في قلب القاهرة.. أسواق وأسواق هي جزء لا يتجزأ من تاريخ مصر.. وفي كل سوق نفحة من حكايات وذكريات.. وأسواق تحدت الزمن وأغلبها يتمركز في منطقة واحدة في قلب قاهرة المعز لدين الله الفاطمي.. حيث الطرق الضيقة من مئات السنين وزحام البشر الذين يتلاحمون ويتزاحمون وسط عربات الباعة المحملة بالبضائع وأبواق السيارات وأقدام تتلاحم واكتاف في اكتاف.. أغلب الأسواق من عصر المماليك حيث كانت التجارة تجري في دمائهم.. وتعددت واختلفت اشكالها فيما مضى عما هو الآن.. فقد كانت الأسواق تسقف بالحصر أو الخشب وكانت النوافذ من المشربيات تطل على الأسواق مباشرة في صورة جذابة تستوقف الناظرين خلال الحارات والدروب.. ومازالت هذه الاشياء القديمة والانتيكات التي تحمل رائحة التاريخ تجد مكانها في هذا السوق الذي يحتفظ بطابعه الشعبي.. ويعد هذا السوق الحلاويين تعبيرا عن حركة الرواج التجاري.. وعن مدى التنظيم الذي كانت عليه التجارة والصناعة المصرية. وهناك في سوق الحلاويين الذي يقع في العتبة الخضراء وبالتحديد في أحد الشوارع المتفرعة من شارع الجيش وتمتد حاراته وأزقته ودروبه الى منطقة الموسكي. وهو سوق تخصص في بيع السكر والحلوى وهو من أبهج الأسواق لما يحتويه من حوانيت ومصانع ومعارض للحلويات. وقد أطلق على هذا السوق سوق الحلاويين نسبة الى تركز أهالي الشام الذين تميزوا في صناعة الحلوى بجميع أنواعها واشكالها.. فنقل عنهم المصريون الصنعة بمهارة واتقنوها.. ويقال ان هذا السوق كان المقر الدائم لمكاتب الخدم وأغلبهم كان من البرابرة الذين سكنوا هذا الحي عندما دخل العرب مصر وكان بعض الجنود من البربر الذين حضروا من المغرب واستمروا في سكنهم في هذا الحي.. وأغلبهم عمل في بيوتات عريقة بعد استقراره في القاهرة في بعض القصور لدى عائلات مشهورة.. وتميزوا في صناعة الحلوى واقام بعضهم ورشاً وحوانيت صغيرة لصناعة الحلوى في هذا الحي! حي الافرنج ويقال انه في العصر المملوكي كان يسكن هذا الحي أيضا الايطاليون والفرنسيون والقبارصة ومن أبرز معالمه الاثرية مسجد يوسف اغا وهو من المساجد الاثرية الذي انشأه الأمير يوسف كتخذا عام 1128 هـ في القرن الثامن عشر الميلادي وهو أحد معالم العصر العثماني.. وأيضا كنيسة الافرنج الكاثوليك حيث كان الأرمن والطليان. يسكنون هذا المكان.. حتى انهم أطلقوا عليه حى الافرنج.. واشتهروا بصناعة المخبوزات وأدخلوا الخبز الفينو الى المائدة المصرية وبرعوا في صناعة الحلوى والجاتوهات والكيك وحلويات أخرى كانت جديدة على السوق المصري. البعض يؤكد ان هذا السوق كان اشبه بالبازار الكبير الذي يمتلكه اليهود ولكن سرعان ماانتقل الى المصريين وبرعوا فيه بذكائهم الفطري. مصانع الحلويات ومحلاتها ومعارضها تنتشر في السوق وأغلبها يقوم بتوريد الحلويات الى الفنادق الكبيرة وصالات الأفراح والاحتفالات المختلفة.. وهناك من يحرص على الاتفاق على أنواع محددة من التورتات والجاتوهات.. فهناك العديد من العملاء الذين يطلبون طلبات خاصة جدا. علب المناسبات وهناك العديد من المحلات داخل سوق الحلاويين تخصص في اعداد العلب الخاصة بالاحتفالات حيث تقوم فتيات صغار السن بلف وتعبئة هذه العلب طبقا للاتفاق مع العميل وبدقة ومهارة وسرعة فائقة وفي زمن قياسي يمكن تعبئته ولف 2000 علبة دفعة واحدة!! وغالبا ماتحتوي علب السبوع على سبيل المثال على خمس حبات من الملبس البونبون باللوز ووسطهم قطعة مغلفة من الشيكولاته أو سبع حبات من الشيكولاته الخالصة ويتم لصقهم على تحفة طبقا لرغبة وذوق العميل. وقبل أن يتم غلق العلبة يقوم العروسان باختيار العبارة التي يتم طبعها على الكارت الخاص المناسب الذي يتم وضعه داخل