شغل الجنرال ويسلي. ك. كلارك، مؤلف هذا الكتاب منصب القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي ـ قوات الحلفاء في أوروبا خلال الفترة الواقعة بين عام 1997 وعام 2000، وكان يتولى قبل ذلك وخلال سنوات 1994 ـ 1996 منصب مدير الخطط الاستراتيجية والسياسية في وزارة الدفاع الأمريكية ـ البنتاجون، وقد ترأس وفد المفاوضين العسكريين حول اتفاقات السلام في البوسنة، والتي كان قد تم التوصل لابرامها في «دايتون» بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1995، يحمل المؤلف ميدالية المحاربين القدماء في الفيتنام ويعيش حالياً في أركانسا. كان حرب كوسوفو هي آخر حروب القرن العشرين، وإذا كانت مطالع هذه القرن قد شهدت العديد من الحروب في هذه القارة القديمة ومن بينها حربين كونيتين، فإن الحرب «عادت» في نهاية القرن لتندلع اعتباراً من شهر مارس 1999 في كوسوفو وحيث وقف العالم يشهد الآلية العسكرية الصربية «اليوغسلافية» بزعامة سلوبودان ميلوسيفيتش وهي تحصد الآلاف من أبناء كوسوفو، وعرضت شاشات التلفزة في العالم أجمع صور الآلاف من اللاجئين الذين يتركون أرضهم وديارهم هرباً من القتل والاغتصاب وكافة أنواع العنف الأخرى التي كانوا ضحيتها على يد القوات الصربية، ومرة أخرى كان الأمر يتعلق بشكل واضح بما شهده العالم في مناطق اخرى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وما يعرف بـ «التصفية العرقية» وفي مواجهة هذا «التنظيف العرقي ـ الاثني» وقف العالم، وعلى رأسه القوى الكبرى تتفرج مترددة عما ينبغي عمله، وبعد طول انتظار قرر حلف شمال الأطلسي ـ الناتو ـ التدخل عسكرياً وبقوة باسم حماية حقوق الانسان، ولقد استخدم أحدث ما أنتجته الترسانة العسكرية الغربية من أسلحة الفتك حيث استمرت الغارات الجوية المكثفة طيلة عشرة أسابيع انتهت بالانسحاب الكامل للقوات الصربية من كوسوفو التي عاد سكانها ذوو الأصول الألبانية إليها، إن هذه العملية العسكرية الكبيرة انتهت دون وقوع أية خسائر في صفوف قوات الحلف الاطلسي. في هذا الكتاب «شن الحرب الحديثة» يحكي الجنرال الأمريكي «ويسلي. ك. كلارك» قصة أحداث حرب كوسوفو 1999 حيث كان قائد العمليات العسكرية التي تابعها وعاشها عشرات الملايين من البشر على شاشات التلفزة، وكان الانجاز الكبير الذي يعتقد المؤلف ـ الجنرال تحقيقه هو قدرته على التوفيق بين رغبات وتناقضات تسع عشرة دولة تمثلها حكومات الدول الأعضاء في الحلف الأطلسي بمقره في العاصمة البلجيكية بروكسيل، كما يرى بأنه قد حقق نجاحاً كبيراً في قدرته على السير على «الخط الرفيع المشدود» الذي يفصل بين الدبلوماسية الناضجة والتحرك العسكري الفعال وان يتخطى الاعتراضات الكبيرة التي أبداها زملاؤه واقرانه ورؤساؤه في «البنتاجون». تتوزع مواد هذا الكتاب بين أربعة أقسام رئيسية يقدم المؤلف في الأول منها رؤية تاريخية وسياسية للأزمات التي تشهدها منطقة البلقان، وخاصة منذ نهاية الحرب الباردة وسقوط المعسكر الشيوعي مما اعقبه تحلل الفيدرالية اليوغسلافية التي كانت بمثابة نموذج فريد استطاع جوزيف بروز تيتو ان يخلقه في المجال «الحيوي السوفييتي، ويحمل القسم