الجميع مندهشون يتساءلون: كيف استطاع محسن زايد أن يفعلها. ويقدم رواية غير مسبوقة لعميد الرواية العربية نجيب محفوظ لم يجرؤ سيناريست قبله أن يقترب منها لسبب لم يكن بسيطا وهو استحالة تحويلها إلى عمل درامي. ومحسن زايد لم يقتنص فقط إعجاب جماهير الشاشة الصغيرة ولكنه نجح في الاستحواذ على مساحة كبيرة من الخارطة الرمضانية هذا العام بثلاثة مسلسلات هي (حديث الصباح والمساء) و(بنات أفكاري) و(الإذاعي أو فسايد). ومتجاوزا حدود دهشة الجميع بادرنا بالسؤال عن مسلسل حديث الصباح والمساء وعن علاقته برواية نجيب محفوظ فقال لم أصل لفك شيفرة الرواية إلا بعد أربعة شهور قضيتها منعزلا عن الدنيا في قرية سياحية بسقارة، وضعت السرير في منتصف الغرفة، وعلى جدرانها الأربعة رسمت الشجرة التي تجمع الشخصيات ببعضها، كنت أنام وأصحو لا أفكر في شيء إلا فيها، وبعد هذه المرحلة وصلت إلى فكرة الرواية، هي بالضبط ما وصل إليه معي العبقري فؤاد حجاج في أغنية (التتر): مين فينا جاي مرساها مين رايح لحظة ميلاد الفرح كان فيه حبيب رايح. هكذا وجدت الرواية تقول لي اخرج من الواقع وشاهد الحياة في إطارها الفانتازى لتري (الحدوتة) الساحرة هي المسحة الصوفية للموضوع والتي تغلف مرارة العبرة الكامنة في صباح الإنسان ومسائه، وصباح الكون ومسائه: - هذا عن المضمون، فماذا عن الشكل ؟ لقد كتب نجيب محفوظ روايته في 67 جزءا عناوينها هي أسماء الشخصيات مرتبة ترتيبا أبجديا، وهي بهذا الشكل لا تصلح أن تنقل للشاشة، فكيف إذن - اهتديت إلى الشكل الذي ظهر به المسلسل؟ الرواية - كما قلت - لا تصلح بل ومن رابع المستحيلات أن تنقل بشكلها للشاشة، فكان لابد أن أقوم بعمل شكل فني أستطيع أن أسميه بالمعادل الفني، وهذا المعادل كان مفتاح الشيفرة الذي بحثت عنه طوال أربعة شهور وعندما قلت للأستاذ نجيب محفوظ وجدت الحل وحكيته له كان رد فعله ساحرا بالنسبة لي. ـ وكيف كان ساحرا؟ ـ لقد صمت حوالي أربع دقائق مرت كأنها ساعات ثم وجدته يقول الله.. الله.. الله، ولأني أعرف الاستاذ نجيب، فقد عرفت ماذا يقصد. ـ وماذا كان ذلك الحل الذي قلته للأستاذ نجيب؟ ـ قلت له عندي قصة قصيرة اسمها (ما الحكاية؟) في مجموعة قصصية وحيدة هي (حين اجتازت صفية الباب)، بطل القصة يمشى متخبطا وتائها بعد عودته من غياب طويل، ورغم الظلام رأى البيت العتيق متمددا كما هو في ساحة الحارة التي إزدادت ضيقا، فتخفف من أحماله التي صحبته عبر الرحلة ورفع يده إلى مقبض الباب النحاسي وظل يطرق الباب وفي لحظة اليأس ينفتح الباب ليري وجه جده، مشرقا في ثنايا تجاعيد وجهه، بحاجبيه الاشيبين ولحيته البيضاء المسترسلة على صدره العريض، يحمل بيساره مصباحا بدائيا بينما أمسك كتابا ضخما وكان يطالعه حين سمع طرقات الباب، من هنا رسمت شخصية (النقشبندي) الذي دخل ليجلس مع جده الخامس أو السادس ليسأله ماذا حدث ؟ هذا الجد هو الشجرة هو يزيد المصري والكتاب الذي يعطيه للحفيد هو كتاب الشخصيات.. من جاء قبل من ؟ ليست هذه القضية، إنما القضية هي أن أراهم على صفحات كتاب أو في الساحة التي تتجمع فيها كل الشخصيات قبل التترات وداخل الدراما نراهم في حياتهم العادية، وهكذا وجدت حل الشفرة التي أدخل بها للرواية ليراها المشاهد بشكل ممتع كما رأيت الشكل الذي استمتعت به في الكتاب. ـ هناك أيضا ترديد للفانتازيا داخل الدراما لتمثل في الرؤى والاساطير، هل ذلك مقصود؟ ـ نعم، لقد أردت ألا يكون ما قبل (التترات) مجرد كولاج إلى جوار الإطار الواقعي الموجود في الدراما، وكان عندي الرؤى والاحلام والاسطورة والتي من خلالها أصبح هناك جزء من الفانتازيا ساريا داخل العمل. ـ لكن البعض رأى في المسلسل تكديسا للغيبيات وإعطائها دورا لم يكن بهذا الحجم في الرواية.. بل رأوا أنه ليس أيضا بنفس الحجم في الواقع. فما تعليقك؟ ـ أنا لم أبتدع شيئا، لأن حياتنا الفعلية بهذا الشكل، فنحن مثلا تفكيرنا علمي، ورغم ذلك نقرأ حظك اليوم، رغم أننا نعلم كيف يكتب، لكننا نحتاج لقدر من التفاؤل مهما كانت رؤيتنا علمية للأشياء. ـ هناك بعض المواقف بدت غير مبررة في المسلسل، وبعض الإشارات غير الواضحة للفترة التاريخية التي تدور فيها الأحداث، أضف إلى ذلك أخطاء المكياج والديكور والملابس. فكيف تبرر ذلك؟ ـ أنا لن أبرر ولكن أريد أن أوضح شيئا بسيطا، وهو أن هناك مشاهد كثيرة لم يتم تصويرها، فاسألوا المخرج عنها، اسألوه عن المشاهد التي حذفها والخاصة بتولي محمد علي حكم مصر وعزل خورشيد، واسألوا عن عدم تصويره لجزء من الأحداث التي أسقطت. وأعتقد أن ذلك كان من شأنه أن يحدث ربكة، ولكن ماذا أفعل وهناك مايسترو يفترض أنه المخرج، وأنا لا أستطيع أن آخذ منه العصا وأعطي التعليمات، أرجوك أغلقي الحديث في هذا الموضوع لأنني حزين مما حدث لمسلسل تعبت في كل حرف فيه! ـ سنغلق هذا الموضوع نهائيا، ونأتي لمسلسل (بنات أفكاري)الذي نال قدرا كبيرا من الهجوم؟! ـ للأسف الشديد لم أر إلى الآن من يناقش فكرة المسلسل ولا مضمونه، بل معظم من كتبوا لم يلفت نظرهم سوى علاقة محمود مرسى بالهام شاهين، وحتى لم يقولوا علاقة ريري ببهجت أبو الأفضال. ـ طرحت أشياء كثيرة في هذا المسلسل من خلال علاقة ريري وبهجت التي اتضحت في الجزء الثاني من حلقات المسلسل، فعرفنا أنها تحبه لافتقادها شخصا يهتم بها دون أن تربطه بها مصلحة، وهو يريد أن يسترد بها جزءا مما فقده بعد أن فقد كل شيء حتى نفسه.. أليس كذلك؟ ـ نعم، إن بهجت أبوالافضال مثال لكل الكتاب الذين باعوا أنفسهم ومواقفهم من أجل الحصول على شئ واحد هو المال، فتركوا وطنهم ليكتبوا أي شيء وعن أي شيء، وبعد أن أحسوا بأن عمرهم ضاع منهم عادوا، ليكتشفوا أنهم لا يعرفون شيئا عن وطنهم، وأنه لا يكفي أن يتابعوا ما تنشره الصحف وما تبثه الفضائيات ليتعرفوا على ما طرأ على المجتمع المصري من تغيرات، لقد اكتشفت بعد معايشتي لهذه النماذج من بعد حرب الخليج وحتى كتابه قبل كتابتي للمسلسل عام 1996 أن هؤلاء يعودون ليبحثوا عن أنفسهم ويعتقدون أن بإمكانهم تعويض ما فاتهم وأنهم يستطيعون أن يعيدوا ما خسروا، وللأسف هؤلاء يفقدون كل شيء، وتكون النتيجة التفكك الأسري الذي رأيناه، وتحول كل العلاقات إلى معادلات رياضية وحسابات في البنوك. القاهرة ـ نيرة صلاح الدين:
