في اكتوبر 1997 عقد مركز الدراسات المتقدمة بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة سنغافورة مؤتمرا بعنوان «سنغافورة نحو وضع متطور» كان الهدف منه رصد تحرك الدولة الى العصر الاقتصادي المقبل الذي تصبح فيه دولة متقدمة. وقد جذب هذا المؤتمر ابحاثاً هامة وقيمة كان بعضها مثيراً للجدل ويمثل السبعة عشر فصلا التي يضمها الكتاب الذي نناقشه هنا طيفاً عريضاً من الموضوعات من التقنية الى السياسة ومن الاحصاء الى الاجتماعيات. وكان الهدف من المؤتمر والكتاب هو تحديد وتقويم ماهية الخطوة المقبلة لتتحول سنغافورة من دولة نامية اكثر تقدماً إلى دولة متقدمة. ويبدأ الكتاب بالاجابة على بعض الاسئلة المهمة التي تدور حولها افكاره الاساسية نوجزها فيما يلي: ـ ماذا يعني مصطلح الدولة المتقدمة؟ ـ الدولة النامية تتميز بميزات عديدة أولها المزايا الاقتصادية مثل القوة الشرائية والثروة والانماط الاستهلاكية التي تعكس التنافس مع الدولة المتقدمة، وكذلك هناك بعض المميزات الاخرى مثل اتباع النهج الديمقراطي ومزيد من الحرية السياسية وحكومة صغيرة واقتصاد يتميز بعدم التدخل الحكومي ومشاركة فاعلة في الحياة الاجتماعية السياسية. ـ ماذا يريد الناس؟ ـ إلى جانب تحقيق مستوى معيشي أفضل ونمط حياة ارقى فإن طموحات وتوقعات الشعب السنغافوري تتعارض احياناً مع السياسات العامة وتؤثر فيها احياناً أخرى وفي بعض المناطق الحساسة مثل الحرية والديمقراطية وتقرير المصير فإن ذلك مرهون بمدى استعداد الحكومة لفتح ابواب حرية التعبير والاستجابة لصوت الجماهير.. وكل ذلك يتطلب ان ترفع الدولة يدها وتقلل سيطرتها. ـ ما هو دور الحكومة؟ ـ ما يريده الناس وما يمكن ان يحصلوا عليه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمفاهيم الحكومة حول ما يجب ان تفعله الدولة. والجدال هو ما إذا كانت الحكومة ترغب في الاستمرار في اقامة دولة صحية، متعلمة، غنية وتضع سمات للمجتمع يتميز بالتماسك الاجتماعي وتقوم بدور حارس البوابة وان تكون وسيطاً تكنولوجياً وان تعرف تماماً معنى الحكم الجيد والديمقراطية البرلمانية. ـ ما الذي يتوقعه الآخرون؟ ـ قد يكون للدول الاخرى في المنطقة توقعات من سنغافورة باعتبارها دولاً متقدمة. وكدولة متقدمة كما نصت عليه مواثيق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ما لم تكن متعارضة مع مواثيق اتحاد دول شرق آسيا فإنه قد تبرز مشكلة الهوية. كما يجب ان يكون لسنغافورة مكانة اقليمية دولية عالية وتكون مواطناً عالمياً مسئولا بمعنى ان تكون لها اهتماماتها البيئية وفي مجال حقوق الملكية الفكرية وان يكون لها مواقف محدده تجاه الصراعات الدولية وتأييدها للتجارة الحرة. دولة متقدمة صغيرة في أول يناير 1996 قامت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بتصنيف سنغافورة كدولة نامية أكثر تقدماً واحد الاسئلة المهملة هو: لماذا لا يمكن تصنيف سنغافورة كدولة متقدمة اليوم على الرغم من ارتفاع اجمالي الناتج المحلي لكل فرد؟ والاجابة هي ان قدرتها التقنية عموماً لا يزال ينقصها العمق والنضج. ومن أجل تطوير القدرات وجذب اعداد كبيرة من المواهب المحلية والاجنبية الى مجال الابحاث والتنمية فإن الدول المتقدمة حديثاً يجب ان يكون لديها جامعات عالمية المستوى وكذلك معاهد ابحاث على المستوى نفسه. والحكومة المسئولة عن تمويل هذه الجامعات والمعاهد يجب ان تضع السياسات الكفيلة بأن تجعلها تستفيد الى الحد الاقصى من الموارد الغالية أو النادرة. وعلى سبيل المثال، فمن الضروري ان تقوم معاهد الابحاث بتوفير الخدمات التدريبية للطلبة من خريجي معاهد الابحاث تحت اشراف اساتذة من الجامعة والمعهد. وتؤكد هذه الدراسة الواردة في الكتاب انه من الضروري بالنسبة لحكومة دولة صغيرة متقدمة حديثاً ان تكون فاعلة في تطوير وتطبيق سياسات واستراتيجيات للتأكيد على أن انشطتها في مجال الابحاث والتطوير تلقى كل الدعم من اجل التنمية الاقتصادية. ومنذ اوائل الخمسينيات ربط علماء الاتصال بين وسائل الاعلام والتنمية. وفي هذا الصدد فإن سنغافورة لاتزال دولة ناشئة من منظور كل من مجتمع المعلومات والتنمية الوطنية لقد استطاعت العولمة وتقنيات وسائل الاتصال الحديثة من اختراق حواجز الزمن والجغرافيا والفروق بين الشركات الضخمة والشركات الصغيرة. وبدأ استخدام مفهوم تقنية المعلومات كوسيلة استراتيجية ومنافسة في جميع الاعمال وتمت اعادة هيكلة كل الصناعات وزادت التحالفات بين الشركات بمختلف انواعها سواء في شكل المشروعات المشتركة أو الشراكة المباشرة. ان تكاليف تقنية المعلومات منخفضة تماما بحيث ان الشركات الصغيرة في الدول النامية يمكن لها ان تكتسب نظاماً عالمية ويكون اداؤها على مستوى اداء ـ ان لم يكن افضل ـ الشركات العالمية الكبرى في الدول المتقدمة. وعلى عكس التقنيات الاخرى التي قد تحتاج الى وقت اطول وجهد اكبر لاستيعابها فإن تقنية المعلومات يكون فورياً خاصة عندما يكون لدى الدول النامية الموارد والرغبة في استيعابها للدخول الى الشبكة العالمية. والاقتصاد المعرفي يتمثل في التحول من المواد الخام والمعدات الرأسمالية الى المعلومات والمعرفة كمدخل للانتاج. وفي عصر المعلومات فإن المورد الحادث الآن فكري اكثر منه طبيعي. ان مجتمع المعلومات سوف يؤدي إلى اقتصاد تكون فيه المعلومات هي جوهر الاحتياجات الاقتصادية للمجتمع، فكلاً من الاقتصاد والمجتمع ينموان ويتطوران حول جوهر الانتاج واستخدام قيم المعلومات. والمعلومات كمنتج اقتصادي سوف تسبق البضائع والطاقة والخدمات من حيث الاهمية. ويتميز مجتمع المعلومات بوجود أجهزة الكمبيوتر والانتاج التعاوني والمشاركة في استخدام مرافق المعلومات كما يتميز هذا المجتمع بانتشار الديمقراطية والتطوعية. وفي السياق نفسه فإن مجتمع المعلومات هو مجتمع يعتمد في تحسين نمط الحياة، والتغيير الاجتماعي والتطور الاقتصادي على المعلومات بصورة اساسية. ويمكن تعريف مستوى تطور مجتمع ما اقتصادياً بالاعتماد على مستوى اجمالي الناتج المحلي لكل فرد ويبدو هذا الطرح صعباً بعض الشيء بسب الصعوبات الاحصائية لكن اذا تم استخدام تقنية المعلومات في تحقيق ميزة المنافسة في الصناعات الناشئة وتشكل عصب النمو فإن مجتمع المعلومات سيكون متقارباً من مجتمع دولة