الثاني عنوان «على طريق الحرب» وذلك اثر العجز الدبلوماسي عن معالجة أزمة كوسوفو، كما كان الامر بالنسبة للحرب الأهلية في البوسنة والتي وضعت اتفاقية «دايتون» عام 1995 حداً نهائياً لها، ويتعرض القسم الثالث لسير العمليات العسكرية في كوسوفو وما رافقتها من مداولات ومشاورات وما تضمنت عليه من رهانات أما القسم الرابع والأخير فيخص «نهاية الجولة» والعودة إلى لغة الدبلوماسية والمفاوضات. يبدأ الجنرال كلارك كتابه بشرح المقدمات التاريخية والسياسية التي سبقت نشوب الأزمة في البلقان على قاعدة الخلافات الاثنية والدينية ولكن أيضاً على ضوء المشاريع التوسعية الصربية التي كان للرئيس سلوبودان ميلوسيفيتش دوراً هاماً فيها، تلك الأزمة انتهت إلى الحرب في البوسنة والهرسك حيث كان للمؤلف الجنرال ـ كما يصف ـ دوراً أساسياً في المفاوضات التي أدت إلى ابرام اتفاق «دايتون» بأمريكا عام 1995، والذي وضع حداً للحرب الأهلية البوسنية وعودة السلام بعد أكثر من عامين من الحرب وسقوط آلاف القتلى. وعلى قاعدة اتفاق دايتون تسلم الجنرال ويسلي كلارك قيادة القوات الأمريكية ـ الأطلسية في أوروبا اعتباراً من شهر يوليو 1997 الأمر الذي كرس برأيه حضوره كعنصر فاعل في الأزمات المستجدة في منطقة البلقان، ولكن أيضاً في عموم القارة بل وحتى في افريقيا ومنطقة الشرق الأوسط. ان المؤلف يشرح باسهاب في هذا الاطار المفاهيم الدفاعية الأطلسية التي تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية حيال أوروبا، وحيث ترى واشنطن بأن لها دوراً أوروبياً أساسياً وهذا ما أرادت ان تثبته مرة أخرى عبر الحرب في كوسوفو. وضمن سياق ما كان يجري في كوسوفو من عمليات عنف وقتل وتهجير على أساس اثني وعقائدي بدا التدخل الخارجي ـ الأطلسي ـ هو الأداة الحقيقية الوحيدة التي يمكنها ان تضع حداً لمخططات سلوبودان ميلوسيفيتش للهيمنة على المنطقة، وهكذا أصبح خيار الحرب مطروحاً بقوة، لكنه كان خياراً مركباً ومثيراً للجدل بالنسبة لعامة الناس، بل انه كان مثيراً للحيرة، إذ كان البعض يعتقدون بعدم ضرورة تلك الحرب بينما كان يرى آخرون استحالة تحقيق أي انتصار فيها وذهب بعض هؤلاء فيما بعد إلى التساؤل عما حققته فعلياً. أمام هذا كله يشرح المؤلف الجنرال من موقعه العسكري القيادي دوره في الحرب ضد الصرب «اليوغسلافيين» والتي انتهت إلى استسلامهم وهزيمتهم، انه يؤكد ما يعتقده حقيقة واضحة لا لبس فيها، وهو ان حلف «الناتو» قد انتصر في أول حرب يخوضها ـ أول حرب حقيقية ـ على حد قوله، انه يؤكد على الانتصار لكنه يؤكد بالوقت نفسه على ان نهايتها لم تكن تبدو كانتصار، فلم تجر أية احتفالات باستثناء مظاهر الفرح الذي عم الألبان الذين عادوا إلى منازلهم في كوسوفو، وكل ما اعترى العسكريين والدبلوماسيين في الحلف الأطلسي كان نوعاً من الاحساس بالراحة وبتنفيذ المهمات التي كانت موكلة إليهم مع بدء الاستعداد لاكمال دورهم في العمل بكوسوفو لفترة انتقالية طويلة. ومن خصوصيات حرب كوسوفو التي يركز المؤلف على ذكرها تتمثل في امكانية تجنب زج قوات برية في المعارك، كما كان يلوح كأحد الاحتمالات الممكنة، مما جنب بدوره وقوع أية خسائر