يقول الرسام الانجليزي الشهير ديفيد هوكني ان لحظة الاكتشاف الكبير داهمته خلال زيارة لمعرض اعمال الفنان الكبير اينجر بمتحف لندن الوطني عام 1999، وكان حينها ينظر باعجاب الى مجموعة من رسومات البورتريه انجزها الاستاذ الاكاديمي الفرنسي في حدود عام 1920، عندما شد انتباهه صغر وسرعة الرسومات حسب تعبيره. بدأ هوكني يتساءل ما اذا كان اينجر لم يستخدم «الكاميرا المنيرة» التي ابتكرت مؤخرا وهي عبارة عن موشور زجاجي صغير يمكن تثبيته، الى طرف لوح الرسم، وعندما ينظر الفنان الى الاسفل من خلال الموشور يمكنه رؤي مسقط ضوئي للشيء الذي يحاول رسمه. ويقول هوكني: قمت ايضا بتكبير نسخة طبق الاصل عن احدى رسومات البورتريه دهشت عندما لاحظت ان طريقة الرسامة اندي وارول متجلية في اللوحة كانت وارول ترسم بنسخ مساقط الصور الضوئية بدلا من ان ترسم الجسم مباشرة كما تشاهده امامها . وبالطبع فان العديد من الناس يعتبرون هذه الطريقة التي تعرف بالاستشفاف او النسخ بالاستشفاف ضربا من ضروب الغش وانها تحط من قدر الفن الجميل الى منزلة نشاطات تلوين الصور التي يقوم بها الاطفال. كانت هذه الملاحظة الثاقبة الخطيرة المحرض الذي دفع هوكني بقوة للقيام ببحث لاهث اثبت له، كما يقول، صحة الافتراض المروع بان العديد من اساتذه الفن القدماء، من جان فان آيك في اواسط القرن الخامس عشر، مرورا بفيرمير في القرن السابع عشر وصولا الى اينجر استخدموا العدسات والاسقاطات الضوئية لمساعدتهم في رسم لوحاتهم الواقعية.ويقول هوكني على سبيل المثال انه كان من المستحيل تقريبا حتى على فان آيك ان ينقل بدقة الثريا المعقدة المعلقة فوق العريسين في لوحة «زفاف ارنولفيني» 1431 دون الاستعانة بعدسة. لكن العدسات الكبيرة بما يكفي للقيام بهذا العمل لم تتوفر الى بعد قرن على الاقل من عصر آيك. غير ان هوكين يقول ان فان آيك استخدم مرآة مقعرة بسيطة لعرض مسقط ضوئي للثريا على لوح رسمه وربما لم تكن مصادفة ان توجد مرآة محدبة في لوحة ارنولفيني. وقد تمخضت اكتشافات هوكني عن كتاب جديد بعنوان «المعرفة السرية: اعادة اكتشاف التقنيات المفقودة التي استخدمها الاساتذة القدماء» وبرنامج خاص عن الموضوع تبثه بي بي سي ومؤتمر عقد هذا الشهر على مدار يومين في منهاتن. وكان بين المشاركين في المؤتمر مناوئون غاضبون لفرضية هوكني ومؤيدون من امثال تشارلز فالكو، استاذ الفيزياء الضوئية في جامعة اريزونا والمعماري البريطاني فيليب ستيدمان الذي الف كتابه عن استخدام فيرمير المزعوم لـ «كاميرا مظلمة» او مرفيا «حجرة مظلمة» حيث كان الفنان يجلس في هذه الحجرة ليستشفر سمته من مسقط صورة معكوسة لجسم موجود خارج الغرفة يسلط انعكاسه من خلال عدسة او مجرد ثقب صغير في الجدار يمرر الضوء الى الحجرة. ويقول ستيدمان تستند استنتاجاتي بشكل كلي على الهندسة المنظورية للوحات فيرمير. قام ستيدمان ببناء نسخة طبق الاصل عن الحجرة المصورة في العديد من لوحات فيرمير وصورها ضوئيا من «كاميرا مظلمة» فوجد ان التطابق بين صوره ولوحات فيرمير دقيق جدا لدرجة لا يمكن اعتباره محض صدفة. ويميل انصار هوكني الى النظر للمؤرخين الفنيين المعاندين على انهم حماة غيورون على ممالكهم تسيرهم اهتمامات مكتسبة ليس فقط بـ «العبقرية» الفنية الصرفة لكن ايضا في امتيازاتهم الخاصة التي تمنحهم حق تأويل هذه العبقرية للجمهور. وعن ذلك يقول فالكو: «إن المؤرخين الفنيين يشكلون جماعة منغلقة يتجنبون الخوض في القضايا التقنية متذرعين بحجج عديدة، لكن لو الزم جميع المؤرخين بحضور منهاج دراسي اكاديمي لمدة فصل واحد، لكنا قد توصلنا الى هذا الاكتشاف منذ اجيال.ومن المناوئين الاشداء لفرضية هوكني آلان تشونج احد القيمين على متحف ايزابيلا ستيورات في بوسطن والذي يصر على ان فيرمير كان يضع خريطة المنظور في لوحاته يدويا، حيث كان يترك ثقوبا صغيرة على لوحاته القماشية ليحدد الاحداثيات الرئيسية. ويسأل تشونج: لما يكلف فيرمير نفسه كل هذا العناء اذا كان فعلا يرسم بالنسخ الاستشفافي؟ يبدو اننا نسينا كم كان الفنانون متمرسين وبارعين في عهد النهضة الى اواخر القرن التاسع عشر. ويصف تشونج ادعاءات هوكين بانها «جزء من ظاهرة اجتماعية حديثة تحاول التقليل من شأن العبقرية واختزالها بالتكنولوجيا انه الموقف الانجلو ساكسوني على وجه التحديد ازاء التعامل مع فن الرسم والشعر. وذهب بعض المعارضين للفرضية الجديدة الى حد وصف هوكني بانه رسام من الوزن الخفيف يحاول انزال الاساتذة القدماء الكبار الى مستواه وكانت من بين هؤلاء سوزان سونتاج التي سخرت من هوكني مشيرة بكلمات لاذعة الى انه حاول الايحاء في دلائل فرضيته بانه ربما يجيد الرسم اكثر من فيرمير نفسه. علي محمد