هاري بيليت، مؤلف هذا الكتاب، هو ناقد فني وأحد الخبراء ذوي الشهرة العالمية الكبيرة في الاسواق الفنية.. وهو يدعو في هذا الكتاب قارئه لزيارة مؤسسة «سوثبيز»، احد أشهر مؤسسة دولية لبيع وشراء اللوحات الفنية والتماثيل وغيرها من التحف، وذلك الى جانب مؤسسة اخرى لا تبعد عنها كثيرا وهي مؤسسة «كريستيز». هذا الكتاب هو احد الاعمال في سلسلة شهدتها رفوف المكتبات الغربية خلال السنوات الاخيرة وموضوعها واحد تقريبا هو «سوق الفن»، زاوية الرؤية وميدان الاهتمام هما وحدهما اللذان يتمايزان من عمل الى اخر. ومن الملفت للانتباه ان اغلبية هذه الاعمال هي ذات طابع نقدي وأحياناً تنبيء بقرب انهيار سوق الفن، كما هو حال هذا الكتاب «غداً الساعة 18.30 سينهار سوق الفن». وقد يكون من المفيد هنا التذكير بعناوين بعض الكتب المنشورة خلال السنوات الثلاث المنصرمة حول الموضوع نفسه وحيث تحمل عناوينها بعض القيمة الدلالية على مضمونها مثل «بزنس الفن، سوق الفن ام فن السوق» لجوديث بنامورهويت و«نهاية منظومة صالات العرض» للوران وولف، و«سوق الفن، العولمة والتكنولوجيات الحديثة، و«غزوة ضد الفن» لاي نويل دو روس ورولان بيير لارنغو. و«سوثبيز، سوق الفن واسراره» لروبير لاساي.... الخ. هذا الكتاب لهاري بيليت يعالج مجموعة من الظواهر الجديدة في سوق الفن والتي ليس اقلها المبالغة، في تقدير ثمن اعمال الفنانين المشهورين وحيث ان جميع العاملين في هذا القطاع «التجاري» من شراة وباعة واصحاب صالات عرض ومدراء متاحف لهم علاقة بهذه الظاهرة. ولابد من الاشارة منذ البداية بأن مفهوم «الانهيار» يتم استخدامه بالنسبة للبنى التقليدية لسوق الفن والتي كانت محكومة بمجموعة من القواعد والمعايير المحددة. ان «هاري بيليت» يدرس سوق الفن على الاساس نفسه الذي تتم فيه دراسة اي سوق اخر في ظل قواعد العولمة. واذا كانت الشركات الكبرى متعددة الجنسيات تفرض سيطرتها وقواعدها على صعيد الاسواق العالمية فان المؤسسات «الفنية» الكبرى مثل «سوثبيز» و«كريستيز» انما تمارس عملياً الدور نفسه بالقياس الى صالات العرض الصغيرة التي غدت مهددة بالانقراض. ثم ان مؤسسة «سوثبيز» مثلا قد وسّعت من مساحة معروضاتها واصبحت تحتل حوالي اربعين الف متر مربع وبحيث انها اصبحت تحتل عشرة طوابق بدلا من اربعة. لكن عملية التوسع و«الارتفاع» لم تكن فقط على مستوى صالات العرض والبيع وانما ايضا جرت عملية «تكييف» جديدة لتسهيل زيارة مختلف الصالات. هكذا يصف المؤلف ما يراه من تجديد بشيء من الاندهاش الذي ينقله لقارئه. فصالات البيع اصبحت مجهزة بمقصورات زجاجية مخصصة لـ «الزبائن» المهمين وصالات العرض غدت جديرة بأن تكون احدى قاعات متحف اللوفر في باريس او متحف الارلتاج في سان بطرسبورج بروسيا. كما تم تزويد المؤسسة بمصعد يرفع الشاحنة كلها من اجل تجنب تعريض الاعمال الفنية لاية مخاطر او تلف اثناء نقلها. اما مؤسسة «كريستيز» التي كانت قد جعلت من الاعمال الفنية «الانطباعية» احد مراكز اهتمامها الرئيسية لسنوات طويلة فقد قامت مؤخراً بنقلة نوعية عبر عرض الفن الحديث والمعاصر، اي ما يمثل شريحة جديدة من «تاريخ الفن»، ولاشك بان مثل هذا الخيار يحمل في طياته مخاطرة كبيرة من زاوية تقدير قيمة الاعمال المعروضة وكذلك تقييم الفنان