اذا كان التقدم العلمي والتقني والصناعي قد حقق الرخاء والرفاهية لكثير من دول العالم، الا ان هذا التقدم لم يترك الانسان لينعم بما حققته الحضارة والمدنية دون ان يسبب المشكلات التي ينوء بحملها انسان العصر الحديث، كما يعجز عن مواجهتها والتغلب عليها بالرغم من الامكانات المتقدمة والطاقات الهائلة التي اتيحت له. ولقد دفع انسان العصر ثمن هذا التقدم من راحته وصحته وحياته، فبعد ان كان يتنفس هواء نقيا ويشرب ماء خاليا من الملوثات الكيماوية، ويتغذى طعاما ذا قيمة غذائية عالية وغير ملوث بالمواد الكيماوية التي تسربت اليه بقصد او بدون قصد، جاء العصر الحديث ليلقي بمخلفاته في الهواء والماء والغذاء ويؤثر بذلك على صحته باشكال عديدة. الضوضاء وبالرغم من ان معظم امراض العصر ناجمة عن زيادة نسبة التلوث البيئي بالكيماويات، والمواد المشعة، والميكروبات، الا ان هناك امراضا يسببها نوع آخر من التلوث، وهو التلوث السمعي. وتشير الدراسات الى ان نسبة الاصابة بامراض السمع قد ارتفعت بسبب التقدم الصناعي المذهل وتطور سبل المواصلات، بالاضافة الى الزيادة الكبيرة في اعداد السكان في كثير من دول العالم وما ينجم عن ذلك من ضجيج. ومما يؤكد دور التقدم الصناعي في زيادة امراض الجهاز السمعي، ارتفاع نسبة الاصابة بهذه الامراض بين عمال المصانع بسبب الضجيج. ولقد بينت الدراسات ان الضوضاء تؤثر على صحة الانسان النفسية والعصبية والبدنية، بالاضافة الى اثرها السلبي في علاقات الانسان الاجتماعية وطاقته وانتاجه، ولذلك اهتم العديد من الدول بمعالجة مشكلة الضوضاء التي تضيف الى المجتمع امراضا اخرى غير تلك الناجمة عن تلوث الهواء والماء والغذاء. ولا يقتصر اثر الضوضاء على الازعاج الذي تسببه للانسان، بل يمتد الاثر ليشمل حالته النفسية والحسية والعصبية والعضوية، فهي تؤثر بشكل سلبي في الطاقات الفكرية والابداعية والانتاجية لمخ الانسان، بالاضافة الى انها تعتبر من اهم اسباب امراض العصر، كأمراض القلب والاوعية الدموية والاورام وغير تلك الامراض. امراض السمع يشير د. عز الدين النشاري ود. عبدالله البكيري في كتباهما امراض العصر الصادر عن مكتب التربية لدول الخليج الى ان من اهم الامراض الناجمة عن الضوضاء الامراض السمعية، اذ اثبتت الدراسات ان الاذن لها طاقة محددة لاستقبال الموجات الصوتية فاذا زاد تردد هذه الاصوات عن حد معين، فان هذا يؤدي الى حدوث تلف في الاجهزة السمعية بالاذن، وحينما تتعرض هذه الاجهزة للضجيج بصفة مستمرة فان هذا يسبب في باديء الامر عجزا طفيفا في عملية السمع يستطيع الاختصاصيون قياسه بواسطة اجهزة حساسة، ثم تزداد شدة العجز السمعي تدريجيا حتى يفقد المريض حاسة السمع ويصاب بالصمم. ولقد دلت نتائج الدراسات الطبية التي اجريت في الولايات المتحدة الامريكية على ان اكثر من ثلاثين مليون فرد يشكون من اضطرابات السمع والصمم بسبب الضوضاء الناجمة عن حركة الطائرات والقطارات والسيارات، بالاضافة الى الاصوات الصادرة عن اجهزة الراديو والتلفزيون المكيفات وغير ذلك من الاجهزة المنزلية. وتجدر الاشارة الى ان كثيرا من اصحاب المصانع في امريكا يدفعون ملايين الدولارات سنويا كتعويض للعمال الذين اصيبوا بامراض السمع بسبب ضوضاء المصانع. امراض اخرى بالاضافة الى امراض السمع وهي من اهم الامراض التي تصيب الانسان بسبب الضوضاء، هناك قائمة اخرى من الامراض قد يصاب بها الافراد والمعرضون تعرضا مستمرا للضجيج، مثل امراض القلب والامراض النفسية والعقلية، والتشوهات الولادية. وبمتابعة الدراسات التي اجريت في نطاق اثر الضوضاء