كان الحادث «مضحكاً كالمزاح الثقيل» كما يرويه الميجور جوزيف بلير، المتقاعد في الجيش الامريكي. وكان الكولونيل بابلو بيلمار، احد اشهر مساعدي اوجستوبينوشيه والمتهم بجرائم تعذيب وقتل خلال فترة حكم الديكتاتورية العسكرية التشيلية، بصدره المنتفخ، وببزته العسكرية الكاملة، يلقي محاضرة على امتداد اربع ساعات حول حقوق الانسان. وفي الصفوف الخلفية، كان يجلس كبار الضباط العسكريين من جواتيمالا والسلفادور وهم يكبتون ضحكاتهم وتندراتهم فيما بينهم. يقول بلير عنهم «كانوا اشخاصاً شاركوا لتوهم في مجازر إبادة في امريكا الوسطى. ولم يوجه احد اية اسئلة. واكتفوا بالجلوس والاصغاء لبيلمار وهو يقول: ها هي معاهدة جينيف. وها هي معاهدة لاهاي انها على الشريحة. اقرأوها والآن دعونا ننتقل الى الموضوع التالي. لم يكن احد مهتماً بما يقول. زحف شيء من الهستيريا واليأس الى صوت بلير. فهو منهك. ولقد قضى ست ساعات في وضع قائمة بسلسلة من الانتهاكات التي وقعت في منشأة تدريب عسكرية تعرف من قبل معارضيها باسم «مدرسة السفاحين». ويبدو وكأن المنظر الذي وصفناه للتو وكأنه حدث في زاوية نائية ومجهولة في احدى دول امريكا اللاتينية، حيث لا يتجرأ على الوقوف في وجه رجل يرتدي الزي العسكري. لكن الامر ليس كذلك. لقد وقع في عام 1987 في قلب المؤسسة العسكرية الامريكية. وكانت تلك الحصة الدراسية قد عقدت في مؤسسة اكاديمية تدعى مدرسة الامريكيين الواقعة في فورت بنينج، مقر سلاح المشاة في الجيش الامريكي، في ضواحي كولومبوس بولاية جورجيا. في وقت متأخر من المساء، تحت حرارة الصيف التي اصبحت ثقيلة الوطأة في اقصى الجنوب، يسحب بلير الملف تلو الملف من صندوق كرتوني ضخم بينما يغوص عميقاً في فصل بشع من ماضي بلاده العسكري كان قد اتخذ البنتاجون في الاشهر الاخيرة اجراءات لمحوه. ويعرف بلير ما يتحدث عنه. فقد كان يعمل في احد الايام مدرساً اول للشئون اللوجستية في مركز التدريب الذي يدرس باللغة الاسبانية، والذي اقيم قبل اكثر من 50 عاماً «ويدار على نفقة دافعي الضرائب» بهدف معلن وهو تقديم «التدريب الاحترافي» لجنود من امريكا اللاتينية و«لغرس افكار امريكية عن الديمقراطية فيهم». وبتصفحه لأحد التقارير التي كتب عليها عبارة «كتيبات التعذيب»، يتحدث بلير عن الكيفية التي كان يقدم فيها ارشادات للاستخبارات المضادة، التي شملت افضل الاساليب لتجنيد وضبط العملاء «اعتقال وضرب اقاربهم ان اقتضى الامر» والاغتصاب والابتزاز والسجن الوهمي وكيف يتم اعطاء مصل للحقيقة في الوريد وكيف يمكن «تجييد» اي اعدام الخصوم بالطريقة المثلى. يقول بلير ان الجيش الامريكي لم يغض الطرف فحسب عن منتهكي حقوق الانسان المعروفين ممن كانوا يحضرون ويحاضرون في الاكاديمية، وإنما قام ايضاً بدفع نفقات عضويتهم في نواد خاصة للجولف خلال الفترة التي كانوا يقضونها هناك وزودهم بتذاكر لحضور احداث رياضية كبيرة واخذهم في نزهات الى