نفسه في «بورصة» السوق المختصة، اذ ان اعمال بيكاسو مثلا اصبحت ذات قيمة مؤكدة لان بيكاسو نفسه اصبح ينتمي الى التراث الفني العالمي.. ولكن ليس هناك اية ضمانات بأن تنظر الاجيال اللاحقة لفنان معاصر، كما هو بيكاسو او غيره من الفنانين الذين اصبحوا قيمة بحد ذاتهم، بالنسبة للاجيال الحاضرة.. وعلى الاغلب اللاحقة. لكن بالمقابل ادى تبنّي مؤسسة كبرى مثل «كريستيز» لاعمال فنية معاصرة الى رفع قيمة بعضها الى مبالغ خيالية، مما جعل السوق غير خاضعة كما كان الحال من قبل، لمعايير ثابتة، وانما لذاتية اصحاب القرار في المؤسسات المعنية. هكذا مثلا عرف «سوق الفن» في نيويورك بيع عمل للفنان الامريكي المعاصر «جيف كونس» يمثل مايكل جاكسون وشبيهه بقيمة 1.6 مليون دولار في شهر نوفمبر من عام 1999 اي بأربعة اضعاف ما كان قد بيع به منذ ستة اشهر فقط.. لكن المسألة لم تتوقف عند هذا الحد اذ ان «مايكل جاكسون» العمل الفني بالطبع ـ قد وصل ثمنه بالمزاد العلني في مدينة نيويورك بتاريخ 15 مايو 2001 الى 4 ملايين دولار. لكن المثير للانتباه، وهذا ما يشير اليه مؤلف هذا الكتاب، هو انه لم تصدر عملياً اية تعليقات صحفية تتحدث عن القيمة الفنية لهذا العمل او عن «الصفقة المربحة» التي قام بها الشخص الذي اشتراه وانما انه، اي هذا الشخص، قد دفع مبلغاً كبيراً «رقما قياسياً» من اجل الاستمتاع بعمل فني يحبه. وبهذا المعنى بدا ان «سوق الفن» بمعنى تحديد القيمة على اساس نوعية العمل وموقع صاحبه من «بورصة» الفن، قد انحسر لصالح معيار اخر هو «الرقم القياسي» الذي حققه العمل في السوق وليس «العمل» نفسه. بل وان هذه القاعدة نفسها اصبحت مطبقة على اعمال الفنانين «الخالدين».. ولا يزال الكثيرون وحتى من غير الاخصائيين، يذكرون بأن لوحة ازدهار دوار الشمس للرسام الهولندي «فان كوخ» قد حققت خلال الثمانينيات في القرن الماضي العشرين ارقاماً قياسية مذهلة ـ كان فان كوخ قد مات فقيرا بائساً لم يبع في حياته الا بعض الاعمال لاخيه وبدريهمات. تجدر الاشارة في هذا السياق ايضا الى ان لوحة بيكاسو الشهيرة «المرأة مكتوفة الذراعين» قد بيعت منذ فترة قريبة في سوق الفن النيويوركي بـ 50 مليون دولار امريكي. واذا كان هذا الثمن الباهظ لاعمال فنانين كبار من امثال بيكاسو وفان كوخ ورامبرانت ومونيه قد يجد تبريره في قيمته «التراثية» الى هذه الدرجة او تلك، فما الذي يبرر المغالاة الكبيرة في تحديد قيمة اعمال فنانين «على الموضة» امثال «جيف كونس» وغيره. الملاحظة الاولى هي ان هذه الظاهرة هي ظاهرة جديدة في سوق الفن منذ الحقب القديمة وحتى الوقت الراهن. لعل التفسير الاول يكمن في البحث عن بعض «الابهة» بالنسبة لشاري هذا العمل الفني او ذاك وكذلك لبائعه. لكن مثل هذا التفسير لا يعود في الواقع للسياق الراهن فقط، وانما يجد جذوره في الحقب القديمة حيث كان الفن، ومنذ الحقبة الرومانية، مجالاً للمنافسة بين المعنيين بأعماله بغية الحصول على موقع اجتماعي متميز في التراتبية القائمة.. هذا ومن المعروف ان العديد من الفنانين قد قاموا برسم، او بانجاز اعمال نحت، تخص الملوك والمتنفذين الذين سادوا في عصرهم.. وكم هناك اليوم من اللوحات التي تتضمنها المتاحف الفنية الكبرى في العالم وتخص ال مديتشي اولويس الرابع