السينما الفرنسية في أغلب الأحيان شبيهة بالمطبخ الفرنسي ـ ثقيلة ومعقدة وغنية ومرهبة جداً. وفي رأي جان ـ بيار جونه انه آن الأوان لتقديم التحلية بعد التخمة. فهذا المخرج الفرنسي قدم على المائدة فيلم «اميلي»، الحلوى السينمائية الاخف من الهواء التي سحرت الجمهور الفرنسي وخاضت مذاقاً لم تشتهر به السينما الفرنسية كثيراً: «الواقعية الحلوة». ويقول جونه، الرجل الذي سبق وان اخرج افلاماً سوداء مثل «مدينة الاطفال المفقودين». فيلم «اميلي» الذي يؤدي بطولته ماثيو كاسوفيتز والنجمة الجديدة شبيهة الظباء اودري تاتو، انه «احياناً يطيب لنا ان ننسى السخرية، واحياناً يطيب لنا ان نحلم». وبعد 11 سبتمبر، ثمة جوع ونهم للطيبة. والتوقيت ممتاز، لسوء الحظ كما يقول جونو. ولقد ادخل الفيلم اكثر من 65 مليون دولار منذ شهر ابريل الماضي، ويتوقع ان يصبح مع حلول نهاية العام اكبر فيلم من حيث المداخيل في بلد المنشأ. وفي بريطانيا سجل الفيلم اكبر دخل في عرض الافتتاح لفيلم باللغة الفرنسية، وحتى كتابة هذه السطور اخذ يطبق على الرقم القياسي لفيلم بلغة اجنبية سجله فيلم «النمر الرابض والتنين الخفي». ويقول جونو الذي لم يكن يحلم أكثر من استعادة تكاليف الفيلم انه لم يكن يتوقع النجاح الذي احرزه الفيلم وانه يجد نفسه الان في وضع غريب. ويضيف: «احياناً اعتقد انني احلم، او ان الفيلم هو «ذي ترومان شو» و«أنا الضحية». ويروي الفيلم قصة «اميلي» النادلة الخجولة المنطوية على النفس التي تعثر على علبة منسية منذ وقت طويل تحتوي على بعض الأغراض التذكارية مخبأة في حفرة في شقتها. وبعد البحث والعثور على صاحب العلبة الذي أصبح في متوسط العمر، تعيدها اليه بشيء من الكتمان. وفي المقهى الذي تعمل فيه تجهد اميلي من أجل جعل الحب يزهر بين الرواد، وتواسي ارملة حزينة، وتقدم الدعم المعنوي والروحي لجارة منطوية، وتقدم وصفاً هامساً للعالم المحيط بها، لرجل أعمى. وهنا يبرز سؤال بديهي: «هل ستعثر هذه الفتاة الجميلة الحب لنفسها». ولعل السؤال المهم الذي يخطر على البال هو: «أيعقل ان يكون هذا فيلم فرنسي»؟. معظم التعليقات التي كتبها نقاد السينما جاءت ايجابية. ويقول جونو ان 450 مقالاً عن الفيلم كانت ايجابية وستة مقالات فقط انتقادية سلبية، و«نحن ساخرون جداً في فرنسا. وبالنسبة للفيلم كان ذلك معجزة». وفي الجانب الاخر من القنال الانجليزي، كتبت صحيفة «صنداي تايمز» اللندنية ان «هذا هو أول فيلم فرنسي يجعلك تشعر بارتياح وهو «فورست جامب» فرنسي، فيما قالت صحيفة «ايفنينج ميل» انه «اذا فوتّ على نفسك مشاهدة الفيلم فإنك ستكلم نفسك من الان حتى نهاية السنة». وطبعاً، لم ينبهر الجميع بالفيلم فقد قالت صحيفة «ذي اندبندنت» ان الفيلم قطعة حلوى سينمائية فخمة بشكل خاص فيما قالت صحيفة «صنداي تلجراف»: انتباه، الاستمتاع بهذا الفيلم يتطلب وضع السخرية جانباً. وكم كان هذا الكلام صحيحاً بعد أحداث 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن. وسرعان ما تحول الاقبال على مشاهدة الفيلم الى تهافت محموم حيث عاد كثيرون الى مشاهدته عدة مرات. ويقول جونو ان الجمهور تأثر الى درجة ان الناس تحولوا الى فاعلي خير، حيث عمد البعض الى قص حشائش فناء دار الجيران دون أن يطلب منهم أحد ذلك، وآخرون بحثوا عن عميان ليصفوا لهم العالم الذي يحيط بهم. وكل ذلك بفضل فيلم رفضه مهرجان كان السينمائي لاعتباره غير ذي مضمون مهم، وفيلم رفضه استوديو امريكي واحد على الأقل. وعن ذلك يقول جونو: «قالوا لي انه فيلم ملفت جدا ولكنه ليس الـ «تايتانيك»، فقلت لهم: انه ليس الـ «تايتانيك» انه «اميلي». والان ندموا على قرارهم. في فرنسا، على صعيد شباك التذاكر، يكاد يكون «تايتانيك». وكان الفيلم قد تجاوز كل التوقعات ـ عندما بلغت المبيعات ثمانية ملايين تذكرة حضور ـ عندما جاءت مأساة 11 سبتمبر لتعطيه زخماً جديداً. فقبل يوم واحد فقط من ذلك التاريخ استقبل الفيلم بالتصفيق في مهرجان تورنتو للأفلام. ويقول جونو ان شعوراً لم يسبق له مثيل استحوذ عليه آنذاك، «وبعد يوم واحد حدث الكابوس». ولكن شركة ميراماكس التي وافقت على توزيع الفيلم قبل يوم واحد من هجوم واشنطن، تعتقد ان واقعية الفيلم سحره وعودته الحنينية الى باريس قد تكون بلسماً للجراح. يقول مارك جيل رئيس شركة ميراماكس ال. ايه، في الاستوديو الذي تملكه ديزني في الساحل الغربي: «أعتقد ان الفيلم يلمس اكثر من مجرد وتر ثقافي لأننا نمر في اوقات عصيبة ونحن بأمس الحاجة الى رفع المعنويات والقدرة على مساعدة بعضنا البعض».