ظل الدكتور لويس عوض، المفكر المصري الراحل.. موضع جدل شديد سواء كان ذلك في حياته، أو بعد رحيله، وموضع الجدل حوله تعلق بطبيعة مشروعه الفكري، فالبعض رأى أنه كان تغريبيا، شديد الاغراق في الإعجاب بالحضارة الغربية، متعاليا بل ومتغطرسا في الوقت نفسه في نظرته الى الحضارة العربية، في حين يرى البعض انه كان تنويريا، ومؤلفاته جميعها ذهبت الى العمل لصالح تنوير العقل المصري والعربي.. وكلما جدت ذكرى رحيل لويس عوض كلما تجدد هذا الجدل، ورأت دار الهلال أن تحتفل بذكراه في شهر سبتمبر الماضي باعادة اصدار كتابه مذكرات طالب بعثة.. هذا الكتاب الذي كتبه لويس عوض عام 1942، ولم يعثر على أوراقه بعد فقدانها في دهاليز الرقابة الا في عام 1965. ومذكرات طالب بعثة، هي أول تجربة في الكتابة باللغة العامية يخوضها المؤلف على غرار تجربة بيرم التونسي في كتابه المعروف السيد وخبراته في باريس الذي صدر في الثلاثينيات، ولم يخف لويس عوض ان كتاب التونسي كان دافعا رئيسيا له لكتابة تجربة مذكرات طالب بعثة باللغة العامية، يقول: التهمت كتاب بيرم التونسي التهاما ولم يلبث أن فتح امامي آفاقا في تجارب اللغة، كان مذكرات طالب بعثة ثمرتها المباشرة، فقد أوحت الي تجربة بيرم التونسي أن أتمم عمله بعرض الوجه الاخر من الصورة، فبيرم قد جرب بنجاح النثر العامي في لغة السرد والوصف والتحليل، ولكن في حدود الفكاهة والتعبير الكوميدي بوجه عام، وهي كلها فنون من الأدب يسوغ فيه استعمال العامية لقربها الشديد من الحياة اليومية. ويضيف، هكذا فكرت في أن أجرب النثر العامي في لغة السرد والوصف والتحليل، ولكن في حدود الفكر الجاد والعواطف السامية بل والقصد التراجيدي، وبهذا استكشف امكانيات اللغة العامية عمليا لا نظريا وبالتجربة لا بمجرد الافتراض والدعوى. يحكي لويس عوض بأسلوب عامي جميل رحلة ابتعاثه طالبا للدكتوراه في انجلترا، وذلك عبر سرد كمي متتابع للزمان والمكان.. يبدأ من لحظة انطلاق المركب من الميناء، ووصفه للواقفين على الرصيف يهزون مناديلهم كتعبير عن الوداع، واحساسه هو الشخصي بأنه كالمقطوع من شجرة، لأنه كان الوحيد بلا أهل، وكان هذا سببا في أن يدعو في سره على المسئولين عن البعثة الذين أغرقوه في انهاء اجراءات وفجأة أبلغوه بموعد السفر ولم تتح الفرصة له للسفر لرؤية أهله في المنيا، وقبل هذه اللحظات يصف لويس عوض رحلته عبر القطار من المنيا الى القاهرة، وكيف شاغلته الأحلام يقول: تصور واحد يلاقي آماله المهمة كلها تتحقق بالسهولة دي.. المنيا مهما كانت بلد صغيرة، ولما واحد يكون خياله نشيط واحلامه كثيرة مش ممكن يبقى سعيد في علبة السردين دي. أنا عاوز أروح انجلترا عاوز أشوف نهر التيمز وستمنستر، سوهو، برج لندن، بيكاديللي، سانت بول، البحيرات.. كل الصور دي ملت رأسي لدرجة أن نسيت الكرسي الخشب اللي هو أفخادي وأنا قاعد في الترسو. يتحدث لويس عوض عن طبيعته الشخصية، وجوانب من خصائص التكوين فيه مثل كيفية تلاقيه خبر الموت، ومشاركته في العزاء وغيرها.. أما في البحر وهو على المركب يتذكر 22 سنة من الماضي، واطلق لويس عوض على حالة ركوبه المركب اسم مرحلة استكشاف يقول: تعلمت في يوم واحد حاجات كثيرة ماكنتش أعرفها، لكن كل ماتصادفني حاجة جديدة كنت أشعر ببرودة تشبه البرودة الناشئة من الفقر. في 18 أكتوبر 1937، وصل لويس عوض الى جنوة في ايطاليا وشاهد حالة النظافة، والنظام وجمال النساء وبعد ان يحكي بعض المواقف التي حدثت له يشير الى انتقاله الى مارسيليا الى باريس حيث توجه فيها الى الحي اللاتيني حيث الأماكن التي يتواجد فيها المبعوثون المصريون، وهناك تعرف على الدكتور مندور، الناقد الشهير فيما بعد، وأخذه مندور الى جامعة السوربون لمشاهدتها. الى بريطانيا محطته الرئيسية في الدراسة، توجه لويس عوض، وفور وصوله الى انجلترا يأخذ عدة انطباعات عن الانجليز أهمها، ان كل الناس باين عليها انها بتفكر، أما سبب هذا الانطباع فهو ان الانجليز أكثر شعب يستأنس بالوحدة. ينهي الطالب لويس عوض كل الاجراءات الروتينية من أوراق واشياء أخرى تتعلق باستقراره كمبعوث، ويحكي بأسلوبه العامي الشيق العديد من هذه التفاصيل، غير أن مايلفت النظر في هذا هو رصده لبداية تعامله مع الأفكار والآراء التي كانت تموج في انجلترا، قبل هذا يشرح كيف وصل الى المتحف البريطاني بهدف جمع المراجع لرسالته العلمية، ويشير بطريقة مسلية كيف وجد بعض الذين يخطبون في هايدبارك ويكتشف انهم اصحاب حالات عقلية، أما كامبريدج التي استقر فيها للدراسة فيقول عنها انك لا تستطيع فهمها الا اذا رأيتها من بعيد، بدأ لويس عوض في كامبريدج يمارس حياته، ويشير في ذلك الى ذهابه لنادي الفراعنة، وهو نادي يضم عددا من المصريين، ويقول عن هذا النادي أنه من أحسن النوادي التي رآها في حياته، ولم يكن له مكان ولا عنوان، وكان الأعضاء يجتمعون كل يوم أحد في بيت واحد من الأعضاء، يتناولون الشاي، ويتبادلون الآراء، وكان من نشاط النادي، محاضرة في أسبوع، ومناظرة في أسبوع آخر، بالاضافة الى نشاط رياضي. ينتقل لويس عوض بذلك الى توضيح كيفية تعامله مع المجتمع الانجليزي، وكيف كان ينتقل ويعود من انجلترا الى باريس، وعبر حكايات حياتية طريفة، تفهم كم كانت الدهشة تعلوه في كل موقف يكتشف منه شيئا جديدا، حتى يعود الى القاهرة مرة أخرى عبر جنوب افريقيا التي وقع في حبها واعتبرها بلد الجمال والكرم والغنى الممجوج والقلوب الحجرية. القاهرة ـ «بيان الكتب»