تعتبر الحيتان اضخم المخلوقات البحرية بلا منازع، فطول بعض الانواع منها يصل الى عشرات الامتار ويبلغ وزنها عشرات الاطنان، بحيث يخيل للمرء انها غواصات تسير تحت الماء. وعلى مر الزمن، كانت الحيتان موضوعا محببا للقصص والحكايات الحقيقية الممزوجة بالخرافة. وكان الاغريق يطلقون على الحوت اسم «كيتوس» الذي يعني وحش البحر. لكن الاصول التي انحدر منها هذا المخلوق الضخم كانت ولا تزال تشكل لغزا محيرا للعلماء الذين عكفوا على دراسة المستحاثات ومقارنتها بأصناف الحيتان الموجودة حاليا، من اجل الخروج بفكرة واضحة عن تلك الاصول. يقول خبراء التصنيف الحيواني ان اكثر من 80 نوعا حيا من الثدييات تصنف على انها من فصيلة الحيتان. ويمكن تقسيمها الى مجموعتين «مستيسيتس» او حيتان بالين «ذات عظام الفك» تستخدم صفيحة عظمية تشبه المشط تتدلى من سقوف افواهها لتصفي الطعام من مياه البحر. وينتمي الحوت الازرق والحوت ابو الزعنفة والبوهد ومعظم العمالقة الحقيقيين الآخرين الى هذه المجموعة الى جانب انواع اصغر مثل حوت المنكي والحوت القزم. اما المجموعة الثانية فتسمى اودونتوسيستس او الحيتان ذات الاسنان وهي تضم الدولفين الابيض وكركون البحر وحوت العنبر والحوت الربان وحوت ابو منقار بالاضافة الى جميع الدلافين وخنازير البحر. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة هو: كيف كانت تبدو الحيتان الاولى؟ وما الذي ادى لظهورها؟ لم يكن بوسع العلماء على امتداد فترة طويلة سوى التنبؤ لان اقدم المستحاثات التي عرف بها اي شخص حملت المظهر الاساسي للحيتان، وفي غياب الاشكال الوسطية افترض الناس ان كل نوع من الثديات هو الجد الاصلي. واخيرا القت سلسلة من الاكتشافات المتعلقة بالمستحاثات الضوء على الماضي البعيد للحيتان، وبات بامكان علماء المستحاثات على حين فجأة ان يقتفوا آثار اضخم الحيوانات التي ظهرت على الارض خطوة بخطوة عودة الى بداياتها في وقت مبكر من العصر الفجري، الذي يشار اليه في اغلب الاحيان بانه فجر عصر الثدييات، الذي استمر من حوالي 55 الى 34 مليون عام مضت. ان اكبر انواع الحيتان، وهو الحوت الازرق، ربما كان يمتد بطول مئة قدم ويزن حوالي ثلث مليون رطل، وهو بذلك اكبر من القياسات الخاصة بأي ديناصور، لدرجة ان جمجمته لا تستوعبها اي من الغرف التي نعرفها وفي مقابل هذا الحوت الضخم هناك حوت صغير يمكن حمل جمجمته في باطن اليد، وهو من الحيوانات الآكلة للحم يسير على اربعة ارجل لها حوافر وقد انقرض قبل 50 مليون عام تقريبا، وكانت المستحاثة الخاصة بهذا المخلوق الذي سمي باكيسيتوس قد استخرجت من سفوح جبال الهيمالايا من ترسبات تخبرنا محتوياتها الاخرى ان المخلوق عاش مع مخلوقات اليابسة التي ضمت الحيوانات الجرابية واسلافنا الاوائل المتمثلين في الحيوانات الرئيسية التي لا يزيد حجمها على السنجاب.هناك ارتباط وثيق بين بقايا هذا الحوت وبين القنوات النهرية، مما يوحي بحياة كان يقضيها على اليابسة والماء، اما ما جعل العلماء يعتبرونه حوتا، فهذا امر يعود الى ترتيب اسنانه والى وجود ثنيه في احدى عظام الاذن الوسطى ووضعية عظام الاذن داخل الجمجمة فهي امور غائبة عن الثدييات البرية وتعتبر ميزة من مزايا حيتان المرحلة اللاحقة من العصر الفجري. بعد مليون عام على ظهور باكيسيتوس ظهر قريب له على اطراف البحر. وكان هانز ثويسين من الكلية الجامعية للطب في شمال شرق اوهايو قد اكتشف المستحاثة في باكستان في عام 1994 واسماها ابمولوسيتوس ناتانز الذي يعني الحوت السباح والماشي على اقدام كانت له سيقان سميكة واقدام باربعة اصابع وحافر صغير عند نهاية كل اصبع، ومن شكل جسمه، يمكن القول ان هذا الحوت ربما كان من النوع المفترس الذي يربض في الماء بهدوء منتظرا فريسته كي ينقض عليها تماما كما يفعل التمساح اليوم، اما من تبعة من الحيوانات التي تنتمي لنفس الرتبة فقد عبرت عتبه ايضية حرجة في طريقها الى التحول لثدييات بحرية حقيقية. فقد جرت تحولات كثيره على تلك الحيوانات في خضم عملية التطور تلك مثل اختفاء الاطراف الخلفية التدريجي، وقصر الرقبة وتحول الذراعين الى شيء اشبه بدفة المركب، هذا بالاضافة الى التغيرات التي طرأت على الاجهزة السمعية وغيرها. وبعد ان كانت الحيتان حتى قبل 15 عاما فقط تعتبر دليلا على ان الاصناف الاحيائية لا يمكن ان تكون قد تطورت بفعل الانتخاب الطبيعي، باتت الآن تعتبر واحدا من افضل الامثلة على التطور. وعلى الرغم من الاكتشافات التي تم التوصل اليها، مؤخرا، والتي تكشف شيئا من الغموض الذي كان يحيط باصول الحيتان، الا ان مخطط شجرة العائلة الخاصة بالحيتان لا يزال بعيدا عن الاكتمال، ولا يزال يتعين ملء الفراغ الخاص ببعض الفروع بالاضافة الى الحاجة الماسة لاجراء تنقيح للجذور. ضرار عمير