أهمية هذا الكتاب تكمن في انه لم يركز فقط على المكانة التاريخية والدينية للمدينة في قلوب كل المسلمين بل والمسيحيين ولكنه حرص على أن يتطرق بالحديث الى مكان هذه القضية الشائكة فيما تم من اتفاقات سابقة بين الصهاينة والفلسطينيين، بل وفيما يتم التحدث بشأنه من مفاوضات الوضع النهائي التي لم تنطلق بعد ولكن كانت قد وضعت الكثير من ركائزها في مفاوضات كامب ديفيد التي اجريت في منتصف العام الماضي وانتهت دون التوصل الى التسوية التي كان قد تم طبخ ملامحها في الولايات المتحدة. المؤلف د.أحمد صدقي الدجاني يرى انه ومنذ انطلاق المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية كان واضحا ان هناك تعتيما على هذه القضية المهمة فمثلا في بداية مرحلة المفاوضات واثناء الجلسة الافتتاحية لمؤتمر مدريد لوحظ ان الدعوة التي وجهها كل من الرئيس الأمريكي جورج بوش والسوفييتي جورباتشوف لم تتضمن أي ذكر لقضية القدس ومثلها جاءت دعوة وزيري الخارجية بيكر وبانكين حيث لم تتضمن الدعوتان كذلك أية اشارة الى قرارات مجلس الأمن بشأن القدس وأولها القرار رقم 252 لسنة 1967، كما لم يشر الرئيسان في خطابيهما في افتتاح المؤتمر الى قضية القدس، وكل ماجاء وقتها مجرد اشارة ضمنية عن القضية في خطاب ممثل المجموعة الأوروبية في المؤتمر. وقد استفز هذا الموقف حيدر عبدالشافي رئيس الوفد الفلسطيني في الوفد الفلسطيني الأردني المشترك في مدريد وقام بالتعليق عليه في خطابه مؤكدا على أن القدس ليست فقط هي روح فلسطين بل مهد الديانات الثلاث وهي موجودة حتى وان ادعى البعض غيابها عن هذا المسرح، هي موجودة رغم ان الاستبعاد المصطنع من هذا المؤتمر يعد انكارا لحقها في السعي وراء السلام، ان القدس عاصمة وطننا فلسطين. ومن التجاهل في مؤتمر مدريد الذي كان بداية انطلاق مسيرة التسوية التي تعطلت الآن، الى محاولات ومخططات التهويد التي تقوم بها اسرائيل ضد المدينة المقدسة يقول المؤلف: لقد تم اتخاذ الكثير من الاجراءات لتهويد المدينة كان آخرها ما تم في مارس 1993 وذلك عندما اكملت اسرائيل عزل القدس الشرقية عن الضفة الغربية وقطاع غزة من خلال سلسلة من الاجراءات تضمنت شق طريق تلتف حول القدس وتصل بين جنوب الضفة ووسطها وشمالها لتحول دون عبور ابناء فلسطين بقدسهم في تنقلهم كما كان عليه الحال منذ آلاف السنين، كما تضمنت الاجراءات منع دخول ابناء فلسطين من الضفة والقطاع الى القدس الا بإذن مسبق، وتقييد حرية القادمين منهم للصلاة في المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، وقد جاءت هذه الاجراءات استكمالا لخطوات سبقت كان هدفها فرض الأمر الاسرائيلي على القدس لتكون تحت السيادة الاسرائيلية الكاملة في ظل أي تسوية يتم التوصل اليها ومن هذه الخطوات السابقة الامر الذي وقعه وزير الداخلية الاسرائيلي في فبراير 1992 وبعد ثلاثة أشهر من مؤتمر مدريد ويقضى بتوسيع اراضي بلدية القدس والحاق خمسة عشر ألف دونم بها. ويفرد المؤلف عدة صفحات في الكتاب عن الموقف الأمريكي من القدس قائلا: الموقف الأمريكي من القدس مساند للموقف الاسرائيلي الصهيوني استراتيجيا وواقعيا مع تغيير محدود في التكتيك، فهذا الموقف يقول الآن بالقدس الموحدة ويقبل بالسيادة الاسرائيلية عليها عمليا، مناقضا لما يعلنه من تمسك بقرارات الشرعية الدولية بشأن القدس، وهو يكاد يسكت عن قيام الحكومة الاسرائيلية بمتابعة عمليات الاستيطان الاسرائيلي في القدس ومنطقتها ويمول هذه العمليات بضمانات القروض التي اعطاها، ولابد هنا من الاشارة الى ان موقف أي إدارة امريكية من القدس يتأثر كثيرا بموقف الكونجرس الذي يقوم مركز القوة الصهيوني الامريكي بدور كبير في صياغته بحكم ما لهذا المركز من نفوذ قوي في الكونجرس، والذي صدر عنه من قبل قراران بأن القدس عاصمة دولة اسرائيل. ولكن اذا كانت اسرائيل مستمرة في تنفيذ مخططها الصهيوني الرامي الى تهويد المدينة مدعوما بالمساندة الأمريكية فهل يعني ذلك انه لا أمل في الحصول على الحقوق العربية والاسلامية والمسيحية في المدينة يشير المؤلف د.الدجاني الى ان هناك الكثير من الأمور التي يمكن أن نفعلها نحن ابناء العالمين العربي والاسلامي وأولها ان نتعامل مع قضية القدس باعتبارها قضية تحرير والتمسك بمباشرة معالجتها فورا وفقا لاحكام الشرعية الدولية، وهذا يقتضي تغيير صيغة مدريد التي وضح انها عمليا تعاني من خلل في اساسها واطارها وخطواتها، كما يجب ان يكون هناك جهد مستمر على الصعيد الدولي للوصول بالولايات المتحدة الى الالتزام بما قررته الشرعية الدولية بشأن قضية القدس والحقوق الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف لشعب فلسطين العربي في الوقت نفسه يجب توفير الدعم المادي والمعنوي للانتفاضة حتى تستمر ومعالجة مايعترضها من عقبات لأن ذلك من شأنه مواجهة المخططات الصهيونية الاسرائيلية لتهويد القدس وطمس هويتها، وهو مايستلزم ترسيخ الوحدة الوطنية الفلسطينية فضلا عن التنبيه الى المخاطر التي تحملها برامج الاحزاب الأمريكية المعلنة في حملاتها الانتخابية حول الاعتراف بكون القدس عاصمة لدولة اسرائيل، ومما يجعل المخاطر المحيقة بالطابع العربي والاسلامي للمدينة مخاطر حقيقية وملحة. ولم ينس المؤلف أن يوضح أن القدس قضية تمثل جزءا اساسيا من قضية فلسطين منذ بدأ الغزو الاستعماري الصهيوني لها في الربع الاخير من القرن التاسع عشر، وكانت القدس وقتها عربية خالصة، وجاء بروز القضية لأن الغزاة أولوا اهمية خاصة للتسلل الى القدس في مرحلة التسلل الصهيوني 1882 - 1917، وبدا واضحا مايبيتونه لاغتصاب القدس، وتجلى خطر الاغتصاب حقيقة واقعة في مرحلة التغلغل الصهيوني 1917 - 1948 إبان الاحتلال البريطاني لفلسطين، وفي عام 1948 نجح الغزو الاستعماري الصهيوني في احتلال جزء كبير من القدس ومن يومها باتت قضية القدس هي تحرير هذا القدس المحتل الذي يمثل القسم الغربي من المدينة وكان قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1947 قد تضمن تدويل المدينة المقدسة مع اقامة دولتين في فلسطين يهودية وعربية ولكنه يطبق. القاهرة ـ «بيان الكتب»