متقدمة. سنغافورة كمجتمع معلومات من اجل التغلب على العقبات الطبيعية وبسبب بعد النظر الذي يتمتع به زعماؤها، تعد سنغافورة من بين اولى الدول في آسيا التي تطبق البنية الاساسية الوطنية للمعلومات عام 1992، وكان الهدف من ذلك هو نشر شبكة وطنية واسعة. ومؤخراً تم تطبيق «سنغافورة 1» (شبكة لكل مواطن) وهي شبكة متعددة الوسائط في جميع انحاء الجزيرة وذلك في نهاية عام 1997 وكان على رأس هذه الشبكة هيئة الاتصالات السنغافورية والمجلس الوطني للكمبيوتر ومجلس العلوم والتكنولوجيا وكان ذلك في يونيو 1996. وبموجب ذلك تقوم 17 شركة تكنولوجيا رائدة ـ كشركاء ـ باستثمار اكثر من 110 مليون دولار لتقديم خدمات انترنت فائقة السرعة والدخول على شكبة الخدمات الحكومية والمعلومات الخاصة بالتعليم والمناهج التعليمية كبداية. ويقدم برنامج «سنغافورة 1» للشركات وسائل الاختبار قبل التوسع في المنطقة وعلى الصعيد الداخلي يمكن الان الدخول الى شبكات المحلات والمكتبات ودور السينما وترتيبات السفر وخدمات التعليم والترفيه وغيرها من الخدمات المختلفة. وتشهد سنغافورة الان مرحلة من التحول الاقتصادي، وقد تجاوزت من زمن مرحلة الانتاج منخفض التكاليف المعتمد على وفرة العمالة، كما تجاوزت المرحلة الاولى من تحريك سلم القيمة المضافة التي تتميز بالعمليات التكنولوجية المتطورة ذات المهارات الرفيعة. ودخلت سنغافورة الان المرحلة الثالثة التي يتم خلالها توليد القيمة المضافة عن طريق الحلول المبتكرة والخلاقة والتي تكون المعرفة والمنافسة هما مفتاحاً النجاح في المنافسة. ذلك هو عالم الاقتصادات المتقدمة الذي تسعى سنغافورة لدخوله ويمكن مقارنة سنغافورة بدولة متقدمة من حيث مستوى الصحة ومتوسط العمر. ففي حين ان متوسط العمر في سنغافورة منخفض عن اليابان، الا انه بلغ 76 عاما في سنة 1995 وهو متوسط العمر نفسه بالنسبة لكل من المانيا وفنلندا، وكان متوسط الوفيات بين الاطفال في سنغافورة عام 1995 من أقل النسب متساوية في ذلك مع اليابان والسويد بل كانت اقل من كل من الولايات المتحدة والمانيا. والاكثر من ذلك ان مؤشرات التعليم والعلوم التقنية تفوق العديد من البلدان المتقدمة. وقد بلغ عدد علماء ومهندسي الابحاث لكل مليون من عدد السكان 2512 عالماً ومهندساً عام 1994 وكان هذا الرقم اقل من النرويج (3434 عام 1993) وفنلندا (3675 عام 1993) والسويد (5677 عام 1992) حتى ان ميزانية الابحاث والتنمية في سنغافورة بلغت 1.1% من اجمالي الناتج المحلي عام 1994 وكان ذلك ادنى من معدلات الدول المذكورة آنفاً. هناك خاصتان اساسيتان في تجربة سنغافورة التنموية هما: حجمها وموقعها. حجم سنغافورة ـ المساحة 650 كيلو متراً مربعاً وعدد سكانها ثلاثة ملايين ـ ترجم الى سوق محلي صغير جداً ومحدود والى موارد بشرية محدودة ( من حيث العدد والمواهب) ومحدودية الارض. وقد استطاعت سنغافورة التغلب على محدودية وصغر السوق المحلي عن طريق تصدير بضائعها وخدماتها حتى اصبح العالم كله سوقاً لها. واصبح التصدير هو الشغل الشاغل والعمل الأهم واللاعب الرئيسي في التنمية الاقتصادية لسنغافورة. وعلى مدى الثلاثين عاماً الأخيرة استطاعت سنغافورة زيادة استصلاح الاراضي بنسبة 11% خلال الفترة من 1965 الى 1995. وفي حين ان سنغافورة حققت نمواً اقتصادياً سريعاً خلال الثلاثين عاماً الاخيرة تمثل في النمو الكبير في مستوى المعيشة الا انها لم تحقق بعد المستوى المهاري والقدرة البحثية والخبرة المتخصصة التي تتميز بها الدول المتقدمة مثل الدانمارك وفنلندا والنرويج والسويد. ومن الضروري دراسة خبرات الدول الاسكندنافية لكي نتعلم كيف استطاعت هذه الدول ان تتغلب على قيد صغر حجم كل منها وانشاء شركات وصناعات عالمية المستوى. وقد حققت سنغافورة معدل نمو سنوياً بلغ 9.2% من اجمالي الناتج المحلي خلال الفترة من 1987 الى 1995 في اعقاب فترة الكساد التي استمرت نحو عامين. وتمر سنغافورة حالياً بفترة من التماسك منذ عامي 97،96 اللذين شهدا نمواً قدرة 7% و7.6% على التوالي. وذكر التقرير السنوي لهيئة النقد في سنغافورة لعام 96/97 ان معدل نمو اجمالي الناتج المحلي متوسط الاجل يبلغ 7% وطبقاً للدراسة التي نشرها المنتدى الاقتصادي العالمي، فقد بلغ نصيب الفرد من اجمالي الناتج المحلي 31.140 دولاراً متخطياً بذلك ولأول مرة نصيب الفرد في كل من الولايات المتحدة والمانيا الذي يبلغ 28.780 دولاراً (لألمانيا) و28.540 دولاراً للولايات المتحدة. وفي دراسة اجريت عام 1997 حول الحرية الاقتصادية في العالم جاءت سنغافورة في المرحلة الثانية من حيث الانشطة الاقتصادية وفي تقرير المنافسة العلمية لعام 1997 جاءت سنغافورة في المرتبة الاولى من حيث الدول المنافسة وكأفضل حكومة وذات أقل نسبة من الجريمة المنظمة. من أهم اسباب النجاح لاي دولة أو مؤسسة وجود نظام احصائي اقتصادي واجتماعي متكامل لمواجهة المتطلبات الاحصائية للاقتصاد النامي المتقدم كما ان تطبيق نظام محاسبي جديد في اطار النظام المحاسبي الدولي يعد أمراً غاية في الاهمية. مدينة عالمية في الاشهر الستة الاخيرة من عام 1997 وقع حدثان مهمان في جنوب شرق آسيا هما السحابة السوداء الناجمة عن حرائق الغابات في اندونيسيا ومشكلة العملة وسوق الاسهم في تايلاند واندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورة. وقد أظهر كلا الحديثين مدى الترابط الذي اصبح عليه العالم. فقد احدثت السحابة السوداء دماراً وفوضى على النطاق البيئي الذي أثّر على نقاء الهواء ليس فقط في اندونيسيا ولكن ايضا في ماليزيا وسنغافورة وبروناي واجزاء من تايلاند والفلبين وقد ادى ذلك الى تقلص السياحة والغاء العديد من الحجوزات من جانب السياح من جميع انحاء العالم الى المنطقة، لكن العملة المحلية وسوق الاسهم جذبت انتباه العالم وخلقت مشاكل للاقتصادات الاقليمية. فقد كانت اسواق المال وانهيار العملات الاقليمية تبدو كأنها اجابة على ظواهر اقتصادية وسياسية اخرى. وفي ظل وجود العولمة والعالم الذي بلا حدود والتوسع السريع لوسائل الاتصال والتقنية الرقمية. واجهت سنغافورة سؤالين هامين: أين موقع سنغافورة كمدينة عالمية حتى تستفيد بمزايا الاتجاهات العالمية؟ والسؤال الثاني: ما هو اثر هذه التغيرات على كون سنغافورة مدينة عالمية؟ الاقتصاد المتنوع لسنغافورة يعتمد كثيراً على الاسواق العالمية سواء في مجال البنوك أو التمويل أو الصناعات ذات التقنية العالية أو خدمات النقل (الشحن البحري والجوي) أو التجارة أو خدمة وسائل الاتصال أو القطاعات السياحية. وهناك حوالي خمسة آلاف شركة انتقالية لها ما يقرب من 2500 سوق اقليمي و850 مصنعاً تصدر منتجاتها للاسواق العالمية. وبالاضافة الى ذلك هناك 22 مصرفا تتعامل مع التمويل الاقليمي والدولي، آخذين في الاعتبار صغر حجم الدولة ـ المدينة (أو الدولة في حجم المدينة الصغيرة) فإن الحكومة منذ عام 1993 قادت القطاع الخاص (المحلي والاجنبي) الى الاقليمية والعالمية. ومنذ أن انتهجت الحكومة مبدأ «الانطلاق إلى العالم» فإن 5200 شركة سنغافورية قد زادت استثماراتها الاجنبية المباشرة من 13.6 مليار دولار سنغافوري في عام 1990 الى 36.9 ملياراً عام 1995 وبالتالي فإن الاستثمارات السنغافورية الضخمة في جنوب شرق آسيا والصين والهند واستراليا ونيوزيلندا تركت آثارها على السوق المحلي. خلال الطفرة الاقتصادية عام 1998 رفع رئيس الوزراء جوشوك تونج اسهم التطوير الحضاري للبلاد الى آفاق عالية وكان رئيس الوزراء يأمل في ان يجعل سنغافورة في القرن الحادي والعشرين «مدينة من الطراز العالمي» وقد اعد لذلك خطة من 4 نقاط: 1 ـ زيادة تطوير البنية الاساسية. 2 ـ جعل المدينة مفعمة بالحياة ليلاً ونهاراً. 3 ـ توفير فرص الحياة الناعمة في المدينة. 4 ـ الاهتمام بالمناظر الطبيعية الخلابة الشاطئية. مفهوم التنمية في الثقافة الغربية غزير واستغرق الباحثون عقوداً طويلة في تحديده وقد ناقش العلماء خلال تلك السنوات اشكالاً عديدة للتنمية تم تقسيمها الى مايلي: ـ التنمية الاجتماعية الاقتصادية. ـ التحديث. ـ التطور السياسي. ـ التنمية الاخلاقية. وهناك ايضاً موضوعات عديدة متعلقة بالتنمية مثل الفنون والآداب والتكنولوجيا. وبالنسبة للعديد من العلماء فإن نقطة البداية للتحليل هي المجتمع «التقليدي» وقليل من الباحثين الان يستخدمون تعبير المجتمع «الاقل تطوراً» أو دولة اقل تطوراً، والبعض منهم يوظفون تعبير «النامي» لكنه ليس دقيقاً. والسمات الاساسية للمجتمع التقليدي بالنسبة للباحثين الغربيين هي: ـ وجود وظائف سياسية متعددة الى جانب اقتصاد متنوع بالاضافة الى وجود خطوط واضحة من التميز قائمة على العرق والدين. ـ وجود هيكل اقتصادي رئيسي يعتمد على التطور التكنولوجي والمجتمعات أيضاً تجتاز عملية التنمية السياسية التي تشتمل على الملامح التالية: ـ ظهور مجموعات ذاتية الادارة واحزاب سياسة تتنافس فيما بينها بحرية لتولي السلطة. ـ تطوير معاهد متخصصة قائمة على أسس تنظيمية وبيروقراطية. ـ انشاء ما يسمى بفصل القوى بين الفروع التشريعية والادارية والقضائية للحكومة. ـ تشكيل وصيانة نظام اداري غير فاسد قائم على اجراءات وقوانين راسخة. ـ تطبيق مبدأ المعاملة المتساوية بين الافراد والمجموعات في المسائل والقضايا الادارية والقضائية. ـ تطوير آلية لإعادة تدوير النخبة تعتمد على شكل من المشاركة الشعبية مثل الانتخابات. ـ اطلاق مباديء الحرية والتعبير والعبادة. ـ تطوير