عندما يسألني صديق عن أعز ما أتذكره من مرحلة عملي كمراسل حربي في جبهة القتال، أذكر أمورا عدة، بالمقاييس المهنية تعد خبطات صحفية، منها كشف سر اغراق واختفاء الغواصة دكار الإسرائيلية أمام السواحل المصرية عام ثمانية وستين، وكان اختفاء الغواصة لغزا يحير العالم، وعندما نشرت التفاصيل أذاعت المحطة البريطانية «بي بي سي» الخبر في صدر نشرتها الاخبارية حينذاك وقرر المرحوم موسى صبري رئيس تحرير جريدة الاخبار صرف مكافأة خاصة قدرها عشرة جنيهات، وكانت مبلغا كبيرا بمقاييس الوقت، ثم وصف عمليات العبور التي كانت تقوم بها القوات الخاصة المصرية، خاصة أول عملية قدر لي شرف مشاهدتها وتمت نهارا وليس ليلابأنها اكبر نصر قواتنا وكان ذلك عام تسعة وستين، وحضور اسقاط طائرات الفانتوم الإسرائيلية أمريكية الصنع جنوب الإسماعيلية عام سبعين ويوافق ذلك الثلاثين من شهر يونيو الذي يتم فيه الاحتفال بعيد الدفاع الجوي المصري، ومعارك حرب أكتوبر عام ثلاثة وسبعين، خاصة استسلام موقع لسان بور توفيق يوم السبت الثالث عشر من أكتوبر، ولقائي بمحمد عبد العاطي الذي كنت أول من التقى به وكتب عنه في الصحف، كان ذلك عندما نشر تقريري من الجبهة في يوم الثامن عشر من نوفمبر عام ثلاثة وسبعين. من هنا كان تأثري العميق عندما طالعني نبأ رحيله عن عالمنا الأسبوع الماضي عن واحد وخمسين عاما اثر صراع طويل مع المرض هاجم كبده، بقدر ما تألمت بقدر ما لمت نفسي لأنني لم أتابع أخباره منذ أن التقيتم لآخر مرة، كان ذلك منذ ثلاث سنوات عندما واجه بعض العقبات الإدارية في سبيل افتتاحه مخبزا، وقام وزير التموين السابق الدكتور أحمد جويلي بحلها. كما أقابل بغتان المنية أعتصم بالسكوت، واستدعاء اللحظات المرتبطة بالراحل، تلك التي لن تعود أبدا، تذكرت زيارته الي في بيتي، كان بنيانه مازال قويا كما رأيته أول مرة، لكنه لم يخبرني عندما التقينا آخر مرة منذ أربع سنوات لكي أخوض معه وعنه ما أطلقت عليه وقتئذ معركة الدقيق والتي سأذكر أمرها كما أوردته في حينه، وكانت أصعب من اقتناص ستة وعشرين دبابة أمريكية وإنجليزية الصنع من أحدث ما أنتجته الترسانة الغربية، وثلاث مجنزرات محملة بالجنود. أدركني أسى، وغمرني غم تشوبه دهشة، فرغم أن الموت أقرب الينا من حبل الوريد، الا أن الإنسان ليحزن والعين لتدمع عند فقد من نعرف ونصل، فما البال إذا كانت المعرفة استثنائية، دلالاتها أبعد. عدت أقلب أوراقي القديمة بحثا عن التحقيق الصحفي الذي نشر في الصفحة الأولى من جريدة الأخبار في أول مرة يذكر فيها اسم عبد العاطي، في أول مرة تخرج تفاصيل هذا الإنجاز المصري الإنساني، العسكري، الإنجاز الذي لا سابقة له في الحروب حيث يقوم فرد مشاة بتدمير ستة وعشرين دبابة، وثلاثة مصفحات، مستخدما صاروخا يوجه بالسلك، اسمه الروسي مالوتكا والمصري الفهد، هذا التحقيق كان لي شرف اعداده بعد أن التقيت به في موقع الطالية جنوب شرق مدينة الإسماعيلية، في صحراء سيناء، كنت بصحبة زميلي المصور الفنان الشجاع مكرم جاد الكريم، وكان الوقت ما بين