في عام 1986، كانت مسابقة انتخاب ملكة جمال العالم تعتبر حدثا ثقافيا كبيرا في بريطانيا وكانت تشغل البلد بأسره على ان يحصل في حفلات الزفاف الملكي وبدء موسم نهائيات كأس العام لكرة القدم، وكانت الصحف تكتسي بصور الحسناوات والنوادي والمكاتب تكاد لا تخلو من الثرثرة حول هوية الحسناء المرشحة للفوز وفي الليلة المشهودة كانت المقاهي تغلق ابوابها والشوارع تخلو من السيارات والمارة، فيما كان نصف الشعب البريطاني متجمعين حول شاشات التلفزيون لاختيار فتياتهم المفضلات والخوض في جدل حول من ستكون الفائزة بالمسابقة. كان الامر اشبه بنسخة بشرية لمسابقة فروسية، يتعين على الفتيات الجميلات فيها تخطي حواجز مادية وذهنية ايضا، كان عليهن ان يتمايلن على خشبة صالة «البرت هول» الملكية بملابس سباحة نابضة بالحيوية والالوان واحذية بيضاء عالية الكعب، كان عليهن رسم تعابير مشرقة على وجوههن، فيما هن يمشين بتباه بأزيائهن الوطنية واثواب السهرة الانيقة. الاصعب من هذا كله انهن كن مضطرات لتحمل اسلوب مايكل اسبل الخيالي في طرح الاسئلة على غرار: ماذا تناولت على الافطار؟ وكلمات الغزل المحرجة التي كان يمررها في سياق حديثه بشكل لاذع. لقد أحب الناس مسابقة انتخاب ملكة جمال العالم، بدموعها وتيجانها واحصائياتها الحيوية وجو التشويق المثير الذي كان يرافق اعلان أريك مورلي النتائج بالطريقة التالية «كالعادة، سأعلن النتائج بترتيب معكوس». وفي ذروة نجاحها عام 1968 استقطبت المسابقة جمهورا تلفزيونيا هائلا يربو على 27 مليون مشاهد، لكن بعد عامين فقط تكبدت ضربة قوية لم تتعاف منها ابدا في تلك الليلة هاجم حشد من دعاة تحرر المرأة الصاله وامطرن خشبة الاستعراض بوابل من الطماطم الفاسدة وكانت النسوة الغاضبات يحملن لائحات كتب عليها: هذه المسابقات تجرح كبرياء كل النساء وعبارات غامضة مثل الغيرة لن توصلكن الى اي مكان. في تلك الليلة شوهد مدير الحفل بوب هوب يندفع مذعورا الى ماوراء الكواليس وعلى وجهه امارات الذهول، ربما ازداد الامر سوءا بسبب ما نقل على لسانه وهو يثرثر مع صديق له قبل العرض حين قال: الحدث اشبه بسوق الماشية، ومهمتي ان اتفحص العجول، لكن منذ تلك اللحظة اصبحت ايام مسابقة ملكة جمال العالم معدودة وكذلك الامر بالنسبة لأرانب بلاي بوي وافلام «كاري اون» حيث اكتشفت بريطانيا السياسة الجنسية ولم يعد بالامكان بعدها ان تعود الامور الى ما كانت عليه. بدأ الامر كله ببراءة تخلو من سوء نية فقبل خمسين عاما اوجد اريك مورلي الذي كان حينها مدير علاقات عامة مسابقة لاستعراض البكيني لاضفاء الحيوية والمرح على مهرجان بريطانيا السنوي، ونالت الفعالية اعجاب الجماهير ولاقت نجاحا هائلا. خطط للحدث اصلا على اساس ان يقام لمرة واحدة على سبيل التنويع لاغير، لكن بعد ان اطلقت مجموعة امريكية مسابقة ملكة جمال الكون السنة التالية، قرر مورلي المتحمس لوطنه ان يجعل مسابقته سنوية ايضا. لتجنب موجة الانتقادات التي احدثها استعراض البكيني، حظر مورلي على الفور ارتداء هذا النوع من ملابس السباحة في مسابقة عام 1962 وبقي الحظر ساري المفعول لعدة سنوات تالية. ازدادت شعبية الحدث السنوي في الاعوام التالية على نحو مثير قبل ان تتشوه سمعتها باتهامها بالتمييز الجنسي والحط من قدر المرأة في السبعينيات وبدأ الاقبال الجماهيري على متابعة بث احداث انتخاب ملكة جمال العالم ينحسر خلال الثمانينيات ثم تعرضت المسابقة لضربة قوية في عام 1984 عندما قال مراقب برامج بي بي سي بانها مفارقة تاريخية في عصر المساواة الحالي، وتنطوي على قدر كبير من الاهانة. ونتيجة لتراجع جماهيرية حدث انتخاب ملكة جمال العالم في بريطانيا، بدأت المؤسسة المنظمة للمسابقة تبحث عن الدعم في الخارج ونظم الحدث مابين 1992 و 1995 في منتجع مدينة الشمس بجنوب افريقيا ثم نقل في عام 1996 الى بنجالور في الهند، حيث استقبلت المسابقة بعاصفة من الاحتجاجات، قام خلالها رجل باحراق نفسه حتى الموت وهو ينشد شعارات مناوئة للحدث وفي ليلة التصفيات النهائية اعتقل 1500 شخص خارج الملعب الذي يقام فيه الحفل. وبالعودة الى موطنها الاصلي العام الماضي، اقيم المهرجان في محيط قبة الالفية ومدحه جيري سبرينجر باسلوب ضاحك. وحاولت القناة الخامسة اعطاء الحدث مسحة جديدة من الحداثة والسخرية لكنها اخفقت في ذلك، وفيما تعود المسابقة الى «مدينة الشمس» هذا العام وتنحت حتى القناة التلفزيونية الخامسة عن بثه. وفي حوار صحفي سابق، قال اريك مورلي الذي توفي العام الماضي عن عمر ينهاز 82 عاما ان جمهور مسابقة انتخاب ملكة جمال العالم يقارب 3 مليارات مشاهد في 155 بلدا ولقد جمعنا من هذا العمل 100 مليار دولار للجمعيات الخيرية. وقالت جوليا مورلي الشريكة في مؤسسة ملكة جمال العالم نحن نجمع المال من الجمال وننفقه على الوجه القبيح للعالم لكن الحقيقة تبقى ان هذا الحدث السنوي يعكس كل المواقف الدوغماتية الكئيبة الرجعية التي تميز عصرها ومنظميها، ولطالما كان المهرجان الصاخب مقياسا للسياسة الجنسية وطريقة تغير حياة النساء على مدى السنوات الخمسين الماضية، مع عدم تبدل مواقف الرجال ازاء الجمال الانثوي وفي ايامنا هذه برزت منابر عديدة تتاجر بالسلعة ذاتها بما في ذلك عروض الازياء والمواقع الاباحية على الانترنت وحتى عيادات التجميل. مؤخرا انتحرت روزماري فراكملاند ملكة جمال العالم لعام 1961 واول سيدة بريطانية تفوز باللقب، في شقتها بلوس انجلوس ولم يكتشف امر انتحارها الا بعد مرور اسبوع على موتها وقد لا تكون هذه غلطة مؤسسة مسابقة ملكة جمال العالم، لكن وبما يكون من المناسب هنا ان نأخذ الكلمة الاخيرة في هذا الموضوع من فمها، وهي التي قالت ذات مرة يجب ان يوضع حدث انتخاب ملكة جمال العالم في الارشيف. وعدم التطرق له ثانية. علي محمد