مازال مهرجان لندن السينمائي الدولي متميزا بثراء برامجه وتنوع أفلامه، وقد شهدت دورته الاخيرة ـ وهي الخامسة والاربعون عددا ضخما من الأفلام في اقسامه المختلفة في السينما البريطانية الجديدة «الثورات الفرنسية»، سينما أوروبا، سينما العالم. الفيلم التجريبي «كنوز من الأرشيف» اضافة الى عروض وحفلات خاصة برعاية بعض الهيئات من بينها عمدة لندن، وبعض الصحف. ولم يقتصر الأمر على العروض بل كانت هناك ندوات مع الممثلين: الأمريكيان بيتر فوندا وايد هاريس والممثلة الفرنسية ايزابيل هوبير، وورشة للسيناريو، ولقاءات بين الشباب ودارسي السينما مع كتاب ومخرجين، وندوات لمناقشة السينما السوداء والسينما الاسيوية الشائعة، وأزمة السينما البريطانية اليوم بحضور مخرجين ومنتجين ونقاد، وعروض صباحية للطلاب وتسهيلات للاشتراكات وتخفيضات للشباب كل هذا يتم بمساندة ودعم الرعاة ومنهم راعيان شركة وجريدة، و35 راعيا آخر. ورغم ان مهرجان لندن ليس من المهرجانات الدولية التي يعترف بها اتحاد المنتجين الدولي، وليس هناك أفلام تتنافس على جوائز تمنحها لجنة تحكيم ككل المهرجانات الدولية، فهناك خمسة جوائز تمنح احداها لأول عمل للمخرج، وجائزة النقاد - تقدم للمرة الرابعة - وجائزة باسم المخرج الهندي الكبير الراحل سافيا جيت راي للمرة السادسة، وهي رحلة مجانية الى الهند، مقدمة من شركة الطيران الهندية، وجائزة من المجلس البريطاني لاحسن فيلم طلابي قصير وجائزة لفيلم كلاسيكي قصير. سينما العالم تضمن برنامج «سينما العالم» أربعة وخمسين فيلما طويلا انتجها موزع على قارات العالم وبعضها انتاج مشترك واربعة أفلام قصيرة كلها أفريقية. ولنبدأ بالأفلام الافريقية الأربعة القصيرة: وهي ككل تعبر عن مشاكل افريقية، من تشاد فيلم «رسالة من نيويورك» 2001 - اخراج محمد صالح هارون مخرج أول فيلم روائي طويل في تشاد «باى باى أفريكا»موضوعه رسالة بالفيديو من يوميات للفتاة الافريقية تايا التي وصلت لتوها الى نيويورك، ومن بوركينا فاسو فيلم «نائب السائق»2000 للمخرج تاهيرو أويدراجو عن شاب خريج جامعة لا يجد عملا يعول به زوجته وطفليه، يوظف في النهاية كسائق لموظف حكومي كبير يكلفه الى جانب قيادة سيارته، بكتابة خطبه الرسمية، ويثور عليه بسبب غروره وفساده وقلة الاجر الذي يتلقاه منه ومن اثيوبيا فيلم «الأب»اخراج امباس ولد ملاك 2000 فيلم سياسي حول عودة امرأة شابة من المنفى لتفجع بمصرع أخيها خلال فترة الارهاب الاحمر في السبعينيات تحت حكم الرئيس هايلي مينجيستو، ومن السنغال فيلم «امرأة لسليمان»2000 اخراج ديانا جاي، حول سليمان الذي يعيش وحيدا في باريس منذ ثلاث سنوات يحاول أن يتغلب على وحدته بتخيلات وأكاذيب. من السنغال أيضا فيلم أفرو - فرنسي الفيلم الطويل الأول للمخرج السنغالي الشاب آلان جوميس الذي يناقش هوية الإنسان الافريقي الضائع في الغرب، ـ هنا باريس ـ حيث يقابل الطالب الافريقي واسمه «الهادي» مشاكل الغربة وتعنت الشرطة الفرنسية، وصراعه مع نفسه وانتمائه الافريقي الفيلم تمويل فرنسي وفاز بجائزة الفهد الفضي بمهرجان لوكارنو السينمائي الدولي الاخير «أغسطس 2001»من الجابون فيلم دولي أو النقود 2001م. الفيلم الأول للمخرج ايموجا ايفانجا الفائز بالتأنيث الذهبي لأيام قرطاج السينمائية 2000 عن مشاكل وتطلعات الشباب في العاصمة ليبرفيل ومشاعرهم العدائية نحو المؤسسة وتعبيرهم عن ذواتهم بالموسيقى الصافية، ومحاولة تحقيق أحلامهم في الثورة بسرقة كشك يبيع أوراق اليانصيب التي تعد بالحظ والملايين وقد قام بأداء الادوار شباب من الهواة. السينما الايرانية ممثلة في خمسة أفلام: فيلم «ديلباران» للمخرج أبوالفضل جاليلي لعله اثار