ستقام نهائيات كأس العالم في كرة القدم في كوريا الجنوبية واليابان بين 31 مايو و30 يونيو 2002. وبالنسبة لأولئك الذين يحبون الاسفار بقدر ما يحبون لعبة كرة القدم ليس هناك ما يضاهي الفرصة التي ستتاح لهم للاستمتاع بالهوايتين معاً. ففي كوريا الجنوبية بالإمكان الاستمتاع بأجواء السكون والهدوء في حديقة سيئول السرية قبل التوجه للانخراط في ضجيج المباراة الافتتاحية. وفي يوكوهاما باليابان بوسعك ان تقوم برحلة ليوم واحد الى بركان فوجي العظيم قبل النزول من الجبل لحضور المباراة النهائية لكأس العالم في الاستاد الدولي. وهذه هي أول مرة تقام فيها المباريات النهائية ـ من أصل 64 مباراة ـ في آسيا، والمرة الأولى التي يستضيفها بلدان في آن واحد. ولكن أينما أقيمت مباريات كرة القدم، وهي أعظم رياضة في العالم، فإن الاثارة تكون هناك. في العام 1986 كنا عائدين من ستاد أزتيك الى مدينة مكسيكو ليلاً عندما وجدنا أنفسنا وسط جمهور هائج يلوّح بالأعلام المكسيكية ذات الألوان الأخضر، الأبيض والأحمر. وأخد الجمهور يهز السيارة الى الأمام وإلى الوراء والبعض يصيح في حالة شبيهة بالهذيان «ماك ـ سي ـ كو». وكانت تلك لحظة مخيفة إذ كان الفريق البلجيكي قد غلب فريق البلد المضيف فأخذ الجمهور الساخط ينفس عن ثورانه في الشوارع. وعندما كادت السيارة تنقلب أخذ أحد رفاق الرحلة يردد من داخل السيارة: «مكسيكو، مكسيكو»، فانضممنا الى الكورس، فابتسم الجمهور في الخارج وسرعان ما تخلى عن مضايقتنا. هذا ما يحدث عندما يعيش ويتنفس شعب بأكمله كرة القدم، الرياضة الأكثر شعبية في العالم. فهذه اللعبة تستحوذ على أحاسيس العالم برمته لمدة شهر كامل مرة كل أربع سنوات. وقد لا تكون اللحظات الأكثر تعلقاً بالذاكرة في مباريات كأس العالم الأكثر مرحاً ومتعة. ففي ايطاليا في العام 1990 حبس نجم كرة القدم العظيم دييجو مارادونا أنفاس مدينة نابولي. فقد كان هذا اللاعب الارجنتيني نجم فريق المدينة فوق العادة لمدة ست سنوات بعد ان وضعها على خريطة كرة القدم العالمية بجلبه إليها كأسين من كؤوس العالم وكأس ويفا. ولكنه هذه المرة كان معشوق النابوليين قد عاد الى استاد سان باولو مرتدياً القميص الأرجنتيني الأزرق المقلم بالأبيض ويحاول إبقاء ايطاليا خارج المباريات النهائية. وكان اسم مارادونا يضج في الشوارع الضيقة للمدينة. وفي مباراة التأهيل النهائي حاول مارادونا استغلال خلافات الشمال والجنوب في ايطاليا وناشد النابوليين مساندته بدلاً من مساندة فريقهم الوطني. ولكن حب الوطن كان أقوى من حب الايطاليين لمارادونا. رجل عجوز قال وهو جالس في أحد مقاهي نابولي: «مارادونا في عقولنا»، ثم وضع راحتيه الى صدره وأضاف: «ولكن ايطاليا قاطنة في قلوبنا». وحتى بدون تأييد محبيه من نابولي ثابر مارادونا على اللعب وعلى إبقاء المباراة بدون أهداف قبل أن يسجل هدفه بضربة جزاء محطماً بذلك أمل الفريق الايطالي بالفوز بالكأس. وفيما كانت المكسيك وايطاليا مهووستين بكرة القدم في مباريات 1994، كانت أمريكا مبهورة بفوز فريق نيويورك رينجرز للهوكي بكأس ستانلي لأول مرة منذ 54 سنة، أو فوز هيوستن روكيتس بكأس كرة السلة ـ دون الالتفات الى مهارات اللاعب البرازيلي روماريو أو أكثر بضربة الجزاء الخاطئة من جزمة روبرتو باجيو التي خسرت بها ايطاليا كأس العالم. ونادراً ما كانت الاثارة تطفح وتفيض لتغرق الشوارع والمدن والحانات ولكن ذلك تغير بعد أربع سنوات عندما أصبحت فرنسا أول بلد مضيف يفوز بكأس العالم منذ فوز الارجنتين كبلد مضيف في العام 1978، وتخلت