لم يثر مفكر إسلامي في العصر الحديث ما أثاره جمال الدين الأفغاني 1839- 1879، فلقد هيج العالم الإسلامي من تركيا إلى السودان ومن فارس والهند إلى الغرب وكانت أواخره هي الأساس لكل الثورات والانتفاضات رغم أنه لم يترك كتبا. وحالف الجميع وحارب الجميع حتى لا تدري من كان معه ومن كان ضده وعلى سبيل المثال قضى في مصر ثمانية أعوام جلها في حماية الخديوي إسماعيل ورجله مصطفى رياض باشا الذي تولى وزارة الداخلية مرات عديدة والذي رأس الوزارة فيما بعد ومع ذلك كان الأفغاني هو الذي خطط لاغتيال إسماعيل وكان الأفغاني يجلس في مقهي بميدان العتبة الخضراء والتي كانت زرقاء الاسم في يوم من الأيام، ويتجمع حوله المعجبون من رجال الدولة والعلماء والأدباء حتى قيل أنه كان يوزع السعوط بيمناه والثورة بيسراه والسعوط أو النشوق كان منتشرا كالتدخين الآن، واختفى مع ظاهرة التدخين ولا أظنه كان ضارا. ولقد تخيلت أن جمال الدين الأفغاني كان يعيش في أيامنا هذه، وتساءلت هل كان سينكر أفغانيته أم يصمم عليها ربما أيد جمال الدين الملا عمر وأسامة بن لادن فلقد كان ثوريا، ولم يكن ضد استخدام العنف كما بدا من قصة تآمره على الخديوي إسماعيل وربما رأي في أسمه ما يثير السلطات ضده، وجعل الولايات المتحدة تضمه على لائحة الإرهابيين، واسمه لابد أن يوضع قبل بن لادن والملا عمر فهو أكبر قدرا. والشك في أفغانية الأفغاني شك قديم ربما لم يكن يعني أحدا في ذلك الزمان فلقد كانت القومية في طورها الجنيني ومن الغريب أن أول من شكك في أفغانية الأفغاني هو أبو الهدى الصيادي 1849-1909ووجه الغرابة أن الصيادي لم يكن تركيا رغم مكانته الكبيرة في اسطنبول فلقد كان سوري الأصل وكان صورته قريبة الشبه من راسبوتين الراهب الروسي الذي سيطر على العرش الروسي، وأفسد في البلاد حتى هيأها للسقوط. وكان الصيادي من قرية تجاور حماة ولأنه كان ولدا ذكيا فلقد صار شيخا للرفاعية ولما ضاقت به سوريا هاجر إلى الاستانة حيث تقرب من السلطان عبد الحميد الثاني بقصائد المديح ويقال أنه كان سببا في شفاء بعض سيدات القصر، فكان هذا طريقه إلى الترقي بالضبط مثلما كان راسبوتين ووصل إلى أعلى المراتب وهي مشيخة المشايخ وهو أعلى منصب ديني ولابن الهدي الصيادي مؤلفات كثيرة قيل أنه لم يؤلف منها شيئا بل كان ينسب مؤلفات الشبان إليه وظل الصيادي محافظا على مكانته الرفيعة حتى سقط عبد الحميد عن عرشه فنفي إلى جزيرة الأمراء. وكلما مر على اسم ابي الهدى الصيادي حسدته على هذه النهاية الجميلة فجزيرة الأمراء أو الأميرات تبعد عن اسطنبول نحو ساعة بالسفينة وكانت ومازالت بكرا، ومن أجمل الأماكن التي تستطيع الذهاب إليها ولقد ذهبت إليها مرات وهي جزر جبلية خصبة يحافظ عليها الأتراك بمنع تسيير السيارات بها كي يحافظوا على نقاء البيئة والزهور تحيط بك من كل مكان والبحر جميل والجو لطيف وأن كان باردا جدا في الشتاء وكلما سرت على أرض هذه الجزيرة غبطت الصيادي على نهايته الجميلة التي لا تليق بحياته الشيطانية. وكان الصيادي عدوا للعلماء وللثوريين وكان جمال الدين الأفغاني عالما وثوريا وكتب رسالة إلى محمد رشيد رضا صديق الأفغاني وتلميذه ينكر أفغانيته ويتهمه بأنه فارسي وكان ذلك بعد وفاة الأفغاني بزمن طويل. وفي عام 1909 نشرت جريدة المؤيد مقالا يتساءل فيه كاتبه جمال الدين أهو أفغاني أو إيراني وان كان يري أن جمال الدين نشأ في مدينة كابول عاصمة الأفغان، فهو إذن أفغاني وجريدة المؤيد كان يصدرها علي يوسف معارضة لجريدة اللواء التي كان يصدرها الزعيم مصطفي كامل ورغم التاريخ الطويل لعلي يوسف إلا أن شهرته عبر السنوات أتت من قصة زواجه فلقد أحب صفية ابنة السادات نقيب الأشراف وتزوجها دون موافقة أبيها، الذي سارع برفع قضية يطلبه فيها الفصل بين الزوجين لعدم التكافؤ، فالبنت من أسرة عريقة وعلي يوسف بلا أسرة معروفة، فضلا عن أنه يمتهن منهه فقيرة هي الصحافة، فلقد كان هذا رأي البعض في بدايات القرن العشرين وانقسمت البلاد إلى قسمين أو ربما إلى أقسام وكانت من أهم القضايا في القرن العشرين وإنتهت بصحة زواج علي يوسف وصفية السادات. ولكن لم تدم أيام الهناء فسرعان ما دب الخلاف بينهما وإنتهت أكبر قصة حب بأقصر زواج. وقضية الجنسية لم تكن من القضايا الهامة قبل سقوط الدولة العثمانية فكان الرجل يولد في العراق ويرسل إلى الشام فيصبح شاميا، أو إلى الحجاز فيصبح حجازيا، أو إلى مصر فيصبح مصريا. وهكذا حاول البعض يفسر غموض أصل الأفغاني فالبعض قالوا أن والد جمال الدين إيراني وكان ضابطا في الجيش وأرسلته الحكومة إلى بلاد الأفغان في مهمة سرية فطابت له الحياة هناك، وتزوج أفغانية انجب منها جمال الدين ومعنى هذا أن جمال الدين فارسي الأب أفغاني الأصل هذا بمصطلحاته الحديثة أما بمصطلحات عصره فهو أفغاني لأنه عاش في الأفغان حتى لو كان والده كان ضابطا في الجيش الإيراني وإنجبه فلما رحل إلى أفغانستان في مهمته حمل معه ابنه جمال الدين. وقيل أن جمال الدين فارسي قح لكنه لما خرج من إيران ومارس نشاطه الثوري خشى ملاحقة الجواسيس، فأراد أن أن يظهر بمظهر الأفغاني وهكذا كان. ولم يشغل هذا الأمر الدارسين إلا أخيرا، فلم يكن يهم أحدا أصول أي شخص ولو أنك تتبعت معظم الشخصيات الهامة في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين لتعجبت من غرابة الأصول. مثلا أحمد سامي الشاعر كان من جزيرة كريت الأوروبية وظل حتى الثانية وهو لا يعرف العربية وكان أبوه طبيب صحب أسرته إلى مصر وربما يكون قد صحبها قبلا إلى اليمن. والطفل الذي تعلم العربية وهو في الثامنة صار من أهم الشعراء العرب. وهناك قصة أكثر قدما عن محمد شريف الذي صحب أباه التركي في طريقه إلى الحج ومرا بمصر، وكان من تقاليد هذا الزمن أن يسعى المار الهام إلى صاحب الأمر للسلام عليه وذهب أبو محمد شريف إلى محمد علي باشا مصطحبا ابنه وتحدث الوالي مع الصبي ورأي فيه النباهة والذكاء فطلب من أبيه أن يقاضيه من أحد أبناء محمد علي وكان أسمه حسين وتوفي في وقت مبكر وأرسل محمد علي الصبي التركي مع ابنه في بعثة إلى فرنسا. وعاد محمد شريف ليتدرج في وظائف الدولة حتى يصل إلى رئاسة الوزراء ولكن الأطرف هو أنه أصبح المدافع الصلب عن الديمقراطية حتى صار أبا للحركة النيابية ويكاد يجمع المؤرخون على أن محمد شريف باشا هو أهم سياسي في تاريخ مصر المعاصرة. والأمثلة كثيرة على أن قضية الجنسية زمان لم تكن معقدة كما هي الآن وجمال الدين لم يكن يعنيه كثيرا أن يقال عنه أنه فارسي أو أفغاني أو تركي أو عربي ولا أحد كان يشغله هذا لكن هل إذا أتي جمال الدين هذه الأيام كان اسمي نفسه الأفغاني أم بحث عن لقب آخر!