في اطار سلسلة الفن السابع التي تشرف عليها المؤسسة العامة للسينما وتصدرها وزارة الثقافة السورية. صدر مؤخرا الكتاب رقم «35» في تلك السلسلة وهو بعنوان «حياتي وأفلامي» للمخرج الفرنسي الكبير جان رينوار ومن ترجمة حسن عودة. وعلى امتداد «300» صفحة من الحجم الكبير. يروى لنا رينوار سيرته الذاتية وموقعه وكذلك موقفه من الفن السابع متحدثا عما يعتبره اهم منجزاته وتجاربه السينمائية. وفي مقدمة الكتاب يقول رينوار معرفا السينما بأنها كل ما يتحرك فوق الشاشة. فأي فيلم عن الجغرافيا هو من السينما مثله في ذلك مثل فيلم «بن هور» الهوليوري الشهير والشيء نفسه يقال عن اي فيلم يرمي الى تعليم الالف باء او الى صورة معركة عسكرية. فالسينما في رأي رينوار ليست سوى طريقة جديدة للطباعة اي شكل من التمويل الكلي للعالم عن طريق المعرفة فلويس لويير مخترع السينما هو جوتنبرج ـ مخترع الطباعة ـ جديد ونحن ندين لاختراعه بالقدر نفسه من الكوارث التي ندين بها لانتشار الفكر عن طريق الكتاب حسب قول السينمائي الفرنسي. ويرى رينوار ان تاريخ السينما وبالاخص الفرنسية ـ يتوضع خلال نصف قرن «1925 ـ 1975» تحت عنوان: نضال المؤلف السينمائي ضد الصناعة وانا فخور بمشاركتي في هذا النضال الظافر وقد جرى الاعتراف في ايامنا هذه بأن فيلما من الافلام هو من صنع المؤلف مثلما هو الامر مع رواية او لوحة فنية. ففي القبة البطولية للسينما الامريكية كان الممثل غالبا هو الذي يمهر الفيلم بخاتمة وتطور هذا الاتجاه بنجاح الى مشروع لخلق النجوم غير ان السينما الفتية اقرت اخيرا بفكرة ان المخرج هو مؤلف الفيلم وهذا تحول طيب حسب رأي رينوار كما انه ملائم تماما للتطور الفني والادبي في وقتنا الراهن. ونحن نشاهد اليوم افلاما تحمل توقيع «تروفو» او جان لوك جودار ـ خمسينيات وستينيات القرن الماضي. مثلما نرى روايات تحمل توقيع «سيمينيون» او «اندريه جيد» ويقول رينوار ان العديد من الاصدقاء طلبوا منه رواية سيرته الذاتية انطلاقا من الاهمية التي اوليت الى المؤلف. اذ ان الناس لم تعد تكفيهم معرفة ان مؤلفا ذاتيا قد عبر عن ذاته بملء حريته وبالاعتماد على كاميرته وميكروفونه وانما هم يريدون معرفة من هو هذا الفنان. وبالنسبة لرينوار فان كل كائن انساني سواء اكان فنانا او غير ذلك هو في جزء كبير نتاج محيطه. لكن كبرياءنا هو الذي يدفعنا الى الايمان بالفرد فينا. وبالحقيقة ان هذا الفرد الذي نزهو به مكون من عناصر تضم صديقا صغيرا التقيناه حين كنا في روضة الاطفال او من بطل رواية قرأناها بل وحتى من كلب صيد العم اوجني. فنحن لا نوجد من خلال ذواتنا وانما من خلال العناصر التي تحيط بتكويننا. وانطلاقا من هذا المفهوم فان جان رينوار لم يضع في كتابه قاموسا لجميع افلامه فهذا القاموس سبق ووضعه الناقد السينمائي «اندريه بازين» وانما اختار من ذكرياته تلك التي تتعلق بكائنات او بأحداث يعتقد انها ساهمت في ان تجعل منه ما هو عليه. وهكذا على امتداد اكثر من خمسين عاما شكلت واحدة من اخصب مراحل الفن السابع في السينما الفرنسية فقد رأى رينوار النور في العام «1895» قادنا المخرج السينمائي الفرنسي في رحلة من البوح والمعرفة والتجارب التي طبعته بطابعها وجعلت من جان رينوار «اعظم سينمائي في العالم» كما يقول المخرج الفرنسي الشهير «فرانسوا تروفو» في مقالة له في نهاية الكتاب. ويقول تروفو ان هذا ليس شعوره الشخصي فقط وانما هو شعور رواد العديد من السينمائيين الاخرين. فرينوار كان سينمائياً ذا مشاعر شخصية والتقسيم المعتاد للافلام درامية وكوميدية ليس له من معنى اذا ما فكرنا بأفلام جان رينوار التي كانت بمجموعها كوميديات درامية. ففيما يعتقد بعض السينمائيين بأنه ينبغي عليهم ان يضعوا انفسهم في مكان المنتج واخرون في مكان الجمهور فان رينوار يعطي الانطباع بأن يضع نفسه دوما في مكان شخصياته لذلك استطاع ان يعطي «لجان جابان» و«مارسيل داليو» و«بيير رينوار» و«جوال بيري وميشيل سيمون» ادوارهم الاجمل التي جعلت منهم اشهر الممثلين الفرنسيين.. فمن بين الخمسة والثلاثين فيلما التي انجزها جان رينوار كان خمسة عشر فيلما منها على الاقل مقتبسة من اعمال ادبية لاندرمون وسيمنون وفلوبير دجوركي وميربو وجاك بيريت ومع ذلك فنحن نجد في كل فيلم بالضرورة جان رينوار نبرته، موسيقاه، اسلوبه ودون ان يخون على الاطلاق مؤلف الرواية الاصلي ذلك لان رينوار بكل بساطة يتشرب كل شيء ويستوعب كل شيء ويهتم بكل شيء. محمد عبدالعال