بدعوة من جمعية المسرح في اتحاد الكتاب العرب أقيمت بمدينة حمص السورية الندوة النقدية التاسعة عشرة التي خصصت لتكريم المسرحي فرحان بلبل، واستمرت على مدى أربعة أيام متتالية حيث ألقيت دراسات نقدية في انتاج المسرحي المكرّم. بدأت الندوة النقدية بمحاضرة للدكتور عبدالله أبوهيف تناول فيها ما قدمه فرحان بلبل في اطار النقد والبحث المسرحي، مشيرا الى ان بلبل أصدر أربعة كتب نقدية هي: المسرح العربي المعاصر في مواجهة الحياة، المسرح السوري في مئة عام، أصول الالقاء المسرحي والمسرح التجريبي. ورأى المحاضر ان هذه التجربة النقدية جاءت من داخل التجربة التي حرصت دوما على الجماهيرية في العرض المسرحي، كما حرصت على التبشير بالانتصار للعمال ولقضيتهم في العدالة والحرية. وطالما كان المسرح الذي اشتغل عليه فرحان بلبل يؤمن بالجماهيرية وبقضية العمال وانتصارهم، فقد طوّع كل النقد لهذا الأمر، وبذلك فإن هوية المسرح العربي كانت بالنسبة إليه متعذرة لأن الوطن العربي متفكك ومنقسم لتكون الجغرافيا هي الحكم في ذلك، وهي التي تعطي الهوية وسمتها ووجودها، ومن هنا رأى ان المسرح الألماني له هويتان، شرقية وغربية قبل أن يتوحدا ويصبحا بلدا واحدا كما كان فرحان بلبل متطلعا الى المثال المسرحي الذي يعطي للجماهير مسرحا نظيفا ويقدم لها ما يجب ان يحفزها نحو مزيد من العمل والدأب والوصول الى الهدف الأسمى. لقد انعكس ايمانه بالواقعية الاشتراكية على رؤيته المسرحية ليرى ايضا ان كل من يخاف هذه الرؤية هو بعيد عن المسرح الجماهيري، أو لنقل المسرح المنطلق من عمق الجماهير. لقد أقحم فرحان بلبل في ذلك كثيرا من الأفكار والآراء التي ربما لا تستطيع المسرحية ان تحملها، وذلك في عقدي السبعينيات والثمانينيات، حيث كتب ثماني عشرة مسرحية، بينما انكب في عقد التسعينيات على النقد. أما الباحث عبدالفتاح قلعجي فقد درس التراث في مسرح فرحان بلبل ليرى ان الواقع هو القماشة المسرحية التي طرزها فرحان وبذلك فإن شغله على التراث يبدو قليلا بالنسبة لعدد من مسرحياته، فشغله الأساسي كان على الواقع والواقعية الاشتراكية. ولعل حياة فرحان الصعبة في طفولته وشبابه كانت سببا مباشرا في ان يسعى دائماً لتصوير تلك الصعوبات والايمان بأن المستقبل سيكون أكثر جمالا وروعة، ودفعه ذلك الى الأسلوب التحريضي الذي يدعو الى مزيد من العمل من أجل الآتي حيث استفاد من الشكل البريختي في المسرح، وهذا ما يجعل الفكرة الأساسية تنمو نحو ايجاد البطل الإيجابي الذي لابد ان ينتصر تعبيرا عن ارادة الناس في التغيير والانتصار. وحين قدم التراث، قدمه ضمن هذه الرؤية، فمسرحية «الممثلون يتراشقون بالحجارة» تبنى على رؤية فرحان، وهكذا يلعب في الأحداث ويغير فيها، ويشكل الشخصيات التاريخية بأسس جديدة، بحيث لم تحمل من الشخصية الحقيقية سوى الاسم، ليصر على البطل الإيجابي. وربما لأن الأحلام انكسرت وبرز واقع آخر، توقف فرحان بلبل عن الكتابة ليشتغل بالنقد. أما الدكتور رضوان قضماني فقد قدم بحثا بعنوان «الشخصيات العمالية في مسرح فرحان بلبل، حيث ان فرحان اشتغل على المسرح العمالي ليكون هذا المسرح نموذجا في تصوير الواقع وتحولاته ضمن رؤيته للواقعية الاشتراكية التي تؤمن في ان المستقبل لابد ان يكون لصالح الطبقة العاملة والجماهير المسحوقة، وهكذا جعل الجماهير تسعى لتغيير الواقع نحو الهدف الأسمى، وبذلك كانت نظرية الانعكاس المحوري في شغله لتكون نماذج مسرحيته هي نتاج لتلك التصورات التي آمن بها، حيث يتبدى طريق الخلاص، وقد عبرت هذه الشخصيات الايجابية عن رؤية الكاتب. أما الدكتور حمدي موصللي مقرر جمعية المسرح في اتحاد الكتّاب العرب فقد ركز على «مسرح الطفل عند فرحان بلبل»، مبينا أهمية الكلمة التي اشتغل عليها فرحان بلبل في مسرح الطفل والتي تعتبر أحد المؤثرات المهمة في العملية التربوية. وفي اليوم الثالث للندوة قدّم الدكتور جمال الدين الخضور محاضرة بعنوان «فرحان بلبل والمسرح التجريبي» ليعيد ما كتبه فرحان عن التجريب ثم يناقش آراءه، هذا التجريب الذي أصبح للمخرج فيه الكلمة الأولى، بحيث اعتمد اعتمادا كليا على جسد الممثل والتقنية المسرحية العالية ليهدر المخرج اللغة والعرض والنص ايضا. وفي كل ذلك كان فرحان بلبل يعرف التجريب ويبتعد عنه لأنه آمن بالدرجة الأولى بالجمهور. ثم قدم المخرج محمد بري العواني محاضرة بعنوان «فرحان بلبل مخرجاً» درس فيها الرؤية الاخراجية عند فرحان بلبل والتي وردت ارهاصا في كتابه المسرحي «المسرح العربي في مواجهة الحياة» والتي شكلت فرقة المسرح العمالي التي أدارها فرحان قرابة ثمانية وعشرين عاما، حيث كانت هذه الآراء بنت التجربة الاخراجية المنطلقة من النص المسرحي وليس من خارجه. وكان فرحان بلبل يتساءل قائلا: لمن سيتوجه المسرح؟.. حيث دافع عن الجمهور الذي لابد وان يقدم له المسرح مادة معرفية ثقافية، أي ان التفكير الاخراجي سينطلق من التعليمية، وبذلك لابد وان يبتعد هذا الاخراج عن الرمزية والتقنيات المعقدة لتكون البساطة عالمه. ولابد إذن من ايجاد تفاعل بين الصالة والعرض والتي بناها فرحان على ان يرى المتفرج شبهه على المسرح بما يمكن ان نسميه بالطبيعية الواقعية. وهذه السمة ربما تكون من أخطر الوسائل لأنها تتنافر مع طبيعة المسرحية ووظيفتها. دمشق ـ محمد سطام الفهد
صوت وصورة ـ المسرحي السوري فرحان بلبل مكرّماً في مدينته حمص، ندوة نقدية تتناول مبدع المسرح الجماهيري
