الامواج تصطرع على سطح البحر في غير تهادن، بينما تلتزم الطبقات الدنيا سلاما عميقا. وترى زبداً ابيض، خفيفاً فرحاً يحف بحواشيها المتغيرة، وحين ترتد الموجات تترك على رمال الشاطيء قليلا من هذا الزبد، فيأتي طفل يلعب، يتناول منه قبضة، ما يلبث ان يستغرب بعد لحظة: كيف لا يجد في كفه إلا بضع قطرات من الماء، ولكنه ماء اشد ملوحة واشد مرارة من ماء الموجة التي حملته. ان الضحك ينشأ كما ينشأ هذا الزبد: انه نذير الثورات السطحية في ظاهر الحياة الاجتماعية، يرتسم فيه على الفور شكل الاهتزازات المتحركة، انه رغوة مالحة تفور من المرح ولكن الفيلسوف الذي يذوقها يتعرف في قليل من مادتها على غير يسير من المرارة. يجتهد المؤلف في البحث والتنقيب عن المضحك بصفة عامة، مضحك الاشكال ومضحك الحركات، مضحك الظروف ومضحك الكلمات ومضحك الطباع، من ايام ارسطو وحتى العصر الراهن يحاول ان يضعها في تعريف عام، وان يقدم الينا وسيلة لتركيب الموضوع المعرف، يعني لصنع المضحك. بحث في الملهاة وفي السخرية وفن المهرج وما الى ذلك من وسائل «صنع المضحك» وادرك انها اشكال متنوعة نسجت على مثال عام يسوقه من اجل التبسيط لان المهم في الامر هو هذه الاشكال المتنوعة لا القاعدة التي تتبع في تركيبها. ويعترف بأن التعريفات التي يمكن الحصول عليها ستتبدد لاول وهلة جد ضيقة، كما كانت التعريفات التي حصل عليها من سبقوه جد واسعة، لان الشيء المضحك هو مضحك في جوهره، في ذاته، في تركيبه الداخلي، طائفة من الاشياء تضحك لما فيها من شبه سطحي بشيء آخر، او لعلاقة عرضية بشيء آخر وهكذا دواليك في قفزات بغير نهاية، ذلك اننا نحب ان نضحك فننتهز المناسبات لنضحك، وآلية تداعى المعاني هنا معقدة غاية التعقيد. ولذلك فان علم النفس الذي عالج هذه المسألة على هذا النحو ظل يناضل صعوبات ما تنفك تتجدد وبدلا من ان يتخلص من المضحك دفعة واحدة بحصره في قانون واحد، اصبح يرمى بأنه لم يفسر جميع الوقائع واصبحت المشكلة مضحكة بدورها لشبهها بالشيء المضحك في ذاته، وهكذا يكون قد نجح في تقديم وسيلة جديدة لصنع المضحك. وفي الوقت نفسه الذي حاول فيه المؤلف تحديد اساليب صنع المضحك، حاول ان يتعرف على غاية المجتمع من الضحك. ذلك ان الضحك امر يدهش، والمنهج التفسيري لا يمكنه توضيح هذا السر الصغير، فإذا كان عدم الانسجام من حيث هو عدم انسجام يثير هذه الظاهرة الخاصة التي هي الضحك بينما ان كثيرا من الخصائص الاخرى، مزايا كانت او عيوبا، تدع عضلات الوجه هادئة ساكنة! فلابد اذن ان نبحث عن عدم الانسجام الخاص الذي هو علة الضحك فهل يكون المجتمع مضطرا بها لاثبات وجوده، او انها وسيلته الى القيام بحركة هي اشبه برد الفعل الدفاعي، حركة تخيف بعض الخوف، وتسخر بعض السخرية، وتؤلم بعض الالم، وتخالف ما يدل عليه مظهرها بعد لحظة. سنرى نتيجة دائرية تعود دائما الى نقطة البدء، في احدى المسرحيات رجل معذب مع زوجته، يحسب انه نجا منها ومن حماته بالطلاق، ثم يتزوج ثانية، فاذا بمجموع ظروف الطلاق والزواج تزيد الموقف حرجا اذ ترد اليه زوجته القديمة حماة جديدة، فإذا فكرنا في شدة هذا النوع من المضحك ومن شيوعه، فهمنا ما لفت انظار الفلاسفة: يقطع الانسان مسافة طويلة ويعود دون ان يدري الى نقطة البداية، فهذا بذل لجهد ضخم