مابك ماكاو... يتساقط دمعك منذ جلوسك على هذه الصخرة العالية خلعت ملابسك الاوروبية المتحضرة مزقتها ورميت بها في البحر المترامي امامك.. وسافرت عيناك معها عبر المياه كأنك تقول لها عودي عبر المحيط.. وبقيت عارياً كميلادك الأول.. ترقبها صغيرة.. صغيرة في المحيط الكبير تمضي تدفعها الرياح حيناً وتختفي خلف الموجات... تبكي عليها تود ان تسترجعها وترتديها مزهواً مختالاً.. ما بك ماكاو... بالأمس اضرمت ناراً اقسمت ان تكون ناراً كبرى وقذفت في لهيبها المجنون اوراقك كل اوراقك الثبوتية وكل شهاداتك التي لخصت ليالي سهدك الطويلة... تحولت الى عدد من الدرجات العالية... ان كل ليلة من ليالي معاناتك ومثابرتك تستحق شهادة لوحدها... كم تصلبت اطرافك وارتجفت اعضاؤك من الصقيع كنت تحس بشرايينك تحمل دماً بارداً بطيئاً لزجاً كئيباً كالطرقات الباردة خارج غرفتك الواهنة... كان يخيل اليك ان دماءك صارت بيضاء بياض الجليد... كنت تعتقد ان انسجتك اختزنت حرارة الضوء اللاهب الهاطل كالمطر الاستوائي غزيراً... سماؤكم تمطر شمساً ولهباً... تحترق الارض ويحترق البشر... دماؤكم سائلة هائجة مندفعة في حيوية عبر شراينكم الغليظة... كل شيء عاصف... الدماء... شجر الغابات... امطاركم تفتح لها ابواب السماء فتندفع كالجيوش العارمة مطر ومطر ومطر... الصبح مطر.. الليل مطر اليوم مطر وأمس مطر... تحرقون وتغسلون هذه لعبة الطبيعة في بلادكم... كل شيء كثيف... الاشياء هكذا... استاذك الابيض قال لك مرة. ـ انها البدائية في كل شيء... قوانين الفوضى تحكمكم.. شمسكم.. امطاركم.. اندفاعكم.. نحن تحكمنا في الطبيعة وطوعناها... دماؤنا باردة.. لذلك تأتي قوانيننا منضبطة معتدلة.. عاقلة لدرجة البرود... امطارنا غير امطاركم.. تلزمكم ملايين السنين لتغيروا شمسكم دماءكم وعيونكم.. كانت عيناك تتعبان وانت تنظر الى اعلى لترمق استاذك بشيء من الحيرة.. وشيء تحسه ولا تدريه.. وترتد عيناك مرة اخرى الى يديك المؤدبتين السوداوين فتحس بالمسكنة... وبالدونية.. تتحسس ذراعك فذاكرتك تتحسس دوماً ذاك السيد حامل الحقنة التي غرزها في جسمك يوم اصابتك بحمى الملاريا قال لك في ازدراء: ـ انتم موبؤون بالأمراض.... تدفق الدواء عبر شرايينك وشفيت... ولكن رغم ذلك احسست بقشعريرة انتفض لها جسدك الصغير... ولكن ذاكرة الشرايين لا تنسى يا ماكاو يوم كنت تقف خلف الشجرة مختبئا من الجد العجوز لتنطلق خلف الرفاق... الجد يصر على اصطحابك للبيت وانت يشدك لعب الصغار... وانت خلف الشجرة وامام عينيك ينطلق جدك بعد ان حاول عبثا العثور عليك... ظللت ترقبه بكل الحب وخطواته الوئيدة تبتعد... وفجأة تعترضه سيارة عسكرية بداخلها جنود بيض... وقف جدك العجوز ومن على البعد رأيت احدهم يترجل من السيارة... يتبادل معه بعض الكلمات... تحدث جدك مع الرجل انت تعلم طيبته وحكمته وحذره من الاحتكاك مع الجنود البيض... قال لك مرة ـ اذا رأيت عربة هؤلاء البيض اترك الطريق فقد يدهسونك غير مبالين... انت ترى جيدا ترجل اخر زمجر ببعض الكلمات