الاهتمام بسبب ماكان يدور اثناء المهرجان من أحداث في افغانستان، لان أحداث الفيلم في منطقة الحدود بين ايران وافغانستان، وعلى اصداء طلقات الرصاص، وقد أهداه جاليلي الى كل أطفال الحرب، فالأطفال هم دائما ضحايا الحروب، البطل هنا لاجئ من افغانستان يعمل في مقهى يخدم الشاحنات العابرة، ويتهدد رزقه الذي يعول منه اسرته في افغانستان للضياع عندما تنشئ الدولة طريقا جديدا، بهدف القضاء على المتسللين وتجارة المخدرات، ومع تصوير الحياة العادية تبدو لحظات من المرح ولمسات إنسانية وقد فاز الفيلم بجائزة فضية بمهرجان لوكارنو الدولي الأخير، يجب ان نشير الى أن الفيلم انتاج ياباني وهو مالم يشر اليه كتالوج المهرجان. ويثير الاهتمام فيلم ايراني اخر هو رائحة الكافور وعطر الياسمين «2000» للمخرج باهمان فارمانا «55 سنة» لبعده السياسي، فيلم شبه سيرة ذاتية للمخرج نفسه، الذي سيطرت عليه فكرة غريبة ان يخرج شريط فيديو يصور جنازته - وهو نفسه يقوم بدوره في الحياة، كمخرج حرم من الاخراج في ايران طوال السنوات العشرين الاخيرة، ويشعر بعد وفاة رفاق جيله مثل سهراب شاهيد - ساليس وعلى هتامي أن أيامه الباقية له في الحياة اصبحت معدودة، ولشعوره هذا باليأس يقرر أن يصنع فيلما عن جنازته، يشرع في البحث عن الطقوس الجنازية في ايران الحديثة، ويفكر في الموت الذي لحق بالمثقفين بعد مقتل العديد منهم على يد عناصر متطرفة - هذا البحث من خلال رحلة انفعالية خطيرة يؤدي به الى الموت أو هكذا يبدو. قول المخرج فارمانا عن فيلمه «انه» فيلم مليء بالمرارة، ولكنه لا يخلو من «أمل». فيلم ايراني ثالث ذو منطور سياسي أكثر جرأة - وهو «الاستغناء السري» 2001 الفيلم الثاني لمخرجه باباك بايامي، وهو كما تقول الناقدة الانجليزية ساندرا هيبرون «يبدو مثل المسرح العبثي لصمويل بكيت، ويبدأ الفيلم بشاطئ مهجور يقف عليه جندي، ويسقط من السماء صندوق خشبي كبير، هو صندوق أصوات الناخبين، الذين يبدون على الشاطئ كنقاط هامشية صغيرة - يصل قارب الى الشاطئ يحمل امرأة هي ضابطة شرطة مشرفة على الانتخابات وتنتقل في عربة مسلحة لتجميع الناخبين ويقوم كل هذا بطريقة كوميدية تسخر من المسيرة الديمقراطية عامة، والانتخابات الايرانية خاصة لابد أن نشير الى أن الفيلم تمويل ايطالي! ويطرح الفيلم الايراني الرابع «تحت ضوء القمر» اخراج رضا مير كريمي «2001» اشكالية الايمان والمجتمع من خلال قاع المجتمع الايراني المعاصر الذي لا تقدمه السينما الايرانية الا نادرا يركز الفيلم على الملا المتدرب الشاب «سيد» الذي يدرس في معهد طهران الاسلامي ويذهب الى المدينة وهي زيارة غير اعتيادية لا يسمح بها الا قليل من أجل التسوق، يتعرض «سيد» لسرقة مشترياته عن طريق صبي من أولاد الشوارع، مما يقوده الى التعرف على مجتمع هامشي غريب لأولاد يعيشون تحت كوبري باحدى الضواحي، يتأثر سيد بروح الود الجماعية التي تربطهم وتثيره شخصية لاعب سيرك سابق تدعوه هذه التجربة في مجتمع الهامشيين هؤلاء، الى مراجعة نفسه ومسئوليته كرجل دين في المستقبل نحو مشاكل المجتمع وترى الناقدة الانجليزية سارا لوتون تشابها بين الفيلم واستخدامه كاميرا ساكنة والتعامل مع ممثلين غير محترفين مع أسلوب فيلم «الطريق» لفللينني وأن الفيلم يستدعي تقاربا مع أسلوب «الواقعية الايطالية الجديدة». للمخرجة الايرانية راكشان بني اعتماد يقدم فيلم.. تحت جلد المدينة «2005» الذي يناقش ما يحدث في المجتمع الايراني الحديث من تغيرات، وما يبدو من تناقض بين التقاليد والتحديث الذي يجري سريعا، وصراع بين الأجيال، ومعاناة المرأة في ظل القيود، وقضية العولمة، وذلك من خلال الحياة اليومية، ومشاكل تهريب المخدرات والجريمة المنظمة والعنف في المجتمع ويتساءل الناقد الانجليزي جاريث ايفانز في تعليقه على الفيلم الى من تتوجه الافلام الايرانية اليوم؟ ولماذا تصنع؟ هل للمهرجانات الدولية؟ وماهو دور السينما في مناقشة الحقائق العصرية؟ من الهند تشارك ستة أفلام ـ أحدها انتاج مشترك مع أمريكا - يعود المخرج الهندي جو تام جوش المعروف بأفلامه التسجيلية والروائية الملتزمة - بفيلم «مفاهيم» 2001 وهو عن حياة شاعر كبير من البنجال شاشبوش يؤدي دوره النجم البنجالي سوميترا شاتيرجي ويتذكر وقد فقد بصره من خلال الأحداث والأغاني والفنون التي فقدت أهميتها اليوم، والشأن الأدبي في كلكتا «عاصمة البنجال» بعد الاستقلال. أما الفيلم الهندي - الأمريكي المشترك «مايا»للمخرج الهندي ويحفيلاني سينج فهو عن معاناة وسوء استغلال الأطفال في الريف الهندي. ومن جارة الهند ـ بنجلاديش ـ فيلم واحد هو «شجرة بدون جذور»واخراج تانفير موكامل «2001» يتناول قضية الايمان لدى القرويين ومن خلال وصول الملا مجيد فجأة الى قرية نائية، يشرع في تنظيف مقبرة قديمة واعدادها كضريح يعلن لأهل القرية البسطاء انه أحد الأولياء فيقتنعون بحكايته ويقعون تحت تأثيره، ويقدمون النذور للضريح، ويتلقى الملا أموالهم وأطعمتهم السخية، يتزوج من احدى القرويات ولكن حينما أخذ يتطلع الى نساء القرية الجميلات، تبدأ الأسطورة التي نسجت حوله تتكشف.. تمثل سينما أمريكا اللاتينية مجموعة أفلام، وتقول الناقدة ساندرا هيبرون انه في نفس الوقت الذي تمر فيه الارجنتين بأزمة اقتصادية، فإن مخرجين جدد يؤكدون موهبتهم ويقدمون أفلاما تنافس مستوى أي انتاج عالمي، وكان مهرجان لندن قد عرض في دورته السابقة 2000 فيلم حقق نجاحا كبيرا هو فوكلاند، وفي الدورة الجديدة تعرض ثلاثة أفلام، من بينها «حرية» الفيلم الأول لنموذج لساندرو ألونو 2001 وهو بحث بصري رائع عن الحياة العادية لحطاب أرجنتيني - يمزج بين التسجيلية الانثروبولوجية، والروائية، في تصوير العلاقة بين الطبيعة ـ السماء الزرقاء والغابة الخضراء والشمس الحارقة، والعواصف ـ الخطاب بين طقوس الحياة اليومية في عمل وبين قطع الأشجار والأخشاب، وحملها الى شاحنة وبيعها في السوق. في بيته بعد طعامه يستمع الى الراديو ويسعى الى لقاء فتاة، تثنى الناقدة الأمريكية ديبورا يونج - على انسيابية الفيلم ودعوته للمشاهد لتأمل العلاقة بين طبيعة الزمان والفضاء، وقدرة الانسان على البقاء والاستمتاع بالحرية. فيلم مكسيكي حقق أكبر نجاح جماهيري - لم تشهده السنوات الاخيرة - هو فيلم و«أمك أيضا»2000 اخراج ألفونسو كواردن الذي أشاد النقاد بمهارته ودفئه الإنساني وروحه الكوميدية، وهو عن علاقة وثيقة بين صديقين، رغم ان احدهما ثري من أسرة راقية والاخر من خلفية اجتماعية متواضعة - يقومان بعيدا عن صديقتهما ـ برحلة استكشافية لأوروبا، تساعدهما زوجة اسبانية لأحد أقارب الصديق الثري، ذهب الثلاثة الى أجمل الشواطئ، حيث استمتعوا بالحياة والمغامرة ـ واجتذب الفيلم الجمهور بأداء ممثليه الرائع ومواقعه الساحرة وروحه الكوميدية وثراء انتاجه المشترك «المكسيك - أمريكا. الفيلم العربي الوحيد في هذا البرنامج مغربي.. نساء من المدينة اخراج دليلة ايفاندري 2001 وهو فيلم تسجيلي عن نساء مغربيات يعشن في الحي القديم لمدينة الدار البيضاء يتحدثن عن حقائق حياتهن وأزواجهن وعن الشباب الذي يريد ان يهاجر الى مدن أوروبية بدون ضمان، وعن حقوق المرأة ومسيرتهن الجماعية في يوم المرأة العالمي بمدينة الرباط - هؤلاء النساء أفضت المخرجة شهورا معهن ـ ولكنهن لا يمثلن الا قطاع المثقفات وكفاحهن من أجل الغالبية الفقيرة من النساء. القاهرة ـ فوزي سليمان:
