته ايضاً على «سلاح ثالث» في ميدان المنافسة وهو التخصص في الانتاج حيث تحولت شركة «ساس» الاسكندنافية الى شركة متخصصة في نقل رجال الاعمال وتقديم الخدمات لهم. وتخصص شركة «رانت ايه كار» بتأجير السيارات باسعار زهيدة مما جعلها سريعاً منافساً قوياً لشركة عريقة في هذا الميدان مثل «هرتز». ويضاف دائماً وبكل الحالات عنصر آخر في المنافسة يتمثل في القوة على صعيد العدد ـ الكم ـ اذ يسود اعتقاد لدى الجمهور، وهو ان الشركة الكبيرة هي التي تقدم دائماً افضل الانتاج وهذا ما يساعدها على الفوز بنصيب اكبر من السوق. ثم ان الشركات التي تتمتع بمركز قوي في الاسواق يكون من الصعب زعزعة مركزها وذلك لانها تتمتع بموقع دفاعي قوي، والموقع الدفاعي القوي له دوره الحاسم كما دلت معارك عسكرية حقيقية في التاريخ، وعلى صعيد الشركات فان بعض الشركات المختصة منها بـ «التكنولوجيات الحديثة» قد اختفت بعد فترة قصيرة فإننا نلاحظ بان شركات كثيرة لا تزال قائمة منذ عدة عقود من الزمن وذلك لانها دعمت اسباب وجودها منذ زمن بعيد واتخذت الاحتياطات الواجبة لهذا الغرض. ويتعرض المؤلف في احد محاور هذا الكتاب لمسألة اندماج الشركات الكبرى وحيث يكفي لاي مراقب بان يفتح آية صحيفة كي يطالع انباء الشركات التي اشترت اخرى او اندمجت فيها ودائما من اجل هدف واحد هو تقديم الانتاج الافضل والاقل سعراً. وقد كان عام 1998 قد شهد اكثر عمليات استيلاء شركات كبرى على شركات اصغر منها او اندماج شركات مع شركات اخرى... ووفقاً للاحصائيات فقد قدرت قيمة عمليات الانتاج هذه بنحو 2.4 تريليون دولار اي بزيادة 50% عما كان قد شهده عام 1997. ومن بين الامثلة الصارخة ما قامت به شركات ايكسون وموبيل؛ وايه تي تي وتيلي كومينيكيشن، وديملر بينز وكرايزلر...الخ. ويرتقب المؤلف استمرار ما يسميه بـ «هوس الاندماج» لبعض الوقت حيث يذكر بان شهر يناير من عام 1999 قد شهد وحده عمليات قدرت تكاليفها بنحو 131.5 مليار دولار. وقد اعلنت عدة شركات مشاريع لشراء شركات اخرى بحجة رسم استراتيجيات طويلة الامد او باسم محاولة لانقاذ شركات تعاني من القواعد الجديدة للعولمة او تأمين فرص لتحقيق خفض في اسعار تكلفة الانتاج. ما يؤكده المؤلف هو ان الواقع قد اثبت عدم فاعلية تلك الاستراتيجيات حتى الآن اذ ان نحو 66% من الصفقات التي تمت قد اخفقت في تحقيق الهدف منها وذلك لاسباب عديدة. السبب الاول هو انه لم يتم التوصل الى تحقيق التعاون المتوقع بين الشركات. والمثال على ذلك ما كان يتوقعه سيتي بنك من اجل بيع خدمات بطاقات الائتمان لعملاء شركة «ترافلرز» وكذلك رغبة شركة «رينو» الفرنسية للسيارات في استخدام شبكة توزيع شركة «نيسان» اليابانية في آسيا والولايات المتحدة. وسبب آخر هو انه لم يتم التوصل ايضاً الى تخفيض كلفة الانتاج. فالدراسات في الولايات المتحدة اظهرت ان البنوك التي تم دمجها لم تحقق اية مدخرات بالقياس الى البنوك الاخرى التي لم يتم دمجها مع اخرى.. بل ان ما حصل هو العكس اذ ارتفعت المصاريف التي يدفعها العميل نظير حصوله على الخدمات البنكية. وسبب ثالث هو واقع ان الشركات المنافسة لم تبق متفرجة ومكتوفة الايدي فاسحة المجال للشركات المندمجة كي تنظم خططها. ان الكثير من الشركات المندمجة تعلق انشطة تسويقها مما يعطي الفرصة للشركات المنافسة لأخذ مساحة اكبر في الاسواق. ولعل اكبر مثال بهذا الصدد هو ما حدث عام 1998 عندما حققت شركة «بوينج» للطيران خسائر لاول مرة في خمسين عاماً وذلك بعد اندماجها مع شركة «ماكادونالد دوجلاس» اذ انتهزت شركة «ايرباص» فرصة انشغال الشركتين بانجاز اجراءات الاندماج كي تحصل على عقد ضخم قيمته 3 مليارات دولار مع شركة الخطوط الجوية البريطانية التي ابرمت للمرة الاولى عقداً بهذه القيمة مع اية شركة غير «بوينج» كتاب يقارب بين المنافسة التجارية والحروب والهدف المشترك لهما... وهو هزيمة الخصم... فالشركات التي افلست او اضطرت للاندماج مع اخرى كي تستمر بالتواجد انما ربما كان باستطاعتها النجاة من هذا المصير لو انها تعلمت من دروس الحرب. الحرب... والربح... ودروس التاريخ