العصر والغروب، بالتعبير العسكري المصري الذي يمتزج فيه الشعر بالواقع آخر ضوء. عندما عدنا إلى القاهرة،أبدى الصحفي الراحل الكبير موسى صبري اهتماما، وانتظر معنا تصديق أي موافقة الرقابة العسكرية بفروغ الصبر، وعندما حملت السلخ البروفات ممهورة بخاتم الرقابة كان الوقت ليلا والصفحة الأولى قد تم الفراغ منها، لكن موسى صبري المعلم، الصحفي من شعر رأسه إلى أخمص قدميه، أدرك أنه أمام اكتشاف لا مثيل له، ولم تكن أدوات الطباعة متقدمة كما هي الآن، أوقف الطبع، بدل الوضع وغير ما نشيت الأخبار، ليضع إلى يسار الصفحة في تصميم نادر، جريء صورة من صور مكرم الملتقطة في الموقع، وعنوان أقوى من الخيال موقع عبد العاطي ورجاله أكلة الدبابات الإضافة الوحيدة من موسى صبري كانت عبارة أقوى من الخيال، أما العناوين الأخرى فكما وضعتها، وكما وافقت عليها الرقابة العسكرية، هكذا أزيح الستار عن بطولة عبد العاطي صائد الدبابات ورجاله، هكذا أصبح عبد العاطي مع آخرين رموزا لمصر خلال حرب أكتوبر، وعبر تسعة وعشرين عاما انقضت منذ لقائي به، وكان قدري أن أرثي البطل، بدلا من أن يترحم على، هكذا كنت أول من التقى به وكتب عنه، وأزاح عنه الستار، وأول - وربما آخر- من يرثيه، فمن يذكر في أيامنا تلك التي اختلفت رموزها وانقلبت قيمها أمثال عبد العاطي أو الرفاعي أو ممن مازالوا يسعون في الأرض ويجترون الذكريات! من؟! أحد أيام صيف عام سبعين مناورة كبرى للقوات المسلحة قدر لي أن أشهد مراحلها، إحدى التجارب الكبري لحرب أكتوبر، أذكر ذهولي عند وصولي إلى ترعة الخطاطبة، رأيت نموذجا لخط بارليف، أعد بتجهيز متقن، وقال لي الخبراء وقتئذ إن سرعة تيارات المياه في ترعة الخطاطبة مماثلة لسرعة المياه في قناة السويس، في هذه المناورة رأيت لأول مرة صاروخ الفهد المضاد للدبابات عندما التقيت بالمقدم وقتئذ عبد الجابر، ضابط مصري ومقاتل صميم، كان يقود رجاله الذين يحملون الصواريخ فوق ظهورهم، كل منهم يحمل ثلاثة ويعاونه اثنان، أذكر أحدهم عندما أطلق صاروخه نحو الهدف وراح يوجهه نحو الهدف وهو يتلو الفاتحة وأصاب الصاروخ الهدف، المفروض أن يرى المقاتل الهدف الذي يصوب ضده، والهدف هنا دبابة، قلعة مركزة متحركة من الصلب، تطل منها المدافع الرشاشة المضادة للمشاه المتخندقين والمدفع الرئيسي للبرج الذي يطلق القذائف الثقيلة لتدمير الحصون والمواقع، ومدفع مضاد للطائرات، وصواريخ مضادة للدبابات، لذلك قال لي أحد ضباط المدرعات خلال تلك المناورة، ماذا يمكن لصاروخ كهذا أن يفعل في مواجهة دبابة ؟ لم يكن الأمر تعصبا من مقاتل لسلاحه بقدر ما كان تعبيرا عن الموقف بدقة في تلك المرحلة، إلى أن قلب الإنسان المصري الموازين، في السادس من أكتوبر عبرت قواتنا المسلحة إلى الشرق في وثبة عظمى تفجرت فيها روح مصر، في البداية عبرت فرق المشاه بعد ظهر السبت السادس من أكتوبر، وكان على الرجال أن يصمدوا في مواجهة دروع العدو حتى يتم نصب المعابر الخاصة بالدبابات والتي كانت تستغرق وقتا أطول، ومنذ اللحظات الأولى بدأت المواجهة