بشرية في صفوف قوات الحلف الأطلسي، وكذلك لم تمتد الحرب لتشمل دولا أخرى حيث هناك ترقب للمواقف التي ستتخذها عدة دول وفي مقدمتها روسيا التي يسود فيها المذهب الارثوذكسي مثل يوغسلافيا التي تربطها تاريخياً علاقات وثيقة مع صربيا، ولم تؤد هذه الحرب أيضاً إلى وقوع خسائر مادية فادحة، بل ان الجنرال كلارك يصف هذه الخسائر بأنها كانت محدودة جداً، لكن بالمقابل يرى ان هذه الخصوصيات كلها تدفع للاستفادة من دروس الحرب التي كان البلقان مسرحاً لها، وخاصة منهم آليات تحقيق النصر فيها وأسبابه الحقيقية وذلك في أفق تنفيذ مثل هذه الحروب بشكل أفضل في المستقبل. إن المؤلف يؤكد في الوقت بنفسه بأن لكل حرب ظروفها وشروطها ومستلزماتها الخاصة فهي مثل لعبة الشطرنج، بداياتها متشابهة ثم تأتي متغيراتها بشكل قد لا يكون متوقعاً ان الحرب التي خاضتها قوات الحلف الأطلسي في البلقان عام 1999 كانت محدودة جداً في وسائلها وفي اهدافها، ذلك ان الدبلوماسية قامت باستخدام القوات المسلحة لفرض الارادة السياسية لدول حلف شمال الأطلسي على جمهورية يوغسلافيا الاتحادية بتحديد أكثر على صربيا، ثم ان هذه الدول قد شنت الحرب طواعية فهي لم تُفرض عليها كما انها لم تكن حرباً دفاعية بالمعنى العسكري للكلمة، ولذلك فهي تختلف في جوهرها عن الحروب الأخرى. وتكمن أهم الأسباب التي يقدمها المؤلف لانخراط دول حلف «الناتو» بالحرب في اعادة الاستقرار الاقليمي للمنطقة تقديم المساعدات الانسانية لشعب مقهور، وبناء على هذا المنظور يرى الجنرال كلارك بأنه ينبغي تعديل فلسفة «المعركة الكبرى» التي هيمنت على عقول معظم العسكريين في الغرب خلال القرن العشرين، ففي حين كانت الدول تسعى إلى تحقيق أهدافها بأقل التكاليف بدا ان الحروب الحديثة تؤمن أهدافاً سياسية حاسمة دون خوص معارك عسكرية كبرى، ومن خصوصيات الحرب الحديثة كما يقدمها الجنرال كلارك في سياق العلاقات الدولية القائمة هي امكانية قيامها حينما لا يكون الاعداء من الدول الكبرى أو حينما لا تكون القضايا المثارة موضع خلاف يهدد القوى الكبرى بالمجابهة فيما بينها، ان مثل هذه الظروف يمكن ان تتكرر كثيراً في بلدان المحيط التي لا تؤثر على «المركز». ويحدد المؤلف في تحليلاته عدة نقاط بارزة في تلك الحرب التي شغلت الرأي العام العالمي والتي كان من أهمها «المفاجأة» و «نقص الاستعداد في بداية الحرب» و «التخطيط وتكييفه خلال العمليات العسكرية» و «الاعتماد الكامل على الضربات الجوية» و «الرعب من الخسائر البشرية» و «اثر وسائل الاعلام». ان هذه النقاط شغلت تفكير مسئولي حرب كوسوفو اذ انها كانت في أحيان كثيرة موضع تساؤل وتناقض أحياناً، ولقد شهدت حملة كوسوفو تردد بعض البلدان الديمقراطية وقادتها في اللجوء إلى التهديد بالقوة أو استخدامها مما سيعرض حياة الجنود للخطر، وعندما كان حلف «الناتو» يحاول تجميع القوى وحشدها ضد ميلوسيفيتش في المرحلة التي بلغت فيها عمليات التطهير العرقي حداً بدا معه ان الصدام واقع لا محالة، بدا التردد واضحاً مما أعاق التوفيق بين سياسات بلدان الحلف كلها حيث طرح البعض تساؤلاتهم حول العدد الحقيقي للقرى التي تم تدميرها، وافترض