العلبة.. أو يقوم والد ووالدة المولود باختيار العبارة التي يفضلونها. وهناك أنواع مختلفة ومبهرة من هذه الكروت سواء الخاصة بسبوع المولود حيث يتم عرض كتالوج خاص يضم العديد من العبارات وعلى العميل الاختيار من بينها. وهناك أيضا كروت خاصة بالأفراح والعرسان وكروت خاصة بالاحتفالات الاخرى وأعياد الميلاد!. وهناك أنواع كثيرة من هذه العلب وأنواع أكثر من التحف مابين التماثيل البلاستيك أو الصيني أو الفخار أو المصنوعة من الخزف والبورسلان أو الفضة.. ويتم تغليف هذه العلب بالتل أو السلوفان.. طبقا لرغبة العميل والسعر المعروض وكل حسب امكانياته.. السوق كبير للغاية والسلع مغرية والكمبيوتر اقتحم الصنعة ليتيح مئات من الموديلات والعروض واصبحت أكثر دقة ومتعة. لوازم مختلفة وتنتشر داخل السوق المحلات الخاصة ببيع مستلزمات الأفراح من شموع وورود ومستلزمات اعياد الميلاد من ماسكات وبالونات وأوراق زينة ملونة وزمامير وطراطير وغيرها.. بجانب مستلزمات السبوع بالكامل من الغربال الذي يتنافس التجار في تقديمه بصورة مبهرة بعد تزيينه وتجميله بالاضواء الملونة والورود.. وأبريق السبوع الذي تطور وأصبح له أشكال جديدة ورائعة. عملاء السوق من جميع الدول العربية التي تحرص على الحضور الى السوق للاتفاق على صنع كميات هائلة من الجاتوهات والتورتات والملبسات الخاصة بالحفلات أو الأفراح التي تقام لياليها بفنادق القاهرة أو يتم نقلها الى هذه الدول. حفلات القصور على اختلاف مستوياتها يلجأ أصحابها الى تجار السوق لامدادهم بالحلويات والجاتوهات نظرا لخبرتهم الطويلة عبر الأزمان في هذه المهنة. الأسعار بالجملة أهم مايميز سوق الحلاويين ان البيع يتم بأسعار الجملة وتزداد الحركة خلال شهر رمضان حيث يحرص زوار السوق على شراء احتياجاتهم من كنافة أو قطايف أو بسبوسة والكريم شانتي الخام والشيكولاته الخام وكافة المستلزمات الخام لصناعة الحلوى بالمنازل - بجانب الجلاش والمخبوزات الراقية التي تباع بأسعار بسيطة مقارنة بأسعارها ومثيلتها في المحلات والمعارض الكبيرة بل وتتفوق عليها. تطورت داخل السوق صناعة المخبوزات من باتيه ومقرمشات خاصة بالفطور بصورة تنافسية مع مثيلتها في السوق الفرنسي.. ويزداد الطلب على البيتي فور والكعك خلال أيام عيد الفطر المبارك والمناسبات الاخرى. بعض التجار اقاموا فروعاً أخرى لمصانعهم بمنطقة التوفيقية بالقرب من معارضهم الكبيرة لبيع الحلويات والجاتوهات.. ولكن يبقى سوق الحلاويين بتميزه في صناعة هذه الحلوى بصورة مختلفة راقية! ويندهش زائر السوق اذ يجد ممرات تحت العمارات والأبنية القديمة تضم ورشاً ومصانع ليست بصغيرة تنتج كميات هائلة من الحلوى والملبسات.. وتنتشر روائحها في كل مكان! مئات من العاملين وصناع الحلوى تطورت خبرتهم عبر سنوات مضت.. دخلت الميكنة وزاد الانتاج ودقة الصنع. وأغلب مصانع الحلويات في السوق لديها معارض خاصة سواء داخل السوق أو خارجه.. وأغلبهم يمتلك أسطولاً من سيارات نقل الحلوى المزودة بالثلاجات والمبردات لنقل انتاجهم الى جميع محافظات مصر والى الفنادق الكبرى والمطاعم وقاعات الاحتفالات والمدارس والمستشفيات والمصانع وغيرها. ويكمل هذا السوق محلات أخرى تخصصت في بيع علب البونبونيرة الخاصة بالملبسات والبونبون وعادة ماتصنع من الاستنلس أو الفضة أو الخزف أو الفخار أو الصيني وبعضها يعد تحفة فنية رائعة توضع على المناضد داخل المنازل. سوق الحلاويين.. سوق للحب والأفراح وليلة العمر والمولود السعيد وهو سوق الحب الذي يبتسم دائما في وجه زائره ويبتسم زائره الذي يحتفل بيوم سعيد.. واذا زرت هذا السوق مرة تتمنى أن تزوره ألف مرة. القاهرة ـ محمد عرفة:
