من المجهول إلى بؤرة الاهتمام العالمي المكثف تتوثب «تورا بورا» وتتصدر العناوين الأبرز عبر القنوات الفضائية والصحافة الناطقة بكل اللغات وتحتكر لنفسها مكانة مرموقة في أروقة صنع القرار السياسي وغرف العمليات العسكرية. تورا بورا أصبحت كلمة متداولة جادة جداً وهزراً بلهجات المعمورة المتباينة. أولئك المقاتلون الخارجون عن القانون والعصر من العرب الأفغان فتحوا أمام تلك القرية الأفغانية المنسية بوابة التاريخ وتلك الحمم المدمرة الحارقة التي صبتها القاذفات الأمريكية نفضت الغبار عن تلك المنطقة الجبلية القصية. تورا بورا أشرس معركة عسكرية في أولى حروب القرن الجديد. القصف والتدمير منحا تلك القرية الأفغانية هذا الوسم التاريخي. حتماً التاريخ لا يعيد نفسه لكن ينطوي على العديد من المفارقات المتشابهة. «فردان» الفرنسية احتلت موقعاً متميزاً في التاريخ باعتبارها مسرح أطول وأشرس معركة في أولى حرب القرن الفائت، إذ عمد الألمان إلى صب مليوني طن من القنابل على البلدة الفرنسية يومياً تحت شعار «قصف ثقيل وتدمير شامل» وعلى مدى نحو خمسة أشهر دمرت الحمم الألمانية المباني غير انها لم تحطم معنويات المقاومة الفرنسية بقيادة الجنرال بيتان. كانت حصيلة المعركة الشرسة نحواً من 200 ألف قتيل و300 ألف جريح و30 ألف أسير، ولاتزال فردان مزاراً وطنياً للفرنسيين. لا أحد يعلم بعد عدد المقاتلين الذين تحصنوا في تورا بورا أو عدد الضحايا وحجم الحمم التي صبتها القاذفات الأمريكية على القمم الجبلية. الفرنسيون يذكرون جيداً منطقة مجهولة في فيتنام اسمها «ديان بيان فو» إذ تعرضوا هناك إلى هزيمة ماحقة على أيدي الثوار الفيتناميين بعد معركة استمرت قرابة شهرين أجبرت باريس على قبول تقسيم فيتنام في اتفاق جنيف المعروف في يوليو 1654. في ديان بيان فو بزغ نجم الجنرال جياب بدلاً عن بيتان في فردان. الأمريكيون بدورهم يذكرون تماماً بيرل هاربر وهو ميناء يطل على المحيط الهادي اكتسب شهرة عالمية داخل مكانة حيوية في التاريخ بعد أن باغتت القاذفات اليابانية الأمريكيين واعطبت نصف البوارج الأمريكية المرابطة في القاعدة الأمريكية في جزر الهاواي في ديسمبر 1941 فانزلقت أمريكا إلى اتون ثاني حروب القرن الماضي وارتكبت حماقاتها المعروفة في الارخبيل الياباني. ثمة مدن أوروبية تعرضت لحمم حارقة واستبسلت في الصمود إبان الحرب العالمية الثانية لكنها كانت مدناً داخل دائرة الاهتمام والشهرة. ضباب الغموض الذي يكتنف العالم العربي بأسره أطبق كذلك على العديد من المعارك الفاصلة التي لم تجد سبيلاً الى بؤرة الاهتمام الجمعي العربي فانطبقت عليها ذاكرة التجزئة على حال شئون العرب الأخرى فيذكر المصريون ـ مثلاً ـ مذبحة القلعة التي وقعت في مارس من العام 1811 ويعرف السودانيون وحدهم أهمية «كرري» التي كانت المشهد الأخير في أول دولة سودانية مستقلة موحدة واسدل عنها الستار في تلك المنطقة المنسية عند العام 1898. لكن ضمن اهتمامنا بفلسطين التي أضحت قضية العرب المركزية برزت أسماء مناطق مهملة مثل «كفر قاسم ودير ياسين». وبما ان الحرب اللبنانية كانت الأطول في حروبنا القذرة المعاصرة والتي واكبت عصر التلفزيون فقد أمسى العرب يعرفون أسماء العديد من البلدات والأحياء والقرى اللبنانية. وأذكر عندما هبطت بيروت في مرحلة متأخرة عقب اتفاق الطائف طلبت من الأصدقاء اللبنانيين مشاهدة أسماء كانت بالنسبة لي في منتهى الألفة - بحكم المهنة - وتشكل أطلساً متخيلاً إذ شهدتْ اقتتالاً دامياً بين الأخوة الأعداء في لبنان، من ذلك «كيفون» التي كانت مواقع النزيف المميت بين الميلشيات المسيحية والقوى «الوطنية» الاشتراكية. ثم «دير القمر وإقليم الخروب والدامور» التي شهدت بدورها مذبحة في سباق المواجهات الدامية بين قوات سمير جعجع وقوات جنبلاط. كما بات نهر الكلب اسماً متداولاً بعد المواجهة الخاسرة التي خاضها العماد عون قبيل رحيله عن بيروت. والذين يذكرون الحرب العراقية الايرانية يستعيدون أسماء مجهولة عديدة أبرزها «الفاو» التي كانت الجولة الأخيرة التي أفضت إلى اتفاق اليوم الثامن من الشهر الثامن من العام الثامن والثمانين من القرن الفائت والذي وضع حداً لحرب السنوات الثماني وأعلن الخميني قبول ذلك الاتفاق بقولته الشهيرة «الدواء المر». لم يفلح الملا عمر أو بن لادن أن يستعيدا دور بيتان أو جياب في تورا بورا ولم يستطع أي منهما أن يتجرع دواء مراً على طريقة الخميني وتحولا إلى طريدين في المجهول. ستطل حتماً بقعة مجهولة جديدة بعد تورا بورا لكن ما من أحد يعرف أي المسارح تلك التي ستستدرج القوات الأمريكية في اطار أولى حروب القرن الجديد.