ثمة امور قد تثير دهشتك، وربما امتعاضك، لكنها لا تحرك ساكناً عند غيرك، وثمة احداث قد تبكيك بينما تضحك غيرك في الوقت ذاته... وهكذا يمكن ايضاً ان تتوزع الاهتمامات على الكتب التي نعرض لها. فالكتاب الذي بين ايدينا قد لا يلفت نظر بعض القراء. لكنه يعني الكثير للمهندسين وكتبة التاريخ المعماري والتراثي، كما يعني الكثير للمهتمين بالعلاقة بين الذات والموضوع، والاشياء ومدلولاتها واستعمالاتها النفعية والرمزية، والوعي والجسد والفصل بينهما بحثاً عن الهوية. ان بدن الفرد ظاهرة بيولوجية طبيعية، وقد طرأ تغير جذري على تطوره بسبب تعامله مع البيئة الطبيعية والاجتماعية، حيث ادى هذا الى فقدان بدنه الكثير من الاستراتيجيات الغريزية الموروثة، وتم استبدالها بقدرات فكرية وبدنية، وعن طريق هذه القدرات اخذ التفاعل بين متطلبات الفكر نحو البيئة ينمو وينضج، مما ادى الى احداث تغيير في بدن الانسان وتطوره حتى وصل الى ما هو عليه في الوقت الحالي، لقد اصبح البدن ليس فقط كياناً خاضعاً الى اصطفاء طبيعي اعمى، كما ينمو ويتطور عند الحيوان، وانما اخذ ينمو كمحصلات متعاقبة للتفاعلات المتبادلة بين الفكر والبيئة الخارجية، الطبيعية والاجتماعية. وهكذا اخذ بدن الانسان يتطور ويتهذب ويتروض في ممارسات ومهارات تنمو وتتقدم بتقدم تفاعلها مع المعرفة المكتسبة المستورثة من الاجيال السابقة والمتراكمة والتي يبتدعها الفرد المعين من خلال تعامله مع متطلبات البيئة، لا في واقعياتها فحسب، وإنما كما تظهر في مخيلته ورغباته ومخاطراته ومحفزاته وفنطازياته، والتي تؤلف بمجموعها حالة مركب لمقومات هوية الفرد. فالموقف من اثاث البيت كأداة للقعود، هو ليس حالة افعال ذاتي مع مادة جامدة من طرف واحد، اي افعال احادي، وانما هو افعال بدن يحمل هوية لفرد يتفرد بها مع اداة كان المجتمع قد منحها قيمة اجتماعية. والفرد خلال ذلك التفاعل يفاعل القيم الفعالة التي منحها المجتمع للاثاث مع القيم التي يمنحها لها من عنده، فتتحول هذه الاداة من كونها اداة قعود الى اداة جلوس. انها محصلة لتفاعل القيم المعنوية مع الذات بحيث كانت هذه مادة جامدة، وهنا يكمن مصدر قيمة الاثاث لدى الفرد والمجتمع وعلاقته بهويته. واكثر من هذا، بتفاعل وعي الفرد مع القيم التي يحملها الاثاث وباقترانها بهويته، يفقد الاثاث واقعية ماديته ويكتسب كياناً معنوياً فعالاً مع ذاتية الفرد المتفاعل معه، فيصبح اداة تؤشر لمقام الجالس، الذي يكون في دور تحقيق الافعال معها. لذا في واقعية التعامل مع الاثاث تأمين راحة القعود التي تخضع لتنويع يتسم بوظائف وتقاليد ومراسيم وضوابط وشروط، وطقوس محملة بدلالات الوجاهة والطبقة والمقام المقترن بأعمار الافراد المتفاعلين معها، ومن هنا يكتسبون مقام الجالسين عليها. وبمرور الزمن تثبت بعض هذه العلاقات، فتصبح تقاليد معتمدة من قبل ذلك المجتمع كطقوس للتعامل مع الاثاث واشكالها وتقاناتها، ويهمل البعض الآخر. ومقابل ديمومة التقاليد وما يهمل منها، وبسبب الممارسات الفعالة والتغيرات الحاصلة في التقانة والعلاقات الاجتماعية، يتم استحداث الجديد من الاشكال للاثاث والقيم والطقوس المقترنة بها. ويتحقق هذا باستحداث قيم من دون شكليات جديدة احياناً، او تتحقق قيم جديدة تستعمل شكليات قائمة احياناً اخرى. وهكذا تصبح هذه القيم والطقوس والاشكال مقومات في ذاكرة الجماعة، والتي تؤمن لها المجال الفكري لديمومة الترابط الاجتماعي وتماسكه. ولذا نجد لكل عصر وجماعة وحضارة وقوم ثمة اثاثاً يعتمده ويمنحه قيماً يتفرد بها، وتخص هويته، وغالباً ما تكون هذه القيم مقتصرة عليه، لانها تكونت مع تكوين خصوصياته والتقانات التي يستحدثها او يعتمدها، كما انها كمركب حضاري تعمل كأداة مقارنة مع ما لدى المجتمعات الاخرى. فنجد التعامل مع اشكال الاثاث: طرزها، احجامها، موادها، مهارة صنعها، تؤلف مقومات فعالة في تكوين هوية المجتمع وهوية الفرد وخصوصيته. مع ذلك فإن للانسان صفات عامة في وعيه للاشياء والبيئة التي يتعامل معها، كما في صفات متطلبات بدنه ومكنات تعامله معها، فيشترك بها مع غيره من البشر في الجلوس ومتطلبات الراحة البدنية والنفسية. كما ان المادة التي يتعامل معها كخصائص المادة الخام التي يصنعها، ومادية البيئة عامة، في اي زمان ومكان، لا تتغير، ولذا تتداخل مع هذه الخصوصيات صفات عامة ترافقها، وان غير ملموسة احياناً. المصنعات حين يستعمل الفرد بدنه كأداة لتحديد هوية الذات وعرضها، يتحقق هذا العرض عن طريق استخدام مُصنعات يبتكرها: كالعمارة والاثاث والملابس واداة الحلي والتجميل ومختلف المصنعات الاخرى، وحينما يعرض ما يقتني منها، يكون الفرد قد هيأ لذاته موقعاً يتفرد به عن الفرد الآخر، بقدر ما تتفرد هذه المصنعات في قيمتها بالنسبة الى المصنعات الاخرى، وذلك عن طريق المقارنة بما عند الآخر من هذه المصنعات الاخرى. وكيفية التعامل معها، وبذلك يكون الطرفان قد اقترن موقعهما بما يقتني من تلك المصنعات وما تحمل من قيم، وهكذا يفاضل ذاته او هويته عن الآخر. وما الاثاث الا احدى هذه المصنعات التي تؤمن للفرد لا الراحة فقط، اي الحاجة النفعية للجلوس، وإنما تؤمن له ايضاً اداة تستعمل لتحديد موقع هوية الفرد، والاعلان عن ذلك بالمقارنة مع الآخرين، وبهذا يتمكن الفرد من تأمين متطلبات الحاجة الرمزية، اي يكون قد استعمل الاثاث لتلبية متطلبات تحديد هويته ودعمها وعرضها. لذا فالجلوس لا يؤلف حالة طارئة في وجود الانسان فقط، وانما هو احد السلوكيات التي يسخرها ليعبر بها عن هويته. فنجد الاثاث لا يبتكر وينوع ويصنع فقط، وانما يقرن كذلك بطقوس وقيم، فيستعمل كأداة لتلبية وظيفة تحديد الهوية. الاستاذ رفعة الجادرجي المنظر المعماري العالمي يرى كمهندس وكباحث ان المصنعات عامة كالاثاث والبناء... لا تؤلف شكليات وبنيات مادية تسخر لاستعمالات نفعية وجمالية فحسب، وإنما اداة فعالة في تكوين هوية الفرد، وهنا يكمن مصدر اهميتها. وقد اختار للاستشهاد على دراسته عائلة من بغداد عاشت في منتصف الثلاثينيات وهي عائلة محمود عارف آغا، والدار التي كانت تسكن فيها، حيث يفصل في تعداد افراد العائلة وتوزيعهم على الامكنة داخل هذه الدار تبعاً للجنس مع تصوير واضح للمحتويات من اثاث وادوات لجميع الاستعمالات، وعلاقة كل هذا بالعادات والتقاليد والسلطة العائلية المتوارثة او المفروضة، وبكيفية توزيع العمل داخل المنزل والعلاقات الاجتماعية والاتيكيت والامكنة المناسبة للطقوس المتبعة، وعلاقة المرأة بالحرملك واختلاف ذلك عبر التطور التاريخي، وايضاً علاقة كل هذا بالمصنعات الموجودة داخل البيت. محمود أبو حامد