ان هذا الكتاب حرب الألفية الثالثة. نفط قزوين (ومآرب أخرى) يتحدث عن الحرب الاولى في الألفية الثالثة، حيث دخل مؤلفه حبيب غانم في السباق وراء الأحداث لفهم خلفياتها، وأبعادها، ولا يدعى الفرادة في بابه، وانما هو مساهمة في قراءة هذه الأحداث بصوت مكتوب عبر أربعة فصول وملحق خاص بالوثائق، يركز عبرهم المؤلف على ثروات بحر قزوين والحرب. لقد شنت أمريكا الحرب على افغانستان، بحجة تصفية الارهاب والمسئولين عنه، والذين يتخذون من جبال هذه البلاد، وكهوفها مقرات ومراكز لهم. وعشية السابع من أكتوبر، وقبل أن ينقضي 27 يوما على الضربة التي استهدفت مركز التجارة العالمي في نيويورك، والبنتاجون في واشنطن.. ومع الاعلان عن بدء الغارات على مدن افغانستان، وعدت الادارة الأمريكية بحرب طويلة، لن تقتصر على هذا البلد الفقير، الذي تحول نصف شعبه الى لاجئين قبل الحرب، وفي خلالها. فيما يحكم منطقة الشمال منه تحالف معارض مرحب بالغارات على مناطق سيطرة طالبان، التي قدمت الملجأ والحماية لتنظيم القاعدة، وقائده أسامة بن لادن المشتبه به الأول - حسب التعبير الأمريكي - في غارات الطائرات المدنية على نيويورك وواشنطن. لقد وضعت واشنطن شخصا في موضع الشبهة، ووجهت التهمة اليه، وحكمت عليه، وعلى طالبان وافغانستان حتى قبل التحقيق، ونفذت الحكم بصواريخها وطائراتها. ومن تسلسل الفعل الى رد الفعل، سوف ينكشف لنا ان الفعل الحقيقي هو رد الفعل الذي جاء ردا على غارات الطائرات المدنية على مركز التجارة في نيويورك والبنتاجون في واشنطن حيث جاء مخططا له قبل الحادث وكان في انتظار الذريعة التي جاءت مع الغارات التي وقعت من طائرات مدنية. وصانعو قرار الحرب في أمريكا، تصرفوا في حربهم على الافغان وطالبان وابن لادن، كما في غيرها، بناء على مبدأ الاعداد لكل السيناريوهات والابقاء على ساعة الصفر حتى تأتي الذريعة. أما وقد وقعت الواقعة، وحل الدمار في افغانستان مرتين: مرة عندما شجعت الولايات المتحدة الأمريكية، طالبان على تولي الحكم في كابول وهيأت لها السيطرة على 85% من الاراضي الأفغانية، وتركت ماتبقى لتحالف الشمال على سبيل الاحتياط كما يبدو. ومرة، عندما قررت اسقاط حكم طالبان، واقامة نظام بديل، مع أن الفارق بين تحالف الشمال وطالبان ليس كبيرا، بدليل أن زعيم طالبان عرض على هذا التحالف الانضمام الى قواته لمحاربة أمريكا، والدفاع عن افغانستان من دون اغراءات.. فلم يلق قبولا. مثلت الهجمات الانتحارية التي استهدفت الولايات المتحدة الأمريكية مرحلة نوعية في المواجهة المستمرة بين واشنطن، من جهة، وخصوم سياساتها والمعارضين لتفردها في التحكم بدول العالم، والمعترضين على دورها المسيطر في معظم القضايا الدولية. ومع أن الرسالة وصلت الى العنوان الأمريكي الا أن المرسل ظل مجهولا.. أو مشتبها به بناء على السوابق التي شهدتها السفارات، والبوارج الأمريكية. وقبل أن ينقضي الشهر على يوم الثلاثاء الأسود في 11 سبتمبر 2001 انقضت الطائرات الأمريكية بصواريخها على افغانستان بحجة توجيه ضربة قاصمة الى ابن لادن المشتبه به الأول، والى حكومة طالبان التي تؤويه في أفغانستان. وقد أعدت الادارة الأمريكية اعدادا كافيا لحربها وهيأت كل مايحتاجه مسرح عملياتها لتدمير مراكز وابطال الارهاب الذي وجه لها الضربة. ومع أن الحرب الأمريكية على الارهاب استخدمت الصواريخ وكافة أنواع الأسلحة المتطورة ومنها قنابل زنة 7 أطنان في محاربتها لما تسميه الارهاب، الا انها في الوقت ذاته ارسلت طائراتها في مهمة موازية تحمل هوية انسانية، من خلال اسقاط المواد الغذائية على النازحين الافغان الى الحدود