بين الفرد والدبابة، بين الصاروخ والطائرة، هكذا بدأت ملحمة عبد العاطي ورفاقه، وعبر أيام القتال، وفي منطقة الطالية التي شهدت أعنف المعارك ضراوة في قطاع الفرقة السادسة عشرة استطاع عبد العاطي أن يدمر ستة وعشرين دبابة وثلاث مصفحات، استعيد روايته التفاصيل، وذكره لزملائه، وصحبته لنا إذ يقص علينا أمام حطام كل دبابة الظروف التي أدت إلى تدميرها، وترجمة وقراءته الفاتحة على روح الشهداء. خرجت بطولة عبد العاطي وزملائه إلى العالم من خلال الأخبار وأصبح الفلاح الصميم، الحاصل على دبلوم الزراعة أشهر صائد للدبابات في العالم، وكان ما قام به إلى جانب زملائه سببا في تعديل مفاهيم عديدة في الحرب، وخلال السنوات التالية لم تنقطع علاقتي به. أقلب أوراقي، وأصغى إلى صوت عبد العاطي الذي سجلته خلال زيارته إلى في بيتي، واستعيدت معه تفاصيل معاركه، أقرأ ما كتبته عنه ونيران الحرب ماتزال مشتعلة: في الليل تقدموا للتمركز فوق كثيب رمل عال يعد من أقوى المواقع المتحكمة في المنطقة مع أول ضوء هدأت ثلاث دبابات في إتجاه الشرق، يقول عبد العاطي في كلمات بسيطة، تفيض بالتجربة: كلت واحدة وزميلي كل واحد ضرب واحدة ـ تم تدمير الدبابات الثلاث، ومن خلال نيران حرائقهم والإنفجارات المتوالية ظهرت عربة مجنزرة للعدو وتحمل عشرين فردا على الأقل، كانت تتقدم عبر الرمال بسرعة عالية جدا، هنا استعيد صوت عبد العاطي ـ ضربتها صاروخ، ولأن درعها أقل من درع الدبابة الصاروخ خد راحتهفيها قوى، قدامنا لقينا عامود نار عالي جدا في اليوم الثالث للحرب هجم الإسرائيليون بغزارة، ظهرت عشر دبابات من طراز أم 60 المتقدم كان أمام عبد العاطي أربعة صواريخ جاهزة للإطلاق، أطلقها كلها، استقر كل صاروخ في دبابة، بدأت دبابات أخرى تطلق نيرانها بغزارة ضد النقطة التي تمركز فوقها أبطالنا، نظر عبد العاطي حوله، كان مساعده قد أصيب بحروق في يده، بدأ تجهيز المقذوفات بنفسه، أطلقها، بالطبع تم ذلك في سرعة قياسية استغرقت وقتا أقل من وقت قراءة تلك السطور، دمر عبد العاطي دبابتين، وهنا اتجهت الدبابات المتبقية إلى الخلف في فرار واضح، بدا الذعر على حركة الفولاذ لابد أن قائد هذه المجموعة من الدبابات أبلغ قيادته مبررا هروبه وتراجعه بأنه يواجه فرقة مضادة للدبابات تتمركز فوق تلك النقطة، غير أن الحقيقة التي خبرتها بنفسي أن الذي بث ذلك الذعر في مدرعات العدو، وأرغمهم على التراجع لم يكن إلا فلاحا مصريا، من أبناء مدينة منيا القمح، محافظة الشرقية، بأرض مصر، يعاونه أثنان من الرجال. ذلك بعض مما جرى في تلك الأيام من أكتوبر عام ثلاثة وسبعين، تلك الأيام التي قدر لي أن أشهد بعضا من أحداثها، وأن التقي برجال صنعوا تلك الأحداث والتي كان مجرد تخيلها قبل الحرب ضرب من الخيال الجامح، ولكن محمد عبد العاطي وأمثاله جعلوا من الخيال حقيقة، وصنعوا البطولة، حققوها في صمت،ورحلوا في صمت، رحم الله محمد عبد العاطي الذي ستبقى ذكراه كضوء النجوم التي تتألق في دائرة بصرنا ليلا، رغم أن وجودها نفسه انقضى منذ ملايين السنين.