ماري. ل. دودزياك، مؤلفة هذا الكتاب، هي استاذة القانون في جامعة كاليفورنيا الجنوبية حيث تقوم بتعليم مادة تاريخ الحقوق المدنية والقانون الدستوري. سبق لها ونشرت العديد من الدراسات حول القانون والحقوق المدنية خلال القرن العشرين. الحرب الباردة والحقوق المدنية «هو كتاب عن نشاطات حركات المطالبة بالحقوق المدنية ـ كما شاعت التسمية للمطالبة بحقوق الامريكيين السود ذوي الاصول الافريقية ـ في الولايات المتحدة، وتدرس المؤلفة هذه المسألة في فترة محددة هي فترة الحرب الباردة التي قامت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بعدة سنوات واتسمت العلاقات الدولية فيها بوجود استقطاب ثنائي عالمي بين معسكرين غربي وشرقي، رأسمالي واشتراكي: وكانت هذه الفترة قد عرفت تصاعد نضال الامريكيين السود او الافرو ـ امريكيين كما شاعت التسمية من اجل المطالبة بحقوقهم المدنية حيث برزت بعض الوجوه التاريخية في هذه الحركة من امثال مارتن لوثر كنج ومالكولم اكس، وكثيرين غيرهم. ويشكل هذا الكتاب بأحد جوانبه ايضاً دراسة قانونية، للظلم والاضطهاد الذي وقع على السود في العديد من مظاهر حياتهم اليومية: هذا الى جانب السمة العنصرية لبعض السياسات الامريكية الرسمية حيث تبدو ندرة مساهمة السود في الحياة العامة الامريكية او في صياغة السياسة الامريكية الخارجية حيث نادراً ما عرفت فترة الحرب الباردة وجود دبلوماسيين سود في مراكز قرار رئيسية. ثم ان ما ينطبق على السود ينطبق ايضاً، وعلى اساس معايير اخرى على النساء. ان مؤلفة هذا الكتاب ترسم صورة مضطربة للسياسات الاجتماعية في الولايات المتحدة الامريكية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحيث كان يتم اتخاذ العديد من الاجراءات ذات الطابع القمعي والعنصري بحجج ومبررات عديدة ليس اقلها محاربة الشيوعية، وضمن هذا السياق تؤكد المؤلفة انه كان للحرب الباردة تأثيراتها على حركات الدفاع عن الحقوق المدنية، وهكذا مثلاً اصدرت محكمة امريكية في الاباما، عام 1958 على امريكي ـ افريقي الاصل اسمه جيمي ويلسون، حكماً بالموت لانه كان قد اقترف جريمة سرقة دولارين، ان مثل هذا الحكم اثار ضجة كبيرة ولم يتم الرجوع عنه الا بعد حملة كبيرة قامت بها حركات الدفاع عن الحقوق المدنية على الصعيد الامريكي والعالمي، وايضاً بعد تدخل وزير الخارجية الامريكية جون فوستر دالاس او في الوقت نفسه كانت المسائل المتعلقة بالتمييز العنصري في الولايات المتحدة الامريكية بمثابة عائق امام السياسة الامريكية الخارجية في العديد من المناطق الآسيوية والافريقية والامريكية اللاتينية التي اعتنقت مبادئ التحرر، مقتربة بذلك من القوة العظمى الاخرى التي كانت سائدة في فترة الحرب الباردة، اي الاتحاد السوفييتي السابق. كذلك اصبحت مشكلة السود، في صميم اهتمام مختلف الادارات الامريكية المتعاقبة منذ ترومان، وحتى جونسون. وتؤكد المؤلفة ضمن هذا السياق ان العلاقات الدولية كان لها باستمرار تأثيراتها على المسائل الداخلية لمختلف البلدان وخاصة الكبرى منها بسبب دورها الفاعل على هذا الصعيد. ومن هنا كانت الحرب الباردة، بمثابة عامل مشجع لسياسات الاصلاح الاجتماعي حيث ان كل منظومة من المنظومتين السائدتين كانت تبحث عن تقديم صورة اكثر «عدالة» وتحرراً في الصراع الاجتماعي القائم بينهما. وفي سياق سياسة الاصلاح الاجتماعي في ظل الحرب الباردة خفت حدة التمييز العرقي في الولايات المتحدة الامريكية. وقد استطاع المناضلون في ميدان الحقوق المدنية تحقيق عدد من المكاسب من الحكومات التي كانت تبحث عن تحسين صورتها الدولية. لكن بالمقابل لم يؤد التحسن الذي عرفه ميدان الحقوق المدنية الى تغير جذري بالنسبة للسمعة السيئة لامريكا في المجال المعني، لاسيما وان فترة الحرب الباردة قد شهدت تعاظم ظواهر ذهبت في الاتجاه المعاكس، وفي مقدمتها بروز المكارثية التي شكلت بجوهرها دعوة عنصرية كان يمكن ان تؤدي الى اضطهاد اي امريكي بتهمة التعاطف مع الشيوعية، وقد استمرت نشاطات المكارثية عدة سنوات وطال اضطهادها الآلاف من الامريكيين. وكذلك شاعت ايضاً اطروحات تنادي بالقانون والنظام، الامر الذي كانت ترجمته على ارض الواقع تعني كبح امكانيات التقدم والمحافظة على الاوضاع كما هي. وتعتمد المؤلفة كثيراً في التحليلات التي تقدمها حول الحقوق المدنية على معلومات ارشيفية مأخوذة من مختلف المحاكم ومراكز الابحاث المختصة والجامعات وغيرها، هكذا تقدم العديد من الوقائع الخاصة بخرق الحقوق المدنية في فترة الحرب الباردة مثل عملية اعدام امريكي ـ افريقي اسود في ولاية جورجيا مع انه كان قد شارك في الحرب العالمية الثانية كجندي في الجيش الامريكي. لكن واعتماداً على الارشيف ترسم المؤلفة ايضاً صورة لما حققته مسيرة الحقوق المدنية من تقدم. وفي عرض لتاريخية مسيرة الدفاع عن الحقوق المدنية في الولايات المتحدة في ظل الحرب الباردة تعود المؤلفة الى السنوات التي تلت مباشرة نهاية الحرب العالمية الثانية، اذ وفي شهر يوليو من عام 1946 اوفدت الجمعية الوطنية للنساء الامريكيات السود، وفداً الى البيت الابيض، مقر الرئاسة الامريكية، للاحتجاج على اعدام اربعة امريكيين افرو ـ امريكيين في ولاية جورجيا. وتدرس المؤلفة في احد فصول هذا الكتاب العلاقة بين الديمقراطية، والحقوق المدنية، في المسيرة التطورية الامريكية خلال فترة الحرب الباردة، وطيلة سنوات هذه الفترة كانت امريكا تتبوأ زعامة العالم الحر باسم القيمة الديمقراطية. تحديداً، وكانت تريد ان تحافظ على زعامتها عبر دفع الدول التي تستقل حديثاً الى تبني النظام الديمقراطي وليس الاقتراب من المعسكر المعادي، اي الاشتراكي، لكن ما تلفت المؤلفة الانتباه اليه هو ان الولايات المتحدة التي رفعت شعارات الحرية والديمقراطية لم تطبق هذه المبادئ نفسها في بلادها، هذا مع ان معركة حركة النضال من اجل الحقوق المدنية للسود كانت قد وجدت بعض رموزها في امريكا نفسها منذ القرن التاسع عشر، وذلك في تعبيرات رمزية كان لها دلالاتها التاريخية مثل عمل الصحفي الامريكي فريدريك دوجلاس (1817 ـ 1895) الذي كان ابناً لأب ابيض ولأم سوداء «عبدة» .. كما تم اخضاعه هو نفسه للعبودية فما كان منه الا ان هرب ليصبح احد اهم الخطباء السود واحد اكبر انصار انهاء العبودية مع احترام القواعد الدستورية والاحزاب الامريكية، وكان هو نفسه قد اسس في عام 1849 صحيفة اطلق عليها تسمية «نجم الشمال» نورث ستار، ثم اصبح في