مع دول الجوار.. وكل ذلك من منطلق اعتماد سياسة العصا والجزرة، وعلى قاعدة اعادة الهيبة للدولة العظمى، واستعادة سيطرة الغرب عبر استطالته الأمريكية ونطاقها الدولي على الكرة الأرضية والتأكيد على أن العالم محكوم بهذا العصر الأمريكي ونظامه العالمي، ولفترة طويلة. فالنظام العالمي يرتبط بعصر تسود فيه العالم أو معظمه وربما بعضه عقيدة معينة فالنظام العالمي السائد الآن ليس جديدا، وانما يعود عمره الى مئات السنين أعطى خلالها الوجه الواقعي لهذه المرحلة المستمرة ولكن الجديد هو النظام الدولي. ان النظام السوفييتي مثلا، والذي استمر 75 عاما، كان عصر الشيوعية، في أوروبا الشرقية، ولكنه الوجه الآخر للعصر الاوروبي، هذا العصر الذي لا يزال مستمرا منذ مئات السنين يحمل الآن هوية رأسمالية ويطبع النظام العالمي بطابعه وعقيدته. ويبقى العصر أوروبيا بامتياز، حتى وان انتقل مركزه الى عاصمة اخرى في أمريكا أو اليابان مع الاشارة الى وجه آخر اكثر بشاعة لهذا العصر يتمثل بالنازية في ألمانيا والفاشية في ايطاليا.. وبشكل عام انه عصر الحروب العالمية الأولى والثانية في أوروبا والثالثة في العالم. والواقع ان النظام الدولي يشكل مرحلة من مراحل النظام العالمي الذي يتكون من سلسلة من الأنظمة الدولية المختلفة أو المتوالية، وعواصمها التي تنقلت من باريس ولندن وبرلين الى واشنطن التي تحتل موقع الصدارة في هذا العصر الأوروبي ونظامه العالمي السائد. ويبدو هذا العصر طويلا، لان قيادته الأمريكية قابعة خلف المحيطات وموحدة الى درجة كبيرة لا تشترك في الحروب وان اشتركت فمتأخرة، أو من خلال تحالف يقود ويستخدم الشرعية الدولية مما أتاح لها امتلاك الثروات والاحتياطات وكل اسباب التطور واعطاها القدرة على المضي بعيدا في التفوق، واحتلال مركز قيادة العالم الذي لا يقبل المنافسة، ولعل ذلك يؤكد هول الضربة غير المتوقعة التي تلقتها في 11 سبتمبر 2001 وعلى العالم ان يتوقع رد فعل أمريكي غير مسبوق. ان الولايات المتحدة الأمريكية، وهي تشن حربها الأولى في الألفية الثالثة، والمفتوحة على ماتسميه الارهاب تعرف جيدا انها تنفذ مهمة شبه مستحيلة لأن اجتثاث الارهاب، يستدعي معالجة اسبابه أولا، وانتفاء اسبابه يستدعي حل القضايا الدولية العالقة بروح العدل، والانصاف وفي اطار الشرعية الدولية التي لا تعتمد سياسة المكيالين في وقت واحد. ومع ان واشطن بدت مأخوذة بالمفاجأة التي لم تكن تنتظرها لا في عاصمة العالم نيويورك، ولا في عاصمتها واشنطن، فقد اتجهت أنظارها الى تعزيز قواتها العسكرية في جميع انحاء العالم، نشر اساطيلها في المحيطات والبحار وكأنها تشكل مياها اقليمية لها، حتى أن الجيوش البرية تخطت بتواجدها اكثر من نصف العالم. الا ان لهذا الانفراد الأمريكي بالعالم، وجها اخر.. حيث دفعت أمريكا ثمن القطبية الأحادية.. فبدت وهي في ذروة جبروتها، وقد أدركها الضعف، وحلت بها كارثة اصابت كبرياءها وهيبتها. والأزمة المتفجرة الآن تحتاج لقوات مختلفة، وأسلحة مختلفة لردع، وربما لاحتلال الدول التي تخرج على النظام الأمريكي، أو تفكر في ذلك.. وخصوصا في المناطق التي تقع تحت التصنيف - Key Area أي المنطقة المفتاح - وتندرج تحت هذا العنوان مناطق الشرق الأوسط والبلقان، واسيا الوسطى.. وكل منطقة تكتشف فيها الثروات الحساسة حيث المصالح الحيوية القائمة والقوية للشركات الأمريكية أو المصالح المحتملة بالاضافة الى حماية الدول والانظمة الصديقة، واستمرار دورانها في الفلك الأمريكي. لقد كان التحدي كبيرا وخطيرا لا لأن الأمن القومي الأمريكي واجه تهديدا فاق كل الاحتمالات والتوقعات وانما لأن الاخطار انتجت مضاعفات لا يمكن توقع نتائجها ايضا أو مضاعفاتها. لقد كانت فكرة الحرب تتقدم ماعداها من الاحتمالات وفي تقرير استراتيجي أمريكي يعكس مضمون الاطمئنان الأمريكي تم الكشف عنه لأول مرة بعد الحادي عشر من سبتمبر جاء ما نص اننا نستطيع أن نفترض أن اعداءنا أو خصومنا في المستقبل فهموا الدرس من حرب الخليج. ولذلك فليس من المتوقع أن يحاول طرف منهم مواجهتنا في حرب تقليدية تعتمد على تشكيلات الدبابات والقوات الجوية والبحرية، ذلك أن النظر الى هذه الميادين كلها يظهر تفوقا حقا في موازين القوة لصالح الولايات المتحدة الأمريكية.. ويترتب على ذلك أن من يريد مواجهتنا من الاعداء أو الخصوم عليه ان يكتشف وسائل جديدة تمكنه من تهديد مصالحنا أو قواتنا أو مواطنينا. وعليه أن يتأكد ان هذه الوسائل تستطيع أن تحقق له ميزات ينفذ بواسطتها الى مواقع ضعف تكون عندنا. من الواضح من المحطة الأولى للحرب في افغانستان ان الهدف يتجاوز الى محطات اخرى.. واهمها محطة بحر قزوين للسيطرة على ثرواته غير المحدودة من النفط والذهب والكافيار واستكمال وضع اليد الأمريكية على مناطق الثروة العالمية، ووضعها بتصرف الشركات العملاقة، حتى اذا ما تحقق هذا الهدف، توالى الكشف عن المحطات اللاحقة لحرب بوش الطويلة والمقدر لها الا تنتهي قبل عشر سنوات، ستأخذ في طريقها كثيرا من الدول والأنظمة والمنظمات والجماعات والشعوب والسؤال: هل كان ضروريا ان تتلقى أمريكا الضربة الكبرى في الحادي عشر من سبتمبر، حتى تستيقظ أحلامها ومطامعها في آن واحد، فتصبح ثروات بحر قزوين هدفا موازيا لحربها على الافغان وطالبان والارهاب؟ لقد بقى مشروع السيطرة الأمريكية على ثروات بحر قزوين نائما في الأدراج للسنوات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي، بانتظار اللحظة المناسبة ولم يكن التنافس على منطقة اسيا الوسطى، وتحديدا تلك الواقعة على بحر قزوين محصورا بالدول المحيطة به. فالولايات المتحدة دخلت دائرة التنافس مرة عبر اثارة الخلافات بين - الدول الخمس المحيطة ببحر قزوين وهي ايران، وكازاخستان، تركمانستان، أذربيجان، روسيا،و مرة باسم مصالحها الاستراتيجية، ومرة لاستهداف ايران التي وصل الخلاف بينها وبين أذربيجان بتحريض من أمريكا الى حافة الحرب، ومرات لاستهداف الصين أو عزلها. لقد تهيأت الذريعة الجديدة لتطبيق الخطة القديمة ولكن في عهد بوش الابن الذي تقوم استراتيجيته على ربط القضايا الساخنة بعضها بالبعض الآخر. يبدو ان الحرب على الافغان، لا تعدو كونها مدخلا لاعادة رسم خريطة اسيا الوسطى، وتحويل خط الحرير القديم الى خط نار طويل، قد يشعل المنطقة التي تتواجد فيها قوى نووية مثل الهند وباكستان والصين وروسيا ودول قادمة وفي الطريق ايران. لقد حطت العاصفة العسكرية الأمريكية في افغانستان لكن العين السياسية تتطلع الى مكان أو أمكنة أخرى، والعين الاقتصادية تصوب على اسيا الوسطى وفي القلب منها بحر قزوين. ان جمهوريات اسيا الوسطى تتمتع بموقع هام على الخريطة العالمية جغرافيا واقتصاديا. فالمنطقة قد تنتج يوميا مايعادل ستة ملايين برميل من النفط بحلول عام 2020 والمتوقع أن تستثمر صناعة النفط فيها حينذاك مايراوح بين 300 مليار و500 مليار دولار ووزارة الطاقة الأمريكية قدرت عام 1999 انه يمكن العثور هناك على ثروة من 163 مليار برميل من النفط و337 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي. وأكثر من ذلك يتوقع الخبراء أن تصير منطقة قزوين منجما للذهب، فكازاخستان وحدها فيها 10 آلاف طن من الذهب أي ثاني أكبر احتياطي في العالم. أمين اسكندر