في سبيل نتيجة عقيمة، وهذه فكرة «هربرت سبنسر» الذي يرى في المضحك علامة الجهد الذي يلتقي فجأة بالفراغ، وقبله قال «كانت»: «ان الضحك ينشأ من انتظار ينحل فجأة الى لا شيء» وسنرى رجلا يركض في الشارع، فيتعثر فيسقط، فيضحك المارة، وما كانوا يضحكون لو قعد هذا الرجل فجأة على الارض بملء اختياره، ولكنهم يضحكون لانه قعد على الارض في غير ارادة منه، واذن فليس تغير وضعه بغتة هو الذي يضحك بل ما ليس اراديا في هذا التغير. ونرى رجلا في كامل ابهته يجلس على كرسي متين فيسقط به، فهو يفعل عكس المطلوب نتيجة سرعة مكتسبة طبعتها فيه العادة بينما كان ينبغي له ان يوقف الحركة او يحرفها. وههنا نفهم المضحك في «الكاريكاتور» فالهيئة مهما انتظمت، ومهما انسجمت لا تحقق التوازن التام المطلق، ففيها ابدا نذيرة باعوجاج، وايذان بجعدة، وهذا الفن يقوم على ادراك تلك الحركة التي قد لا تدرك، فيضخمها ويجعلها واضحة لكل الناس، انه يشوه نماذجه ليستشف فيما وراء انسجام الصورة الظاهري عصيان المادة العميق فهو فن شيطاني بعض الشيء، يقيل الشيطان الذي كان قد صعقه الملاك. وهذا خطيب تنافس الاشارة عنده الكلام، تغار من الكلام فتجري وراء الفكرة تريد ان تجسدها وهذا احسن، ولكن ينبغي للاشارة ان تحيا حياة الفكرة وان تقبل القانون الاساسي للحياة: وهو الا تتكرر ابدا، فاذا ما رأيت الآن حركة ما من الذراع او من اليد تتكرر هي بذاتها بصورة دورية، فلاحظتها، فتوقعتها، فحصلت عليها في اللحظة التي توقعتها فيها، ضحكت على غير ارادة منك. لماذا؟ لانك الآن بإزاء اداة تعمل بصورة آلية، فليس هذا بعد من الحياة، ولكنه الآلية المستقرة في الحياة والتي تقلد الحياة. ولهذا تغدو بعض حركاتنا مضحكة اذا قلدها شخص آخر، وتصبح اكثر اضحاكا حين يميل بهذه الاشارات ـ من غير تشويه ـ الى عملية آلية ما كنشر خشب او شد حبل لجرس موهوم. والقانون العام لمثل هذه الحوادث يمكن ان يصاغ كما يلي: كل حادث يلفت انتباهنا الى الجانب المادي من الشخص حيث نكون بصدد الجانب الروحي فهو مضحك. هكذا نضحك من خطيب يعطس في اللحظة التي يبلغ فيها الخطاب اقصى حماسته! وهكذا تضحكنا الجملة التأبينية: «كان رحمه الله فاضلاً بدينا!» لان انتباهنا ينتقل فجأة من الروح الى الجسد والامثلة كثيرة على هذا في الحياة اليومية فهذا شخص ما يكاد يتكلم حتى يقف ليشكو ضيق حذائه او ضغط حزامه، وهذا خطيب يكون في اجمل مقاطعة فاذا بوخزة من سنه المريضة تقطع عليه الكلام، والصورة التي توحي بها هذه الامثلة هي صورة الشخص الذي يربكه جسمه. ولقد لاحظ نابليون ـ وهو في عصره عالم نفس ـ اننا بمجرد الجلوس ننتقل من المأساة الى الملهاة، فعندما التقى بملكة بروسيا، استقبلته بلهجة مفجعة تقول: «عدالة، عدالة يا سيدي! رد إليّ ماجد بورج». واراد ان يجعلها تغير لهجتها فطلب منها ان تجلس، وهذه خير وسيلة للتخلص من مشهد مفجع، اذ ينقلب بالجلوس الى ملهاة، هكذا قال. ان ثمة قانونا لا مرد له، يقضي على كل قدرة حية ان تمتد، في القليل الذي اعطى لها من الزمان الى اوسع مدى تستطيعه في المكان. وما الخيال الهزلي الا قدرة حية، انه نبتة خاصة نبتت قوية على الاجزاء الحجرية من الارض الاجتماعية تنتظر ان تتيح لها الثقافة ان تضاهي ارهف مبدعات الفن. فاروق خلف