ديزني لاند. ويمضي في وصف كيف كان الجنود يفدون بانتظام الى الاكاديمية بحقائب مليئة بعشرات الالوف من الدولارات لشراء سيارات جديدة وسلع منزلية راقية لكي تشحن الى بلادهم. ويقول بلير، الذي تقاعد من الجيش في عام 1989 مصحوباً بتأنيب الضمير على ما شاهده في الاكاديمية: «كان من المعروف بوجه عام ان مدرسة الامريكتين هي المكان الافضل الذي يمكن ان يقصده ضابط من امريكا اللاتينية لغسيل امواله من المخدرات». بعد مرور بضعة اشهر على تقاعده، تم اغتيال ستة من القساوسة اليسوعيين ومدبرة منزلهم وابنتها المراهقة على يد الجيش في السلفادور. وعندما تعرف فريق تحقيق من اعضاء الكونجرس الامريكي على 19 عسكرياً من بين العسكريين السلفادوريين الـ 26 الذين اعتبروا مسئولين عن عمليات القتل بأنهم من خريجي مدرسة الامريكتين، شعر بلير بأنه لم يعد قادراً على التزام الصمت. احد الضباط الكبار المسئولين عن التخطيط لعمليات القتل كان الكولونيل فرانشيسكو الينا فوينتس، رئيس فرقة الموت السلفادورية المسماة «الفتيات الوطنيون». كان الينا فوينتس معلماً كبيراً زائراً في مدرسة الامريكتين في عام 1986، وخلال الجزء الاكبر من تلك الفترة كان يشغل المقعد المجاور لبلير. ويقول الميجور المتقاعد: «كان يعامل كشخص ذي سلطة ونفوذ هناك. وقد استمروا في دعوته للعودة سنة بعد اخرى». كان ما جرى كافياً لدفع بلير الى الانضمام الى جماعة متنامية من المحتجين المطالبين باغلاق مدرسة الامريكتين. وبعد ان كشف النقاب عن العلاقة بين اولئك المتورطين بقتل اليسوعيين والمدرسة، طالب المحتجون بأمر يتم رفع السرية عن التفاصيل المتعلقة بجميع اولئك الذين ارتادوا المدرسة. وهذا اخرج الى الضوء قائمة طويلة من ابرز الديكتاتوريين العسكريين الوحشيين ومنتهكي حقوق الانسان في امريكاً اللاتينية خلال العقود الخمسة الماضية مثل مانويل نورييجا وعمر توريجوس من بنما واناستاسيو سوعوزا من نيكاراجوا وليوبولدو جالتيري من الارجنتين والجنرالين هيكتور جراماجو ومانويل انطونيو كاليجاس من جواتيمالا وهو جوبانذار سواريز من بوليفيا وزعيم فرقة الموت السلفادورية روبيوتو دي اوبيسون. والتدقيق المتفحص للقوائم التي رفعت السرية عنها يكشف عن حقيقة ان اكثر من 500 عسكري من تلقوا تدريبهم في الاكاديمية اعتبروا مسئولين من ذلك الحين عن بعض من ابشع الفظائع التي ارتكبت في بلدان المنطقة خلال السنوات التي كانت تعصف بها الحروب الاهلية. من جانبه، يزعم الجيش الامريكي انه لا توجد صلة بين الاكاديمية والسجل المروّع لبعض من خريجيها وترفض اوساط الجيش هؤلاء الخريجين المتوحشين وتصفهم بأنهم «تفاحات فاسدة» ويقولون ان بعضهم لم يحضر سوى دورات قصيرة لم تكن كافية لتحويل «الارانب الى افاع مجلجلة». وفي اواخر العام الماضي، تم اغلاق مدرسة الامريكتين. وبعد ذلك بشهر، تم افتتاح اكاديمية اخرى للتدريب العسكري في المبنى نفسه ولكن تحت اسم مختلف.

