بعد حوالي نصف قرن من وفاته لايزال رئيس وزراء بريطانيا اثناء الحرب العالمية الثانية موضوعاً لكتب جديدة! هذا الكتاب هو آخرها. ان المؤلف «روا جنكنس» يقدم «ونستون تشرشل» بمثابة احد اهم الرجال الذين صنعوا تاريخ القرن العشرين بشكل عام وتاريخ بلادهم بشكل خاص. انه يبدو «كرمز وتجسيد للمقاونة البريطانية».. لكنه ايضاً رجل ينتمي الى الماضي ويعالج المؤلف ضمن هذا المنظور علاقته مع الحداثة. وكما فعل المؤلف في كتابه الذي تم نشره عام 1995 عن حياة «وليام جلادستون» رجل السياسة البريطاني الشهير خلال القرن التاسع عشر، يقدم في هذا الكتاب الجديد عن سيرة حياة ونستون تشرشل قراءة في التاريخ البريطاني اعتماداً على مسألة اساسية تتعلق بالبعد النفسي ـ السيكولوجي» للسياسة وللسياسيين، ويبدو بوضوح من خلال المقارنة بين الكتابين بان المؤلف يجد في تشرشل شخصية اكثر جاذبية واكثر قرباً من الآخرين مما كان عليه جلادستون. ويرى «روي جنكنس» مؤلف هذا الكتاب بأن البعد الاساسي في عظمة ونستون تشرشل يكمن تحديداً في «الحس الجيوستراتيجي» الذي كان يتمتع فيه بصورة شبه عفوية... كما يتم التركيز على صفة اخرى هامة لديه تتمثل في قدرته على المناورة ومواجهة اصعب المواقف بكثير من الهدوء وبرودة الاعصاب، وكان تشرشل نفسه قد قال عام 1901 ـ كان عمره خمسة وعشرين عاماًـ في نبوءة له بان «حروب الشعوب ستكون ضارية مثل حروب الملوك». ويتحدث المؤلف في احد فصول هذا الكتاب عن الخلفية الفكرية والسياسية التي بنى على اساسها ونستون تشرشل مواقفه من الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 وعدائه المستحكم فيما بعد للشيوعية بكل اشكالها وحيث نظر لها منذ بداياتها بانها مشروع ذو طبيعة توسعية ولذلك ينبغي محاربتها بكل السبل. وعلى خلفية هذا الموقف ايضاً حدد رجل الدولة تشرشل مواقفه السياسية من موقع المسئولية كوزير او رئيس وزراء حيال الانظمة التي عاصرت مسيرته السياسية وعلى رأسها النظام النازي في المانيا. وقد كان يحمل عموماً رؤية «سوداوية» و«متشائمة جداً» للمسيرة التطورية التي سيشهدها العالم، وكما رسمها تشرشل، آنذاك. ان احدى المقولات الاساسية التي اكد عليها تشرشل، ومنذ الحرب العالمية الاولى، تتمثل في القول بان البلدان الاوروبية كانت قد دخلت في مرحلة غدا معها الصراع من اجل البقاء هدفاَ اول لها. ما يؤكده المؤلف ايضاً هو ان ونستون تشرشل لم يكن لديه اي وهم بأية لحظة حول الدكتاتور السوفييتي جوزيف ستالين، وحول الشيوعية كلها التي وصفها بانها «بربرية جديدة» و«صيغة اخرى عن اشكال الاستبداد السابقة لها» ويقدم المؤلف في هذا السياق العديد من الامثلة على «بلاغة» تشرشل في التعبير عن عدائه للشيوعية التي شكلت بالنسبة له احدى «خمائر» الحرب في اوروبا إلى جانب «خميرة» اخرى تمثلت في النازية الالمانية. وذلك على قاعدة البحث عن «الهيمنة في الحالتين من منظورين مختلفين» ولكن على قاعدة «ايديولوجيتين شموليتين بطبيعتهما الجوهرية. ويتمثل احد المصادر التاريخية التي اعتمد عليها المؤلف في كتابته لسيرة حياة احد اهم، ان لم يكن اهم الشخصيات السياسية البريطانية وربما العالية في القرن العشرين، في كتابات تشرشل نفسه وخاصة في مذكراته عن الحرب التي تحمل عنوان «النصر والمأساة» الجزء الخامس والاخير من مذكراته. ويناقش المؤلف عبر الافكار المطروحة في هذه المذكرات رواية تشرشل حول مفهوم السلام وشبح الحرب في ظل انتشار اسلحة الدمار الشامل. كتاب عن سيرة حياة «رجل دولة اوروبي عظيم» كما يصفه المؤلف.. وعن حقبة تاريخية كاملة عبر اهم ممثليها.