عشر وكثيرين غيرهم الذين بحثوا عن تحقيق امجادهم وتأكيد «الأبهة» التي تميزوا بها عبر الفن وليس فقط عبر السيف والفتوحات. ومن السمات التي يتم التركيز عليها في تحليل الآليات الجديدة لسوق الفن بصورته «الجديدة» بعد ان تصدّعت كثيرا صورته التقليدية، هناك مسألة المنافسة بين الشركات الدولية والمؤسسات والمجموعات المالية الاستثمارية من اجل السيطرة على سوق الفن. وهكذا اشترت قبل عدة سنوات المجموعة الفرنسية التي يرأسها «فرانسوا بينو» احدى أهم مؤسستين انكلو سكسونيتين، اي «كريستيز» وحاول بعده بسنوات رئيس مجموعة مالية فرنسية اخرى هو «برنار اينو» الذي ضم لمملكته العديد من بيوت الازياء الفرنسية الكبرى مثل ايف سان لوران وغيره، ان يكون له هو الاخر موقع متميز في سوق الفن فاشترى مؤسسة «فيليبس» التي تأتي على صعيد الأهمية بعد «سوثبيز» و«كريستيز».. بالطبع ليس الفن هو الهدف.. وانما بالاحرى السوق والاقتصاد. بالمقابل هناك فئة اخرى جعلت من اسواق الفن مركز اهتمامها الرئيسي، او على الاقل احد مراكز اهتمامها الرئيسية. وتتمثل هذه الفئة في مجموعة من الاثرياء ـ اصحاب المليارات ـ ومن هواة «جمع اللوحات الفنية» لاسباب ذاتية احيانا.. وتجارية غالباً. ان هؤلاء الاثرياء الامريكيين او اليابانيين او الاوروبيين او غيرهم قد كان لهم اثر كبير عندما ولجوا سوق الفن اذ اصبحوا «عاملاً» في التلاعب ببورصة الفن صعوداً.. او هبوطا اذ ان الثمن الذي قد يدفعونه بعمل ما «راق لهم»، قد يزيد بشكل مبالغ به ـ قياساً الى قيمته الفنية ـ بقيمته.. مما يعني المساهمة في «خلل» سوق الفن ذاته، اذ ان «ثمن» العمل الفني يصبح هو الذي يضع قيمته.. بالاضافة الى دلالته الاجتماعية. اضف الى هذا واقع «بؤس» الثقافة الفنية الحقيقية لهؤلاء الاثرياء الجدد الذين قد يشترون مثلا لوحة لبيكاسو او رامبرانت من اجل اسم صاحبيهما. لكن من الملفت للانتباه ان اهتمامهم يذهب بالاحرى نحو الحاضر او الاقرب الى الحاضر من الماضي، فاذا دفعوا مثلا ثمنا للوحة لبيكاسو فإنهم يحددون ثمناً اقل بكثير للوحة اخرى تعود لرامبرانت.. فبيكاسو اكثر حداثة على الصعيد الزمني.. وهؤلاء الشراة انفسهم هم الذين يرفعون اثمان الاعمال الفنية المعاصرة «على الموضة» لاسيما وان هذه الاعمال الفنية المعاصرة هي ذات نزعة استعراضية تتلاءم اكثر مع اذواقهم مما تتلاءم معها الاعمال «القديمة» التي تتميز بقدر اكبر من الحساسية والعمق.. بكل الاحوال هذه اللوحات القديمة اصبح مكانها هو المتاحف، ولكن من الواضح، وكما يدل العدد الهائل من زوارها، بأن نظرات الجوكوندة ـ الموناليزا ـ الحائرة التي رسمها ليوناردو دافنشي لاتزال تجذب اليها الالاف بل والملايين من البشر الذين يقفون احياناً في «الطابور» ساعات عديدة حتى «تلتقي» نظراتهم بنظراتها. وضمن السياق نفسه من التحليل، يبدو ان صالات العرض والبيع الصغيرة محكوم عليها بالتقهقر والانكفاء بسبب قدرتها المتواضعة على المنافسة في سوق الفن.. هذا في وقت كان فيه بائعو اللوحات الشهيرة يكتسبون شهرة كبيرة تقارب احياناً شهرة الفنانين الذين يبيعون لوحاتهم. وفي محصلة التحليل يؤكد مؤلف هذا الكتاب بأن شيئاً لن يظل كما كان في الماضي بالنسبة لسوق الفن الذي يقترب اكثر فأكثر من «فن السوق».