نهاية حياته احد الانصار البارزين لحركة الدفاع عن حقوق المرأة في الولايات المتحدة الامريكية، وكان فريدريك دوجلاس، قد وجد مرجعياته لدى حركة مناهضة العنصرية في بريطانيا واعتبر ان العبودية انما هي بمثابة جريمة ضد الانسانية، او جريمة ضد الاسرة الانسانية على حد تعبيره. كذلك تتعرض المؤلفة باسهاب لمناضلة من اجل الحقوق المدنية للامريكيين، الافارقة، هي ايدا. ب ويلبس التي كانت قد سافرت عام 1893 الى بريطانيا حيث قادت من هناك حملة ضد الاعدام كعقوبة تتنافى حسب رأيها، مع المشاعر العامة للامريكيين. وتبقى الحرب العالمية الاولى بمثابة المنعطف الذي يؤكد عليه العديد من المناضلين في اطار حركات الحقوق المدنية، اذ اعتباراً من اللحظة التي خاطر فيها الامريكيون ـ الافارقة (السود) بحياتهم من اجل صياغة عالم ديمقراطي، فإنه اصبح من واجب الامة الامريكية ان تجعل امريكا ملجأ لجميع الامريكيين، لكن اذا كانت الحرب العالمية الاولى قد اطلقت العنان لعمليات نقد العنصرية الامريكية، فإن الحرب العالمية الثانية كانت هي نقطة التحول الاساسية في العلاقات الدولية للولايات المتحدة الامريكية، مما كان له اثره البالغ على السياسات الامريكية وعلى الثقافة الامريكية، اذ لابد للقدوة من ان تضرب المثل للآخرين، باختصار شكلت سنوات الحرب مناسبة للقيام بعملية تفحص جدية لما كان يسمى بمشكلة العبيد، في امريكا، كما تؤكد مؤلفة هذا الكتاب والتي تستشهد بالعديد من الدراسات والمقالات التي شهدتها تلك الفترة وطرحت المشكلة بكل حدودها، بل وطالبت بضرورة التغيير الاجتماعي مثل دراسة حملت عنوان: المعضلة الامريكية، مشكلة العبودية والديمقراطية الحديثة، هذه المعضلة، شكلت في الواقع الاطار الكبير الذي قام بداخله الصراع بين النزعات العنصرية والايديولوجية الديمقراطية، وحيث وصلت جذور هذا الصراع الى قلب كل امريكي. وتؤكد المؤلفة ضمن هذا السياق على البعد الاخلاقي للمعضلة الامريكية، ولا تتردد في اعتبار ان هذا البعد الاخلاقي قد شكل سبباً استراتيجياً للدعوة الى اجراء تغير اجتماعي شهدت فترة الحرب الباردة المطالبة به باستمرار فاذا كانت آلة القتل لا تفرق بين لون بشرة المنخرطين فيها فإنه ينبغي بالمقابل عدم التمييز بين البشر على الاساس نفسه زمن السلام، ثم ان الديمقراطية تعني بأحد مبادئها الرئيسية واندماج جميع المواطنين في النسيج الاجتماعي لبلدانهم، والاندماج يعني المساواة في الواجبات والحقوق كما ينص الدستور الامريكي ذاته، ولكن كما يخالف الواقع الى درجة كبيرة. ان المؤلفة، وعلى مدى الفصول الستة لهذا الكتاب، تتعرض لتحليل نشاطات جمعيات الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الامريكية ونشاطات بعض رموزها على قاعدة المناخ الملائم للاصلاح الاجتماعي في الولايات المتحدة والذي انطلقت بوادره مع الحرب واستمر خلال عقود الحرب الباردة.. اذا كان قد تم تحقيق الكثير من التقدم على صعيد الحقوق المدنية للسود في امريكا اثناء ذلك، فإن اعمال العنف العنصري التي استمرت هي الاخرى طيلة عقدي الخمسينيات والستينيات وشوهت كثيراً صورة امريكا في العالم. كتاب عن العنصرية وصورة الديمقراطية الامريكية كما جاء في عنوانه الفرعي.