على صحة الانسان يتضح ان هناك قائمة طويلة من الامراض التي تنشأ بسبب حدوث زيادة في افراز بعض الهرمونات وبخاصة هرمون الادرينالين والكورتزون، وذلك على اثر التعرض للضوضاء فالزيادة في افراز الادرينالين تسبب حدوث تصلب الشرايين وارتفاع الكولسترول والسكر في الدم، كما تسبب هذه الزيادة ارتفاع ضغط الدم واضطرابات القلب. اما زيادة افراز الكورتزون فتؤدي لتدني مقاومة الجسم للامراض الميكروبية والفيروسية، وغير ذلك من الامراض. التأثيرات النفسية قد تؤثر الضوضاء تأثيرا سلبيا في قدرة العامل او الموظف وفي انتاجه الجسدي والذهني كما تؤثر بشكل سلبي في علاقته بالزملاء والعملاء، فقد تتوتر اعصاب العامل بسبب التعرض للضوضاء، وتعتمد شدة هذا التوتر على حجم الضوضاء وطول الفترة الزمنية للتعرض. وقد بينت الدراسات التي اجريت في مجال تأثير الضوضاء في صحة الانسان العصبية والعقلية ان نسبة الاصابات العصبية ترتفع في الافراد المعرضين للضوضاء، وذلك بالمقارنة بالافراد الذين يتمتعون بحياة هادئة. ولقد اوضحت بعض الدراسات ان هناك علاقة بين اصابة الانسان بالصمم وارتفاع نسبة الاصابة بالامراض العقلية، حيث تبين ان المرضى المسنين المصابين بالصمم يحتمل اصابتهم بحالات جنون العظمة، كما يؤدي الصمم الى الاصابة بامراض عقلية اخرى في الشباب. ومن مضاعفات الصمم الذي يصيب الانسان في سن الطفولة او في مقتبل الشباب، حدوث تغيرات ملحوظة في اسلوب ونمط حياة الشخص المصاب بالصمم، وبخاصة زيادة الشعور بالعزلة وما يزيد من الشعور بالعزلة ان زملاء المريض الاصم لا يعطفون عليه مثلما يعطفون على المريض الاعمى. تكوين الجنين اثبتت التجارب التي اجريت على الحيوانات ان المؤثرات السمعية مثل الضجيج الصادر من اصوات الاجراس والسيارات والقطارات يترتب عليها سوء تكوين واضح في اعضاء اجنة الحيوانات، وذلك اذا ماتعرضت الامهات للضجيج خلال مرحلة الحمل الاولي، وهي المرحلة التي يتكون فيها الجنين. واذا كانت المؤثرات السمعية المزعجة تلحق الاذى بالجنين فان سماع الاصوات الجميلة والنغمات الهادئة يساعد على تنمية العصب السمعي وخلايا المخ للجنين، ولذلك ينبغي على الحامل ان تتجنب سماع الاصوات الصاخبة والمنفرة، كما يجب على الحامل عدم التعرض للاضواء الشديدة لانها تسبب اضطرابات في تكوين الجنين. ومن الامراض الاخرى التي تصيب الانسان من جراء التعرض للضجيج الصداع المزمن والدوخة وحرقة المعدة والاضطرابات الهضمية والارهاق والارق. الوقاية من الاجراءات التي تتخذ لتخفيف شدة الضوضاء في مكان العمل، استعمال حواجز عازلة للصوت، وبوضع الماكينات او الاجهزة التي يستعملها العمال للوقاية من الضوضاء. ومن الوسائل التي تستعمل لتخفيض شدة الضوضاء وضع سدادات من المطاط او البلاستيك في الاذن مع الاهتمام بنظافة هذه السدادات حتى لا يترتب على استعمالها اصابة العامل بالامراض الميكروبية. ومن الوسائل الاكثر فعالية ضد الضوضاء وضع جهاز خاص على الاذن وظيفته عزل الاذن عن الاصوات الخارجية، ويخضع هذا الجهاز لمواصفات محددة ودقيقة ومن الاجراءات التي تتبع للمحافظة على السمع استعمال اجهزة قياس السمع بصفة دورية في المصانع لتحديد مقدار العجز في السمع بسبب الضوضاء حتى يمكن وقاية العامل وعلاجه قبل ان يستفحل المرض والعجز. اما فيما يتعلق بالوقاية من الضجيج في المكاتب والمنزل فيمكن التخفيف من حدة الضجيج بالتقليل من استخدام الاجهزة التي تصدر اصواتا مزعجة، وترشيد مشاهدة التلفزيون واستخدام الهاتف والحرص على ممارسة رياضة التأمل والاسترخاء التي تحقق للجسم توازنه المفقود.