فيليب سولير هو كاتب وناقد وروائي فرنسي، وهو احد الشخصيات الفكرية والادبية المرموقة في المشهد الثقافي الفرنسي منذ اكثر من عقدين من الزمن. سبق له ونشر العديد من الكتب كان من آخرها «كازانوفا الرائع» وفيليب سولير هو ايضاً مدير مجلة «انفيني»، اي «اللانهاية» الفصلية المعروفة بجرأتها ورصانتها في الوقت نفسه. شكلت حياة الموسيقي الكبير احد عمالقة الموسيقى في كل العصور، موضوع العديد من الكتب التي كرسها مؤلفوها لسيرة هذا العبقري الذي بدأ «التأليف» الموسيقي منذ سنوات طفولته. وينقل المؤلف عن عبقريته المبكرة بانه عندما كان في سن السادسة جلس امام البيانو كي يعزف مقطوعة موسيقية للموسيقي المعروف آنذاك «واجنسي»... قبل ان يبدأ الطفل بالعزف طلب من الامبراطورة فرانسوا ان يحضر له الموسيقي المعروف فلبى طلبه وعندها طلب منه الجلوس بجانبه وقال له: انني سأعزف احدى مقطوعاتك، وعليك انت ان تقلب لي الصفحات. وعندما بلغ موزارت التاسعة عشرة من عمره كان قد بلغ قمة في فنه حيث كان الموسيقيون يعزفون مقطوعاته من لندن في انجلترا وحتى نابولي في ايطاليا. كان باختصار احد معلمي المهنة في اوروبا كلها وكان ينال اعجاب الجميع. ولكن بقيت فيينا العاصمة النمساوية، هي المدينة التي يفضلها اذ انه الف فيها اغلبية «الاوبرات» الموسيقية ومن بينها احد اكثر مؤلفاته الموسيقية شهرة «الناي المسحورة» وقد كان موزارت، كما يقدمه فيليب سولير، كبيراً في كل شيء: «الاوبرا» و«السمفونية» و«العزف على مختلف الآلات»... ولكن موسيقاه تتسم عامة بسحابة من «الحزن» وغياب «الفرح» ولم يكن في الواقع على معرفة ودراية كبيرتين بالاعمال الموسيقية لأولئك الذين عاصروه او سبقوه لانه امضى عملياً طيلة حياته في كتابة افكاره «موسيقياً» لكنه كان بفضل عامة «هاندل» على جميع معاصريه على اساس انه كان المعلم، يقول موزارت: كان هاندل هو الذي كان يعرف افضل منا جميعاً فعل الاثر الموسيقي. عندما كان يريد الوصول الى مثل هذا الاثر كان يضرب كالصاعقة. خلف موزارت سبع عشرة سمفونية وبعض القطع الموسيقية المتفرقة المتنوعة، وقد كان احد افضل عازفي البيانو باوروبا بعصره حيث كان «يلعب» بسرعة استثنائية وخاصة بـ «يده اليسرى» وكان الموسيقي الشهير «جوزيف هايدن» قد قال منذ عام 1785 ـ موزارت من مواليد 1756 ـ لوالد الموسيقي الشاب: «انني اعترف لك امام الرب وبصفتي كرجل شريف بانني ارى بابنك احد اكبر المؤلفين الموسيقيين الذين سمعت بهم طيلة حياتي. ولم تكن اصابع موزارت بارعة بأي شيء آخر سوى الموسيقى. اذ لم يكن يعرف كيف يقطع الخبز او اي غذاء آخر عند جلوسه حول مائدة الطعام؟ واذا كان يفعل ذلك. فبكثير من «الحماقة» بل وانه بعد زواجه اصبح يطلب من زوجته ان تقوم له بهذا العمل. وهذا الرجل الذي بلغ اعلى درجات النضج كموسيقي منذ سنوات طفولته الاولى بقي دائماً بمثابة طفل في العلاقة من جميع مشارب الحياة الاخرى، باختصار كان ذا سلوكية «متدنية» في جميع امور الحياة، لكنه كان يصبح من صف اسمى، عندما يجلس امام البيانو. لقد كانت الموسيقى هي شغله الشاغل طيلة حياته وفي الوقت نفسه مجال ابداعه. ولم يكن بحاجة منذ سنوات طفولته الاولى الى من يدفعه كي يجلس امام البيانو... بل على العكس كان بحاجة الى من يراقبه كي لا يبالغ، في الجلوس امامه ويؤذي بذلك صحته. ان جميع الذين كتبوا سيرة حياة «ولفجانج امادورس موزارت» وبما فيهم «ستاندال» الروائي الشهير، وكذلك فيليب سولير مؤلف هذه السيرة «موزارت الغامض» يؤكدون على ان الموسيقى لم تكن اكتشافاً لديه وانما كانت دائماً حاضرة معه وفيه. لقد كان يرى بأن من لا يفهم شيئاً من الموسيقى فانه لا يستطيع ان يفهم بشيء من الميتافيزيقا».. كما قال ضمن المنطق نفسه: «كي يعرف الانسان موقع علاقته مع آخر، فانه يكفي الاستماع الى الموسيقى معاً». ما يحاوله «فيليب سولير» في سيرة حياة موزارت هذه هو طرح التساؤلات حول « الدلالة التاريخية» الظاهرة موزارت. انه يصفه بـ «الغامض» وهو يعالج من خلاله معطيات قرن كامل هو القرن الثامن عشر المعروف بـ «عصر التنوير» والذي لا يزال حتى الآن بمثابة عنصر فاعل في صياغة القيم السائدة.. وتشكل مراسلات موزارت مع عدد من معاصريه احد المصادر الاساسية في كتابة هذه السيرة. والمصدر الآخر هو اعماله واعتماداً على هذا يطرح فيليب سولير» بعض التساؤلات مثل: لماذا انتقد موزارت بعنف شديد فرنسا بعد اقامته فيها عام 1778؟ كانت والدته قد توفيت اثناء تلك الاقامة ـ ولماذا لم يتم تقديم اي عمل من الاعمال الموسيقية لموزارت في فرنسا في تلك الفترة؟ ثم كيف توقع موزارت قيام الثورة الفرنسية حدوثها عبر موسيقاه؟ ان محاولة الاجابة على مختلف هذه الاسئلة وما يقدمه المؤلف من اجابات تشكل في الواقع جوهر «تمايز» هذا العمل عن غيره من الكتابات المكرسة لسيرة حياة «موزارت» وهناك تمايز آخر يكمن في اسلوب كتابة سولير نفسه. نقرأ مثلاً في وصفه للموسيقي العبقري: «انه يكتب وهو يمشي وهو يراقب وهو يستمع، ويأكل وينام ويستيقظ. انه يحكم ويحلق في الآفاق ويتطلع نحو السماء. او يصفه وهو ينجز عملاً موسيقياً حيث «يدندن ويتوقف ويستأنف ويكسر الايقاع ثم يستأنفه بحيوية اكبر..». ان «سولير» يقوم في هذا الكتاب بـ «قراءة» موزارت ممزوجاً مع العنف الذي يخيم في العالم اليوم... وهو يذكره احياناً بهتلر وستالين. كذلك يقدم فيليب سولير تحليلاً لمختلف سمفونيات موزارت بكل ما فيها من «حساسية» و«حسية» مما يجعل هذا العمل بمثابة «دليل» بصيغة ما، لحسن الاستماع لموزارت ولفهمه ايضاً.. ذلك لان النسيج الاساسي لمادة هذا العمل هو مزيج من الموسيقى نفسها ومن «الانفعالات الحسية» التي تشتمل الموسيقى عليها.. ولكن ايضاً من البعد التاريخي الذي يربط بين موزارت.. وما قبله.. وما بعده ايضاً.. وهو ايضاً كتاب في الموسيقى.. وعن الموسيقى كوسيلة لـ «العيش». لم يكن موزارت ظاهرة موسيقية في عصره محتسبة وانما كان ظاهرة بكل ما تشتمل عليه هذه الكلمة من ابعاد.