في كتابه الجديد «نفسية اليهودي في التاريخ» للباحث المعروف نصر الدين البحرة الصادر حديثا عن مطبعة عكرمة بدمشق يورد فيه الى انه وخلال السنوات الاخيرة الماضية قرأ عددا لا بأس به من الكتب والمراجع الاساسية عن الحركة الصهيونية والديانة اليهودية والشخصية اليهودية الصهيونية، احيانا بدءا من التوراة واسفارها التسعة والثلاثين وهي منحولة باجماع المؤرخين المعاصرين كما انها كتاب آخر غير الذي انزله الله سبحانه وتعالى على سيدنا موسى عليه السلام. وربما كان شكسبير اهم شاعر انطلق من شمول معالجته النماذج البشرية كافة بما في ذلك النموذج اليهودي في مسرحيته المشهورة تاجر البندقية حيث يقدم لنا شكسبير مادة خصبة وكثيرة الغنى لاستقراء شخصية اليهودي في مستهل العصور الحديثة. فاذا كان اليهودي شايلوخ هو بين الشخصيات الرئيسية في المسرحية كما يبدو من جهة فان ارتباط الاحداث الاساسية فيها وتمحورها على نحو بارز حول حكاية القرض من شايلوخ هذا وما تلا ذلك وواكبه من وقائع كل هذا يحملنا على الاعتقاد الى حد ما بان شكسبير قد كرس هذه المسرحية من جهة ثانية كي يظهر لنا شخصية «اليهودي» تحت الاضواء الساطعة فوق خشبة المشرحة التاريخية حيث اعمل هذا المفكر الانجليزي الشاعر مبضعه في انحائها كاشفا عن قروحها القديمة مظهرا حتى الندوب التي تركتها جروح مغرقة في الماضي لم يفلح مر السنين في اخفاء اثارها. ويرى نصر الدين البحرة انه ثمة عناصر واضحة للغاية ومحدودة جدا يستنتجها قاريء العهد القديم حول نفسية اليهودي خاصة الاسفار التالية: يشوع، عزرا، استير، حبقوق، اخبار الايام... فهو متعصب عابد للمال والذهب والفضة بالاضافة الى انه قاس كل القسوة تجمع في قلبه كل حقد الارض والتاريخ لذلك فهو متعطش للدم ولا حدود لشهوته للانتقام والقتل والتدمير. واذا كان «شايلوخ» نموذج اليهودي الذي هو «فوق» في اعلى الهرم الاجتماعي فان «فاجين» في رواية اوليفر تويست لتشارلز ديكنز هو نموذج اليهودي الذي هو تحت في ادنى الهرم الاجتماعي. الاول يطلب المال بين الواقفين في قمة الهرم والثاني يلهث في طلبه بين الواقفين في اسفل السلم وكل منهما متعطش الى الدم والانتقام والاثنان يلتقيان من ناحية اخرى في نظرتهما الى الاخلاق او بتعبير ادق اللااخلاق التي هي المبتدأ والخبر عند اليهودي اما الاخلاق كما يفهمها الاخرون ويعيشونها في اية صيغة من صيغها الاجتماعية العملية فانها لا تهم اليهودي الا عندما يكون في حاجة اليها وحينما تستطيع ان تسدي اليه خدمة ما في مسعاه الدائب من اجل الحصول على المال فهذا هو الوجه الحقيقي لليهودي في مختلف العصور. من جهة اخرى تناول شخصيته اليهودي ونفسيته في روسيا القرن التاسع عشر اثنان من كبار الكتاب الروس وهما نيكولاي جوجول وفيودور دستويفسكي. فقد نشر دستويفسكي عام 1873 في مجلة «المواطن» سلسلة مقالات عن المسألة اليهودية تحت عنوان «مفكرة كاتب» لم يقدر لها ان تظهر بين اعمال دوستويفسكي الكاملة مرة واحدة سنة 1895 اختفت بعدها نهائيا بين مؤلفات الكاتب العظيم. وقد عالج جوجول الشخصية اليهودية في عمله الادبي الشهير «تاراس بولبا» مقدما اياها من خلال وجود اليهود الجماعي في الجيتو وخارجه وعبر شخصية المرابي الخمار يانكل الذي كان في الاصل واحد من يهود زابورجي وكانت زمن احداث الرواية متداخلة مع روسيا ونتيجة الاحداث التي وقعت ضد اليهود في هذه المقاطعة غادر الى «دربنو» فافتتح حانة هناك واخذ بالتدريج يتحكم بكل النبلاء والسادة في الجوار وشيئا فشيئا اخذ يمتص كل النقود منهم حتى صار كل من في المنطقة يشعر بنفوذ هذا اليهودي وتسلطه. ويصف كاظم سعد الدين قصة كافكا «بنات اوى وعرب» بانها واضحة جدا في هدفها فالجمل فيها رمز فلسطين وبنات اوى هي اليهود والمسافر الاوروبي هو الاستعمار الاوروبي قبل وعد بلفور وبعده وشيخ العرب والعرب الاخرون هم الانظمة العربية الفاسدة التي تتعاون من اجل جعل الجمل ينفق ثم يسهلون الامر لبنات اوى علما ان العرب يملكون بنادق لكنهم لا يستعملونها لان الاوروبي يمسك يد الشيخ فيقول هذا تماديا في خيانته الحق معك ايها السيد لندعها تمارس مهنتها فقد حان الرحيل. اما قصة «سور الصين العظيم» فان سعد الدين يلاحظ ان الصين هي رمز فلسطين التي سيحتلها الصهيونيون ولكن ماذا عن السور وضد من سيبنى؟ حيث يرى انه سيبنى من بدو الشمال هؤلاء البدو الذين رغم ذلك يستطيعون ان يهدموه في مواضيع معينة لان هذه القبائل على اطلاع خيرا منا بامور السور لانهم دوما يغيرون خيامهم كالجراد فللاجل ان يكون السور حماية لهم قرونا طويلة فما عليهم الا ان يستفيدوا من خبرات وحكمة الشعوب والعصور من الناحية العمرانية ثم يعقد مقارنة بين سور الصين وبين برج بابل ويقول: ان سور الصين سيكون لاول مرة في تاريخ العالم اساسا امنيا لبرج بابل جديد ثم يتحدث عن السلالات الحاكمة والامبراطور الذي لا يراه احد وهل تخفي دلالة الاشارة الى برج «بابل» عاصمة نبوخذ نصر سابي اليهود ومدمر عاصمتهم اورشليم عام 586 ق.م؟ وينتهي سعد الدين الى ان كافكا اسقط رمز سور الصين على حدود الدولة المرتقبة خشية الشعب الذي سرقت منه الارض وهنا يطلق اسم القبائل او البدو اما بدو الشمال فهم رمز الشعب العربي ونبوخذ نصر من ناحية والدولة العثمانية التي كانت تعارض فكرة اعطاء وطن لليهود في فلسطين من ناحية ثانية. اما قصة «احد عشر ابنا» فهي واضحة الاشارة من عنوانها ذي بدء وهذا ما انتبه اليه «اوزبورن» الذي قال انها ترمز الى لم شتات اليهود المتفرقين في العالم واوضح انها مقتبسة من قصة الاسباط وهم ابناء يعقوب الذي هو اسرائيل نفسه وتذكرنا ايضا بقصة يوسف واخوته الاحد عشر فهذه القصة كأنها تقول: اجتمعوا يا أبناء الاسرة الواحدة. وفي قصة «تجنيد القوات» فهي دعوة صريحة لليهود لتجنيد انفسهم رغم ان الاحداث تدور في الصين. ويتناول الباحث نصر الدين البحرة في كتابه الجديد «نفسية اليهودي في التاريخ» الماركسية واليهود حيث يقول ان دراسة كارل ماركس عرفت عن اليهود والمسألة اليهودية اكثر من ترجمة فقد نقلها عن الفرنسية اولا وهي في الاصل مكتوبة بالالمانية الكاتب اللبناني محمد عيتاني فظهرت في كتيب من القطع الوسط عنوانه «المسألة اليهودية» ثم نقلها مرة اخرى عن الفرنسية الكاتب السوري الراحل الياس مرقص في اطار كتاب له حول موضوع المسألة اليهودية فجاءت تحت العنوان ذاته. وفي هذا الاطار يقول ماركس: المسيحية هي الفكر السامي لليهودية واليهودية هي التطبيق العادي للمسيحية ولكن هذا التطبيق لم يكن يستطيع ان يصبح عاما الا حين توصلت المسيحية نظريا على الاقل من حيث هي دين كامل الى ان تجعل الانسان غربيا عن نفسه وعن الطبيعة ويضيف قائلا: وعندئذ وحسب استطاعت اليهودية التوصل الى السيطرة العامة وابعاد الانسان والطبيعة الى خارج ذاتيهما وجعلت منهما شيئا تجاريا خاضعا للحاجة الانانية والمتاجرة وفي القسم الثاني من كتبا «نفسية اليهودي في التاريخ» لمؤلفه نصر الدين البحرة يرى فيه ان من منظور يقترب كثيرا من «الفكرة الخالدة ابدا» يتحدث بن جوريون عن شعب الله المختار في كتابه «الفكرة الصهيونية» فان اول امجاد اليهود فكرة الشعب المختار ذي الرسالة العظيمة والوضع الفذ بين الامم وهذا ما عبر عنه بمزيد من الوضوح والصراحة التي تبلغ حدود الوقاحة «اشرين غنز برغ» وهو احد واضعي الايديولوجية الصهيونية قائلا: «انني اؤمن بتفوقنا الاخلاقي والعقلي واؤمن باهليتنا ان نكون نموذجا لانفاق وخلاص الجنس البشري». في الوقت الذي فيه اجماع بين المؤرخين المعاصرين على ان احبار اليهود هم الذين كتبوا الاسفار الاولى من «التوراة» المزعوم في القرن الخامس قبل الميلاد تقريبا وقد كتبوه كما يروق لهم وبالطريقة التي تعيننا على كشف نفوسهم وسبر اغوارهم خلال المراحل التاريخية التي سبقت او تلت. وفي جميع الاحوال فان في التوراة تداخلا مدهشا بين مسألتي القتل والزنى. ويقدم الباحث نصر الدين البحرة ابوابا خاصة للحديث عن اليهود والاسلاف والنبي محمد عليه السلام وفكرة شعب الله المختار عند اليهود وقراءة في بروتوكولات حكماء صهيون كذلك (القبالا) نقطة بيكار اليهود العالمية بالاضافة الى الحديث عن فراقات التلمود وجريمة يهود دمشق سنة 1840 في حين يفرد الفصل الاخير من الكتاب للحديث عن المفكر الفرنسي روجيه جارودي الذي فضح اكاذيب اليهود. أحمد أبوالحسن