باريس عن عروض أزياء الهوت كوتو لكي تحتفل بـ «ذوي القمصان الزرقاء». وبهذا الفوز تحوّلت فرنسا الى أمة من 60 مليون نسمة وقعوا في عشق فريق عكس التعددية الاثنية المؤلفة من الباسك والبريتون والفرنسيين الذين تعود جذورهم الى الارجنتين وأرمينيا ومنطقة الكاريبي امتداداً الى بلدان الباسيفيك البعيدة. وفي البلد الذي يعاني كثيراً من المشاكل العصرية أصبح زين الدين زيدان الجزائري الأصل رمزاً لفرنسا بتقبيله القميص الأزرق ـ قميص المنتخب الوطني الفرنسي ـ بعد تسجيله هدفين من أصل ثلاثة أهداف انتزعت الكأس من الفريق البرازيلي مقابل لا شيء. وبعد المباراة انفجر البلد بشكل احتفالات كانت الأكبر من نوعها منذ التحرير ـ من النازيين ـ عندما نزل المواطنون، من جادة الشانزيليزيه الى القرى الحجرية في مقاطعة البروفناس وهم يلوّحون بالاعلام الفرنسية ويطلقون عنان زمامير سياراتهم. وإذا كان من المتوقع ان يختفي مثل هذا النوع الصخب في كوريا الجنوبية واليابان، فإن البلدين بوسعهما ان يقدما اجواء الهدوء للمعابد البوذية في كوريا ومعابد طائفة الزن في اليابان، والقرى الخشبية في الأرياف وحقول الأرز المزروعة في أنماط منحنية أنيقة محاذية لتخوم الجبال الوعرة والغابات الكثيفة. وسيزداد الطقس حرارة ورطوبة مع احتمال سقوط بعض الأمطار الموسمية. وستقدم كوريا مشاهد الفوضى المدينية المتمثلة بغابات من الأبنية المتشابهة المؤلفة من 15 إلى 20 طابقا والآخذة بالزحف نحو المناطق الريفية. ولكن هناك ما يكفي من المعالم الثقافية ليستمتع بها الزائر. ولعل ما يفوق الحديقة السحرية روعة هو «قصر تشانجيدبوك» الذي يشكل واحة من الهدوء والحدائق الأنيقة وسط مجمع أبنية القصر. وهذه مليئة بقصص الأباطرة والتنانين وعلى مرمى حجر من صخب المدينة الذي لا يتوقف. وقد تبدو مدينة سوونج التي ستقام فيها مباريات كأس العالم امتداداً لأبنية الشقق السكنية في سيئول على بعد 30 ميلاً، إلا أن هذا الانطباع الأولي ينقشع عندما يصل الزوار الى حصن هواسيونج. فثمة سور طوله حوالي ستة كليومترات يطوق عشرات من أبراج المراقبة ومواقع الرصد والحراسة التي قد تحبس أنفاس الزوار الذين يستطيعون ركوب سيارة أجرة للوصول الى الاستاد الذي ستقام فيه المباريات خلال دقائق قليلة. وفي اليابان سيكون بوسع «سياح كأس العالم» في ست مدن ستقام فيها المباريات زيارة معابد كيوتو القديمة برحلة تستغرق يوما واحدا بالقطار الذي يشبه الرصاصة وينطلق بسرعتها. أما مدينة يوكوهاما فهي مترامية الأطراف تتوزع ناطحات السحاب في أرجائها، إلا انها تضم أكبر «مدينة صينية» (تشاينا تاون) تمتلئ ازقتها الضيقة برائحة اطباق «ديم صم» أو البط التي تجتذب السياح الذين سئموا من تناول السوشي (السمك النيئ) والتيمبورا اليابانية. وقد يكون حاجز اللغة مشكلة للزوار في كوريا، ولكن بمقدار أقل في اليابان. والذين يحبون الطراز الهندسي للاستادات سيحصلون على ما يبتغون ولكنهم أصبحوا متخمين أصلاً بهندسة ملعب «استاد دو فرانس» قبل أربع سنوات. وفي دايجو يقبع أكبر ملاعب كأس العالم في كوريا على سفح تلة خضرآء تشكل خلفية مذهلة للاستاد المبني من الخرسانة والحديد ويشبه منشآت روايات الخيال العلمي ويستطيع استقبال 66 ألف شخص. وفي أولسان تطوق جنائن الزهور الملعب المريح من كل جوانبه. وبالمقارنة، يبدو الاستاد الدولي الذي بني في يوكوهاما في العام 1997 شبه قديم، إلا أنه لا يزال مهيباً بقدرته على استيعاب 72.350 ألف متفرج لتقام عليه المباراة النهائية لكأس العالم في 30 يونيو المقبل.