ثم انهال على العجوز صفعاً وركلاً... بكيت يا ماكاو وانت خلف الشجرة وارتعشت خوفا، وبعد ان ابتعد راكبو السيارة لملمت شجاعتك وانطلقت صوب الجد الذي تهاوى على الارض... كان ينزف بغزارة... احتويته بيديك الصغيرتين وانتحبت... وعند النهر القريب تحامل على نفسه وغسل جرحه وضمده... قال لك.... ـ لا تخبر احداً... والدك لن يسكت يا بني وسيتعقب هؤلاء... وربما يقتلونه... انا لا اريد ان افقده... سيأتي يوم القصاص يا بني... لم تخبر احداً يا ماكاو... فأنت الاخر تخاف على والدك... انسال الدمع في داخلك وتحجر هناك... وظللت حزيناً تنتحب كلما مررت بتلك الشجرة... حفرت هذه الحادثة في خلاياك نقشاً دقيقاً... وكان الجرح غائراً في عمقك الصغير... انتزعتك طفولتك عنوة من تلك الهموم الكبيرة... الصغيرة وغير الواضحة في رؤاكم البريئة... قالت امك السوداء الجميلة في يوم دافيء ماطر: ـ ماكاو... ان والدك يحب ان تتعلم سيرسلك لتتعلم في بلاد السيد الابيض... والدك مشغول في التخطيط للثورة... يا بني هذا سر يجب ان لا تفشيه... لقد ضقنا ذرعاً بهؤلاء المتعجرفين... نريد ان نخرجهم من بلادنا فنحن اصحابها... والدك يا ماكاو زعيم عظيم... اعذره يا بني انه لا يجد الوقت الكافي ليجلس اليك ويحدثك... ستذهب كما يود وتتعلم... لم ترد عليها.. كنت صغيراً.. كل شيء كان عادياً لم تحس انك مختلف عن الآخرين بالرغم من ان امك تقول ان والدك زعيماً كنت تلعب في الغابة تتسلق الاشجار مع رفاقك.. تلهب جسمك الحمى كثيراً... تنجرف مع ماء المطر الثقيل فيحملك مع الرفاق صوب النهر الكبير فتسبح وتلعب... تتسلق الصخور الرابضة على ارضية البحر الكبير... تحفظها صخرة صخرة... تركضون خلف النمور لا تخافون فلكل رمحه... تصطادون الغزلان... تهجعون في الاكواخ المختبئة بين الشجر الاستوائي الكثيف تنامون لترتاح اجسامكم المحترقة الصغيرة... اهي يا ماكاو... كم بكيت عندما جاء والدك وايقظك من ذلك الحلم الابيض... كنت ترى كل شيء ابيض.... ابيض... كالعالم المسحور حتى انت تحولت الى كتلة بيضاء مضيئة... قال لك والدك ضاحكاً وزنده القوي يلفك فيرتمي رأسك الصغير في صدره القوي الدافيء فتحس انك صغير عبر قامته المديدة وعبر حبه المديد مسح شعرك القوي المغروز كالمسامير في رأسك الصلب.... ـ ايها القرد الصغير... لقد كبرت... انا رجل مشغول يا بني ومسكون بهموم كبيرة اكبر منا جميعاً... هموم الحرية... هموم الوطن... يكبر في داخلنا حلم لتصير هذه الارض لنا... ان نملك شمسنا سماءنا اشجارنا وغاباتنا... ستسافر يا ولدي وعندما تعود لن تجد رجلاً ابيض واحداً... سنحكم بلادنا يا ولدي.... احببت والدك يا ماكاو فأنت ملتصق به تتشبث يداك الصغيرتان بصدره فيحتضنك في قوة فتنسى كل شيء... انها لحظة عاطفة جياشة.. اما الوطن... الحرية... فهذه اشياء لم يستوعبها خيالك الصغير... عند ساعة السفر باركتك الجدة العجوز واحتضنتك امك اختلط دمعكما مالحاً بين شفتيك... اما والدك فقد شد على يديك... احمرت عيناه وتوهجتا ببريق مازلت