ثقافة سياسية تشجع المشاركة السياسية. ـ وجود آليات للتغير. وتؤكد الكتابات الغربية على اهمية تطوير «مجتمع مدني» كجزء من عملية التغيير ويُعرف المجتمع المدني بأنه المجتمع الذي تكون فيه طبقة من المجموعات والمنظمات التي تدار ذاتياً بمعزل عن سلطة الدولة. المشهد الخارجي بالنسبة لأي شخص خارجي فإن الوضع الحالي في سنغافورة الذي تبدو فيه كدولة متقدمة يبدو شيئاً غريباً فبعد ثلاثة عقود من الاداء الاقتصادي الناجح والانجاز الهائل الذي تحقق خلاله دخل مرتفع لكل فرد، لماذا تنكر الدولة انجازاتها أو تجعلها محل تساؤل؟ الاجابة تجيء بين دفتي هذا الكتاب والذي جاء بعنوان نحو «وضع متقدم» وقد تم اختيار كلمة «وضع» بعناية شديدة. ويمكن النظر الى التنمية كهدف اجتماعي اقتصادي وكبناء اجتماعي اسيء استخدامه من جانب الديمقراطيات الاوروبية وامريكا الشمالية واستراليا ونيوزيلاندا واخيرا جداً اليابان. والسؤال الذي يطرح نفسه ليس ما اذا كانت سنغافورة قد حققت مستوى معينا من الدخل أو هيكلاً اقتصادياً؟ وهذا السؤال محل مناقشة لكنه مباشر نسبياً. ومع الاخذ في الاعتبار صغر حجم سنغافورة وتاريخها الصعب مع كل من اندونيسيا وماليزيا، فلم يكن من قبيل المفاجأة ان تسعى الى تأكيدات خارجية وفي هذا الصدد فإن سنغافورة تشبه تماماً كوريا وتايوان. هذه التأكيدات قدمتها في البداية بريطانيا عن طريق الآلية الرسمية للترتيبات الدفاعية للاحزاب الخمسة لكن انسحاب بريطانيا جعل سنغافورة في مأزق استراتيجي. وكانت الجاذبية تجاه الولايات المتحدة استجابة منطقية وكانت رؤيتها في ذلك ان الولايات المتحدة يمكن ان تلعب دور الضامن لأمن سنغافورة وان تلعب دوراً مهماً في استقرارها في المنطقة في حين ليست في حاجة الى وجود عسكري داخلها حيث ان التواجد العسكري الامريكي موجود بالفعل في كل من الفلبين وتايلاند وفيتنام واخيرا فإن الولايات المتحدة هي الشريك الاقتصادي الطبيعي لسنغافورة خاصة في مجال استراتيجية التصدير التي تنتهجها آخذين في الاعتبار ان اليابان تظل قريبة من تصدير منتجاتها الى الدول النامية. والدليل الواقعي على التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وسنغافورة هو وجهة النظر القائلة أن الاتحاد السوفييتي وحليفه فيتنام قد شكلا تهديداً خطيراً لامن واستقرار جنوب شرق آسيا ولذلك فإن سنغافورة دعمت وجود الولايات المتحدة في فيتنام ولعبت دوراً نشطاً في اعادة تفعيل «الاسيان» في اعقاب هزيمة الولايات المتحدة في فيتنام. كذلك لعبت سنغافورة دوراً دبلوماسياً فاعلاً للغاية في اعقاب الغزو الفيتنامي لكمبوديا. ولم يسهم انهيار الاتحاد السوفييتي في وقف التحالف الاستراتيجي الكبير بين سنغافورة والولايات المتحدة بل على العكس، ساهم في تدعيمها. وكانت سنغافورة في ذلك تقود مفهوماً مؤداه ان نهاية الحرب الباردة تهدد بوجود فراغ قوة في الشرق وجنوب شرق اسيا وان الولايات المتحدة يجب ان تبقى «على اتصال».
كتاب ـ سنغافورة نحو وضع متطور، التصدير مفتاح نجاح التجربة السنغافورية، خطة رباعية لتحويل سنغافورة إلى مدينة من الطراز العالمي ـ تأليف: ليندا لو
