في القرن السابع عشر ، حقق المسرح الأسباني نجاحا هائلا، دفع المهتمين إلى الاهتمام بدراسته، ومناقشة عوامل نجاحه، والنصوص الخالدة له، وكان من ضمن هذه الدراسات، ما يتعلق بالأماكن التي عرضت عليها النصوص المسرحية، ويعرض هذا الكتاب لمؤلفه، خوسية ماريا ديت بوركي، دراسة الفرجة المسرحية ضمن الإطار الكلي للعناصر المكونة للمسرح ويشمل تحليل موجز لأماكن العرض، والجمهور والحياة اليومية المسرحية والممثلين، وفن التزيين المسرحي بصورة عامة وعرضية، أي أنه يقترب من الفرجة المسرحية من خلال واقعها الحي الصاخب في مواجهة ما جرت عليه العادة . يرصد الكتاب الذي قام بترجمته السيد عبد الظاهر عبد الله، الفرجة المسرحية في المسرح الاسباني في القرن السابع عشر، ويستهل ذلك بخلفية تاريخية عن الفرجة في الثلث الأخير من القرن السادس عشر مشيرا إلى أنها انتقلت من الساحات المعدة للتمثيل مثل باتشكيا، ويوينتي إلى أماكن جديدة مثل مسرحي لاكروت في مدريد ويشرح المؤلف تطور الساحات المسرحية في أسبانيا، مشيرا إلى أنها في الأصل، وقبل أن تتحول إلى مسارح، كانت بمثابة الأبنية الخلفية للبيوت.. حيث تتواجد خشبة المسرح في آخرها، وكان الجزء الأكبر من المتفرجين، يشغل الفناء، أما المقاعد المفضلة فهي شرفات المبنى، والمبنى المجاور له، ومن ثم كانت تلك الأماكن تحظى بقليل من الراحة بالنسبة للجمهور والممثلين، ودائما ما كانت الأفنية وخشبات العرض المسرحي تخلو من الستائر الواقية المظلة، وحين تكون الأحوال الجوية غير مواتية تتوقف عملية التمثيل وإلا أبتل المتفرجون، ويقول المؤلف، أن هذا يبين أن المسرح لم يكن حتى الآن فرجة يومية، يحضرها جمع كبير، وتحكمها قوانين العرض والطلب، باستقلالية اقتصادية .. ومع تزايد الهواية لدى الجمهور، أخذت الأجهزة التخصصية للعمل المسرحي تثبت هي الأخرى كما تم التوسع في وسائل الراحة بالنسبة للجمهور، ففي عام 1574 تقرر وضع سقف للفناء، وكان العرض المسرحي يتم داخل هذه الساحات بنظام إداري معين، فهناك ايام ثابتة للعرض، وأسعار للإيجار، وتوزيع للمال على الجمعيات الدينية، والأسعار المحددة لتذاكر الدخول . يري المؤلف أن الخلفيات التاريخية السابقة هي الأساس لما سيكون عليه المسرح الأسباني في القرن السابع عشر، ويقول ان الواقع المعاش الصاخب للعرض المسرحي آنذاك كان شأنا آخر، فما كان الجمهور يذهب فقط لسماع أشعار لوبي أو كالديرون، بل لممارسة الحب والغزل، لرؤية الآخرين باعتبارهم فرجة، لأداء الطقوس الاجتماعية، ويضيف المؤلف: كانت بداية العرض المسرحي في تمام الساعة الثانية مساء من شهر أكتوبر، وحتى إبريل، لتنتهي قبل الغروب، وأما في الربيع فكانت بدايته في الثالثة، وفي الصيف في الرابعة،وبهذه الطريقة أمكن تفادي التمثيل باستخدام الإضاءة الصناعية، وكذلك على وجه الخصوص تفادي خروج النسوة من المقصوره وقد حل الغروب ورغم تنظيم أوقام بداية العرض المسرحي، إلا أنه في مناسبات عديدة كثيرا ما تأخر العرض، إما لتأخر أحد النبلاء في الحضور، وإما لتأخر أحد الممثلين، وسط غضب عارم من قبل الجمهور، وينجم عن هذا التأخير خروج الجمهور في ظلام دامس، مما تسبب في مشاكل جمة وخطيرة بالنسبة لشرطة الكوميديا التي يقع على عاتقها مهمة مراقبة الدخول والخروج من وإلى المسرح . يكشف الكتاب أن المسرح تحول إلى ظاهرة يومية آنذاك، وكانت البداية بعرض الأعمال أيام الأحاد والعطلات فقط، لتصبح بعد ذلك حفلتين في الأسبوع الثلاثاء والخميس رغم أنه في بعض المناسبات كان عرض العمل نفسه يستمر مدة تتراوح بين خمسة عشر وعشرين يوما على التوالي، وبالتدريج بدأ العرض يتطور حتى وصل إلى أن يكون نشاطا يوميا. ويشير المؤلف إلى أن الفرجة اليومية للمسرح في القرن السابع عشر لم تتوقف إلا في أيام الحداد من قبل الأسرة المالكة أو لأسباب أخرى، هذا إلى جانب التوقف الوارد في اللوائح والواجب تنفيذ سنويا أثناء احتفالات الصوم الكبير للمسيحيين والأسبوع المقدس، بحيث تصبح ساحات العروض المسرحية خالية لأداء التمرينات السيركية، والعروض البهلوانية والعرائس. ويقول المؤلف أن الافتتاح الأكثر أهمية في الأعمال المسرحية كان يقع في عيد الفصح، ثم في أحد القيامة «اللذة»، وكان الاعلام عن الحفلات الافتتاحية للأعمال الكوميدية الجديدة يظهر في قوائم يتم وضعها بالنواحي، وقد كتب بخط اليد على الأسلوب القوطي.. وكان ذلك هو الإجراء المتبع مضافا إليه الإعلانات الصوتية في شوارع المدنية، وبواسطة الممثلين العاملين بالشركات، وكان اسم الشاعر «مؤلف العمل» وليس فقط اسم الممثلين، عاملا مهما في اجتذاب الجمهور. القاهرة ـ «بيان الكتب»