تذكره.. ـ كن رجلاً.... قال لك وسلمك محفظة مليئة بالأوراق المالية وبعض الأوراق الاخرى وعنوانا يخص صديقا تلجأ اليه عندما تصل لتلك المدينة خلف البحار... هممت ان تسأله عن الثورة... ولكنك تذكرت انه سر.. في زقاق متعرج ربما شهد جحافل ثوار الثورة الفرنسية صحبك الصديق وصعدتما سلماً قديماً قادكما الى غرفة موحشة باردة بها سرير وطاولة يضيئها شعاع مصباح باهت... قال لك الصديق... ـ انها موحشة ولكنها رخيصة... ستتعود عليها... لم تقل شيئاً... لم يكن المرقد مريحاً كذلك حلمك في هذه الليلة... فضاء ابيض كبيراً يمتد بلا نهاية... اشجاراً رمادية... اشباحاً وساحرات... واشرار... خرجت مهرولاً من الحلم الى المدينة.. ركضت عبرت الشارع الضيق وخرجت لفناء واسع... مدينة الحب هذه الجميلة... اتسعت عيناك اصبح جسدك كله عينان تجوسان في رهبة وانبهار... الاكواخ هنا سفن اسمنتية تترامى في الفضاء وانت تحت صغير صغير كحجر اسود... كخرقة ممزقة.. كقطعة باباي خربة ملقاة اسفل الشجرة كنت تنظر للناس حولك في توجس في خوف ممزوج بالانبهار ولكنهم كانوا يتجاوزونك سريعاً كما يتجاوزون حجرا اسود على قارعة الطريق لا تشكل اي قيمة يا ماكاو... في كليتك التقيت انماطا من الاجناس وجدت سمرا وملونين... وبيضا.. سمعت كلمات تدور حول الحرية.. والاستقلال والشعوب المغلوبة على امرها... شباب اكبر منك كنت ترى في عيونهم غضبا وثورة وتمردا وعندما تأوي الى غرفتك الشاحبة كنت تلتهم ما درسته في الكلية وكبرت يا ماكاو وكبر عقلك وبدأت تصرخ وتتوهج عيناك بذاك البريق شاركت في مظاهرات وهتفت لاستقلال الجزائر... قال لك ابوك في رسالة.. ـ لقد اصبحت رجلاً يا ماكاو انت الان ابني الذي افتخر به... حدثك انهم يواصلون النضال... وبعد سنة من تلك الرسالة ارسل لك يهنئك باستقلال بلادك... احتفل معك اصدقاؤك واقمتم حفلاً كبيراً في الكلية.. في تلك الليلة رقصت حتى هلكت قدماك... واندفعت ترقص في جنون... تحولت الالات الموسيقية الهادرة الى طبول.. كنت تسمعها طبولا افريقية عارمة... خاف زملاؤك وتركوك وحدك في الحلقة تغني بلغة مختلفة وترقص رقصاً مختلفاً... لم تكن تحس ما حولك حتى صديقتك البيضاء كانت تنظر اليك بعينين مذعورتين... اوقفوا الموسيقى ولكنك لم توقف الرقص... كانت رقصة افريقية مجنونة خارجة عن كل الايقاعات حولك... ـ بدائية.... قالت لك صديقتك حين التقتك معلقة على رقصك في الحفلة... كنتما صديقين... احببتها.. قالت انها تحبك... عائلتها كانت تنظر اليك باستخفاف رغم ذلك سارت علاقتكما مدى عامين... زرت معها مدناً وشواطيء.. تحدثتما عن التفرقة العنصرية... عن العالم الثالث... كنت تصرخ بها انتم قوم متعجرفون بالرغم من ذلك احببتها، لكنك كرهتها الان يا ماكاو حين لم تناصرك في اندفاعك الراقص... وصفتك بالبدائية.... وارسلتها الى الجحيم... اقترب عام تخرجك.... والتصقت بغرفتك الواهنة والتهمت كتباً كنت حين تحس بالجوع تقبل اكثر على القراءة... نحل جسمك واصبحت شاباً افريقياً فارع الطول... والدك زعيم للثورة الان... اسمه في نشرات الاخبار صورته على صفحات الصحف... قالت لك امك مرة... ـ سيكون زعيماً وطنياً... يحمل بين جوانحه قلباً كبيراً وروحاً اصيلة... الرسائل من والدك تواصلت تحثك على النجاح والعودة... بلادك كانت تعيش فرحة الاستقلال... قومك يحكمون بلادهم... غاباتهم وشمسهم... وابوك اصبح رمزاً ضمن قوات النضال والتحرر ورمزاً مقلقاً يقض مضجع من حكموا ارضك التي غادروها مرغمين... والدك يحثك على العودة... احتضنت اوراقك وبكيت طويلا وانت تصافح عميد كليتك الذي هنأك على نجاحك الباهر قال لك: ـ انت رجل طيب يا ماكاو... قلبك ابيض لا يعرف الحقد... الطبيعة ارادت لكم ان تكون بشرتكم سوداء لكنكم تحملون قلوباً بيضاء شفافة... وفي ليلة وداعك احتفل معك الجميع حتى صاحبتك البيضاء خرجت عن برودها وصافحتك مودعة... كان الوطن جميلاً... سعيداً بحريته... انتقل والدك الى قصر الرئاسة خلفه امك الجميلة تسنده وتؤازره... رفاقك انضم الكثيرون منهم الى الجيش... والدك دوما مشغول في ترتيب امور البلاد حوله الثوار والرفاق... اهي يا ماكاو الرفاق... عندما خرج المستعمرون لم ينسوا ان يتركوا جرثومة صغيرة قاتلة.. دائماً هم متربصون في عدائية... كبرت الجرثومة وفتكت برفاق الامس... جرثومة صغيرة غذوها من البعد دسائس ومؤامرات تفرق بين اخوة الثورة... كان والدك نبيلاً كعادته... بين جنبيه قلب وروح ثورية صافية... بذروا الاطماع في مساعديه ونجحوا... استعملوا كل الخسة والنذالة لاجهاض الثورة والعودة مرة اخرى في اشخاص بعض الخونة... واغتالوا ابوك... ابوك يا ماكاو قيدوه... عذبوه.. وقتلوه.. قتلوا بلادك وقتلوا الثورة ونصب المستعمرون خائناً يحكم بلاداً اشرقت فيها شمس الحياة... لاحقوك ادخلوك السجن وانت لا تدري لماذا... وسمعت هناك ان اهل بلادك اصابهم اليأس... لم يصبروا عليك فنفوك الى بلد افريقي اخر وهناك رأيت ثورة اخرى تجهض... ثورة بعد ثورة واجهاضاً بعد اجهاض ينفذه عملاء... كنت تسمع عن انقلابات هنا وهناك... قادة رهن اشارة سادتهم... عمت فوضى وقنوط... شعوب مغلوبة على امرها وحكام سذج بلهاء.... افريقيا... افريقيا... تهاوى المارد تاه بعد خروجه من القمقم حتى السماء تخلت عنك يا افريقيا... جفاف... مجاعات... اين تلك الايام الجميلة... اين ابوك... نفوك ثم استدعوك ليساوموك على بيع ثورة ابيك... ارادوا اسمك لخداع الشعب... ورفضت... عذبوك مرة اخرى... هربت يا ماكاو.. هربت من سجنك ودخلت غابتك الاولى... اختفيت وسط الادغال... حزيناً.. باكياً.. ملأ روحك بالغضب والكراهية لمن سلبوا بلادك حقها في الحياة... قادة قومك تفتك باجسامهم الجرثومة اللعينة.. احلامك البيضاء النقية تحولت الى كوابيس تطاردك... الرجل الابيض خلفك يهزأ من ضعفك وفقرك وجوعك... انت تقف تنظر الى ماء المحيط عارياً... اسود... تبكي يا ماكاو.. تصرخ افريقيا... افريقيا... وتصرخ معك الغابة... وتدفع المياه ملابسك الاوروبية بعيداً.... بعيداً..... ـ قاصة ومترجمة سودانية مقيمة في الامارات