البعض الآخر بأن الصربيين انما يوجهون اعمالهم ضد «الارهابيين» أو ان عملياتهم انما هي بمثابة رد فعل على عمليات قوات تحرير كوسوفو. وفي السياق نفسه أصر آخرون على ضرورة الحصول من الأمم المتحدة على «تفويض» و «ضوء أخضر» بالتدخل، أي بتعبير آخر ان تكون العمليات العسكرية باسم المنظمة الدولية وليس الحلف الأطلسي، وكان ذلك حسب رأي الجنرال كلارك سبباً في عدم اذعان سلوبودان ميلوسيفيتش لتحذيرات الحلف الأطلسي واعتبارها تهديدات غير جادة وبان الأمر لا يتعدى «اشهار السيف» وليس الضرب به، بل يؤكد المؤلف بأنه في الوقت الذي تزايدت فيه المذابح في كوسوفو وأصبحت تهدد بحرب ابادة على أساس اثني وديني كانت هناك دول كثيرة لا تزال تسعى للتوصل إلى حل سلمي رغم تضاؤل امكانيات التوصل لذلك. وفي اطار البحث حول العمليات العسكرية وردود الأفعال عليها يتحدث المؤلف الجنرال عن النقاشات التي دارت حول الموقف الروسي، وحول الاجوبة التي يمكن لقوات الحلف الأطلسي في حال اتخذ الروس موقفاً جذرياً في رفضهم لأية ضربة يتم توجيهها لحلفائهم الصربيين، وفي الوقت نفسه الذي كانت تدور فيه مثل هذه التساؤلات كان الصربيون يواصلون استعداداتهم للتصدي للضربات الجوية المحتملة التي قد يقوم بها حلف الناتو وأيضاً لاحتمالات الزج بقوات برية في المعارك، لقد عززوا مواقعهم وقواتهم في كوسوفو وعجلوا أيضاً بتنفيذ عمليات التطهير العرقي. كان التحدي الصربي بمثابة اختبار حقيقي أمام الحلف الأطلسي لفترة ما بعد الحرب الباردة، وكان اختباراً لا تستطيع أية حكومة من حكومات البلدان الأعضاء فيه تحمل مسئولية إفشاله، لا سيما وان الضربة التي كان يتم الاعداد لها إنما كانت تحت شعار التصدي لارهاب الصربيين، وخدمة لأهداف انسانية يؤكد الغرب انها «قيمه» الكونية، وكان الرأي العام في الغرب قد عبر عن دعمه لمثل تلك الضربة بحيث ان يؤدي نجاحها إلى امكانية القيام بعمليات مماثلة أخرى، وبدا ان المهم هو حسن الاعداد والتنفيذ. في القسم الأخير من الكتاب يتحدث المؤلف عن تسمية «مسارح المعارك في المستقبل» حيث قال بما يشبه النبوءة عن قيام حرب أفغانستان الحالية بأن تلك المسارح ستكون شبيهة ببيئة كوسوفو اكثر مما هي شبيهة بصحراء العراق، وأضاف بأن ميادين المعارك ستكون عامرة بالمدن والقرى المأهولة بالمدنيين الذين ينبغي عدم الحاق الأذى بهم، كما يمكن ان تتواجد بالقرب من الاهداف المطلوب قصفها مخازن تحتوي على مواد كيميائية سامة أو ربما أسلحة نووية ينبغي عدم المساس بها، ولن تكون مسارح المعارك في المستقبل بعيدة عن انظار الصحفيين الذين سيقومون بنقل وقائعها إلى الرأي العام في مختلف أنحاء العالم. ان هذه المعطيات كلها تتطلب تجميع المعلومات الدقيقة اللازمة وعما إذا كانت الحافلات التي تسير في الطرق تحمل جنوداً أم مدنيين؟ وهل الشاحنات تنقل أسلحة أم مواد غذائية؟ وهل المخابئ تأوي مدنيين أم عسكريين؟ إن هذا يتطلب تواجد أفراد داخل المناطق المعنية من أجل رصد التحركات ونوعيتها واخطار الجهات المسئولة عن ادارة المعارك، ويؤكد الجنرال كلارك ان هذا يتطلب قدراً كبيراً من الشجاعة والارادة التي تخدمها أحدث التكنولوجيات.