كانت سهرة ممتعة مع التلفزيون، ومع فيلم أمريكي قديم ولكنه ممتع في احدى امسيات الاسبوع الماضي. وبداية.. لم أكن اعلم ان «البرامج التعليمية» تمتد احيانا الى ما بعد منتصف الليل، ولكن عرض هذا الفيلم في ذلك الوقت المتأخر اقنعني بأمرين، الأول انه ليس هناك وقت محدد لـ «العلام».. والثاني ان عرض ذلك الفيلم التعليمي في مثل هذا الوقت يعني ان المقصود بهذه «الحصة» التعليمية ليس الصغار.. بل الكبار الذين قد تكون قد فاتتهم فرص التعليم.. والتاريخي منه بالذات..! كان اسم الفيلم التحفة هو «وجه أمريكا القبيح»، وكان هذا الاسم في حد ذاته كافيا لاغرائي ولاغراء من هم في مثل سذاجتي العلمية بالانصراف عن كل ما يشغلنا والتفرغ لمتابعة الفيلم الذي يبدو من عنوانه ان يتبنى وجهة نظرنا في العزيزة أمريكا، والذي يؤكد انها «والفيلم من انتاجها» قد بدأت تدرك حقيقة شكل وجهها الذي طالما حاول العالم اقناعها به، ولكن.. شيئا فشيئا تتوالى المشاهد، وتتابع فصول الدرس الذي يصل بنا في دقائقه الاخيرة الى حقيقة مؤكدة هي ان وجه امريكا اجمل الف مرة من وجه ملكة جمال العالم، وان «القبيح» الحقيقي هو انا وانت وكل الرافضين بغباء للوجود الامريكي في بلادنا.. وللهيمنة الامريكية على مقدراتنا، وان علينا بالتالي ان نعيد تقييم مواقفنا المتخلفة، وان نحاول تجميل وجوهنا القبيحة استعدادا للقاء جميلة الجميلات.. امريكا..! وهكذا جلست اتابع بانبهار شديد نبل وسمو المقاصد الامريكية في دولة «ساراخان» التايلاندية التي تقع احداث الفيلم على اراضيها، لندرك حرص امريكا الاكيد على مصالح الشعب والثوار الذين صور لهم تخلفهم الفكري والعقلاني ان هناك تناقضا بين مطالبهم الوطنية المشروعة وبين الوجود الامريكي المسلح في بلادهم، هذا الغباء الذي يلاحظ كل مشاهد للفيلم انهم دفعوا ثمنا غاليا بعد ذلك! ويمضي الفيلم ليزداد اعجابنا بالسفير الامريكي الفاتن «مارلون براندو» الذي قاد معركة تبييض وجه امريكا بنجاح تام بعد ان اقنعنا الفيلم بأن أهل البلد أغبياء.. يرفضون الدعم الامريكي.. وينقادون بلا وعي لما يسمى بالاستقلال ورفض التبعية والاحتلال، مؤكدا ان من يرفض نعمة الوجود الامريكي يدخل في قائمة الرعاع، ويصنف كواحد من الارهابيين الذين لا يقدرون تضحيات امريكا التي تضحي بابنائها وبأساطيلها دفاعا عنهم.. وعن ارضهم «أو ارضها.. ما تفرقش»! ويمضي الوقت ولم ينته الدرس بعد، فالفيلم يرسم لنا صورة مثالية للحكومات «الوطنية» كما تراها امريكا، فحكومة النظام الحاكم في دولة «ساراخان» متمسكة باستدعاء الاسطول الامريكي و«توابعه» للدفاع عن منجزاتها» من الثوار المشاغبين الذين لا تعجبهم هذه المنجزات وفي اطار هذا الاحساس الوطني من قبل النظام استمتعنا ـ نحن مشاهدي الفيلم ـ بالخطبة العصماء التي رحب فيها رئيس وزراء النظام بالوجود الامريكي محذرا امريكا من التقاعس عن حماية النظم الصديقة، وحماية الثوار من غبائهم..، ورأينا في الفيلم كيف يتمنع السفير الأمريكي..وكيف يتوسل رئيس وزراء «ساراخان» مكررا طلبه باسم الشعب بالا تقف امريكا وجيوشها واساطيلها مكتوفة اليدين، حتى اضطر السفير تحت ضغط توسلات والحاح السيد رئيس الوزراء الى قبول الدعوة الرسمية بالتدخل لوقف غزو ابناء البلاد لبلادهم!! وتأتي نهاية الفيلم «او الدرس» ليتأكد للثوار المتشككين في سلامة النوايا الامريكية خطأهم، ويتأكد لهم خبث كل النوايا غير الامريكية، فيطلبون العفو والسماح.. من سيد الملاح «السفير الامريكي طبعا»..! ـ حصة معلومات دسمة قدمها لنا الفيلم الثقافي الامريكي مجانا، تأتي في وقتها ـ كما هي في كل وقت لتصحح معلوماتنا المتخلفة او المضللة، ولتنير بصيرتنا ببراءة الدور الامريكي المفترى عليه، ولتوجه اي ثوار.. وكل الثوار والمعارضين الى ان سندهم الاكبر وعونهم الاوحد لقلب «أو عدل» نظم الحكم الفاسدة هو امريكا.. التي يقال عنها ظلما انها «شيكا بيكا»، لتحذرهم وتحذر الجميع من «الخونة» الذين ينادون بغير ذلك، ولتقنعنا ـ ان لم نكن قد اقتنعنا بعد ـ بالدور الامريكي في الحماية التي هي «طبعا» لوجه الله، وكله ـ كما يقولون ـ بثوابه..! ـ كلمة اخيرة لابد منها، وهي تحية اوجهها الى كل موظف من موظفي الـ «سي اي ايه» شارك في كتابة وتمثيل واخراج الفيلم المذكور، منافسا بعباطته الفريدة والساذجة مخرجي الروائع عندنا جهدا فنيا شديدا ومضنيا في محاولة اقناعنا بنبل مخططات العالمة «بمبة كشر»، وبالدور الوطني للراقصة «زوزو المعجبانية»، وبالدور النضالي لرواد الكاباريهات..! ثم تحية اخيرة ايضا الى العبيط الذي باع لنا هذا الفيلم على انه فيلم دراما، بينما نكتشف من مشاهده الاولى انه فيلم كوميدي هابط من الدرجة العاشرة، وتحية مماثلة للذي اشترى لنا الفيلم مكتفيا بمشاهدة اسمه دون الحاجة الى مشاهدة احداثه، اللهم الا اذا كان هو الآخر من تجار ومروجي «الصنف الامريكي» أو على الاقل من مدمنيه.. ومن «ساراخان» في الفيلم.. الى «افغانستان» في الواقع.. يا قلب لا تحزن..!!