اذا كان التاريخ حافلا بأسماء عديدة لأشخاص نذروا أنفسهم لخدمة أوطانهم وشعوبهم ورهنوا حياتهم للأوطان حتى صاروا رموزا خالدة، فسوف نطالع ضمن هذه الأسماء اسم الزعيم الوطني سعد زغلول.. ذلك القاضي والمناضل السياسي والخطيب الفذ، الذي لم تستطع سلطة الاستعمار البريطاني أن تحول بينه وبين قيادته لمسيرة الجهاد الوطني برغم النفي والاغتراب وتحديد الاقامة وغيرها من الأساليب المعتادة لدى قوة الاستعمار. يعد سعد زغلول واحدا من أبرز دعاة الحرية في الشرق كله مثله مثل المهاتما غاندي الزعيم الروحي للهند، لذلك نصبه الشعب زعيما للأمة، ومن قرينته صفية زغلول أما للمصريين وجعل من بيته بيتا للأمة، ذلك البيت الذي يستعد قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة لافتتاحه كمتحف بعد اعادة تحديثه في اطار خطة طموحة لاحياء ذكرى كفاح رموز الأمة. يحتل (بيت الأمة) وموقعه في وسط المدينة ومنطقة وزارات الدولة بالقرب من مجلس الشعب المصري مكانة بارزة في نفوس ووجدان المصريين حيث شهد بواكير وتفاعلات ثورة 1919، وظل مسرحا للحركة الوطنية منذ أواخر العام 1918 وحتى نهاية العام 1937، وترجع أصل تسمية بيت الأمة الى اللقاء المشهور الذي جرى بين سعد زغلول ورفيقيه عبدالعزيز فهمي وعلي شعراوي مع المندوب السامي البريطاني (ريجلند وينجت) في 13 نوفمبر العام 1918، حيث شرع زغلول في تكوين الوفد المصري الذي رأى أن يكون لديه توكيل خاص يوقع عليه جميع اعضاء الجمعية التشريعية وأكبر عدد ممكن من أعيان البلاد، تلك الجمعية التي كانت تناهض وجود الانجليز في مصر. حيث نص التوكيل على: (نحن الموقعين على هذا. الاعضاء بالجمعية التشريعية، قد انبنا عنا حضرات (سعد زغلول) باشا، عبدالعزيز فهمي بك، محمد على بك، عبداللطيف المكباتي بك، محمد محمود باشا، أحمد لطفي السيد بك، ولهم أن يضموا لهم من يختارون في أن يسعوا بالطرق السلمية المشروعة حيثما وجدوا للسعي سبيلا في استقلال مصر استقلالا تاما). لكن عندما أطلع رجال الحزب الوطني على هذه الصورة، ذهب الأستاذان مصطفى الشوربجي، ومحمد زكي علي بك عضوا الحزب الى سعد باشا، وناقشاه في صيغة التوكيل، وقد احتدا في هذه المناقشة لدرجة شعر معها سعد زغلول بشيء من الاهانة، فقال لهما: كيف تسمحان لنفسيكما بهذه الحدة!! وكيف تهيناني في منزلي؟..! فأجاباه بأن هذا (بيت الأمة)، فانطفأت حدة (سعد) باشا ومن هذا التاريخ أطلق هذا الاسم على بيت سعد باشا. مشاهد خالدة يستعد قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة لافتتاح البيت الذي شهد أهم أحداث ثورة 1919 بعد اعادة ترميمه وتحديثه وتطويره واستحداث مركز ثقافي في أروقة البيت، وترجع أهمية البيت الى انه كان مسرحا للحركة الوطنية طوال عقدين من الزمان العشرين والثلاثين فنرى أول مشهد يطفوا فيه بيت الأمة على سطح الأحداث حين قرر الوفد أن يعقد اجتماعا فيه يوم 31 يناير عام 1919، الأمر الذي دفع الجنرال (واطسون) قائد القوات البريطانية في مصر، وبعد التشاور مع المندوب السامي البريطاني في القاهرة، الى أن يبعث الى سعد زغلول رسالة كان نصها: ياصاحب السعادة: علمت أن سعادتكم تعدون اجتماعا في منزلكم بمصر في 31 الجاري يحضره نحو الستمئة أو السبعمئة شخص، واني أرى أن مثل هذا الاجتماع قد يحدث منه اخلال للأمن فبناء على هذا الاعلان الصادر تحت الأحكام العرفية أرجو أن تتكرموا بالعدول عن اقامة هذا الاجتماع. جاء رد سعد على ذلك بطلب أن يؤذن له بارسال اخطار للمدعوين بالغاء الاجتماع بناء على أمر السلطة العسكرية، ولم يتراجع واطسون بل صرح لسعد باشا بأنه لا مانع عند السلطة الانجليزية من أن ينشر اعلانا يصرح فيه أن دعوته منعت قهرا. ثم بعد 36 يوما، وفي 8 مارس على وجه التحديد، في الساعة الخامسة بعد ظهر ذلك اليوم وصل الى بيت الأمة أربع سيارات عسكرية بريطانية، وخرج منها ضابطان انجليزيان دخلا الدار وطلب أحدهما من (زغلول) مصاحبة القوة، ونزل سعد درجات السلالم لم يتوكأ على عصاه (كان قد بلغ وقتئذ الستين) حيث تم نقله الى ثكنات قصر النيل، وكان المقر الرئيسي لقوات الحماية في العاصمة المصرية ونقل منها إلى بورسعيد ليركب على متن السفينة التي نقلته الى مالطا، وهي جزيرة تقع في البحر المتوسط حكمها البريطانيون منذ عام 1798، واختاروها كمنفى للعناصر الوطنية في مصر وغيرها إبان فترة الحرب العظمى 1914 ـ 1918. اندلاع الثورة وفي اليوم التالي - 9 مارس - تفجرت الثورة وبدأت بمظاهرة طلاب مدرسة الحقوق التي تبعتها مظاهرات طلاب بقية المدارس العليا والثانوية، وكانت هذه المظاهرات تخرج متجهة الى بيت الأمة وهي تنادي بحياة سعد باشا، وكانت تنتظرهم السيدة صفية زغلول ملوحة لهم بمنديلها. بينما في يوم 16 مارس، أي بعد قيام مظاهرة طلاب الحقوق بأسبوع فحسب، انطلقت من أمام بيت الأمة أول مظاهرة نسائية في تاريخ مصر الحديث حيث خرجت عقائل العائلات الراقية الى انحاء القاهرة هاتفات بالحرية والاستقلال مناديات بسقوط الحماية، ومررن بموكبهن بدور القنصليات ومعتمدي الدول الأجنبية والناس من حولهم يصفقون لهن ويهتفون والنساء من بيوتهن يزغردن ويهتفن. أما شرفات البيت فقد أصبحت مقرا لخطباء الثورة، حيث كان يتجمع حولهم مئات من المصريين وقد شاعت من على تلك الشرفات أسماء عديدين ممن أصبحوا نجوما في عالم الوطنية بعدئذ، مكرم عبيد، عبدالمجيد بدر، القمس سرجيوش، الدكتور محجوب ثابت، وكان يفد على البيت المصريون من سائر انحاء البلاد. أم المصريين ثم يأتي وفد من نساء طنطا أتين الى بيت الأمة لمقابلة السيدة صفية زغلول ومعهن قطعة من قماش حريري طرزت عليه جملة (دخلت التاريخ: عائشة أم المؤمنين وصفية أم المصريين) وهذه اللوحة هي التي جعلت صفية زغلول (أم المصريين) فما أن رأتها الجماهير في أيدي سيدات طنطا حتى أصبح الاسم الجديد على كل لسان. في الوقت الذي أصبح فيه السلاملك مقرا لحزب الوفد بوجود علي باشا شعراوي بصفته وكيلا، وكانت داره قريبة من بيت الأمة، وعبدالرحمن بك فهمي بصفته سكرتيرا، ومن هذا المقر كان الوفد يتحرك. فهذا احتجاج يوم 14 مارس على استعمال الرصاص ضد المتظاهرين وجهه الى معتمدي الدول في مصر، وهذا استدعاء من قائد القوات البريطانية في البلاد لأعضاء هذا الوفد يحملهم مسئولية الأحداث القائمة، والتي كان يسميها بالاضطرابات. وفي واحد من أهم المشاهد الخالدة يأتي اطلاق سراح سعد زغلول ورفاقه من المنفى والتصريح لهم بالسفر الى مقر مؤتمر الصلح في باريس في إبريل عام 1919، وامتلأت مصر بمظاهرات الابتهاج، وكانت الجموع التي تقوم بمظاهراتها في القاهرة، أو التي تفد من الأقاليم، ينتهي بها المطاف الى بيت الأمة وهي تهتف بحياة سعد والثورة، وكانت أم المصريين تقف في شرفة ومعها كرائم السيدات، وهن يلوحن للمتظاهرين. وفي يوم الثلاثاء 5 إبريل عام 1921، كان وصول سعد باشا من أوروبا، وعند بيت الأمة اقامت اللجنة المنظمة للاستقبال سرادقا واسعا صف فيه أكثر من خمسة آلاف كرسي (للوجهاء والأعيان وأصحاب الرأي في القطر المصري ووفود المديريات والمحافظات) حيث جرى استقبال من أكبر الاستقبالات التي عرفها البيت. في الساعات الأولى من صباح يوم الجمعة 23 ديسمبر حاصر بيت الأمة الجنود الانجليز حيث قاموا بطلب مقابلة سعد وعلى رأسهم أحد ضباط الجيش. فأبلغ الخادم سعد باشا بهذا الطلب فتأهب للقائه وشرع في ارتداء ملابسه ثم النزول اليه، الا أن الضابط تعجل الامر وصعد الى الدور العلوي فنزل معه سعد باشا. وأرادت أم المصريين النزول معه ومصاحبته وألحت في ذلك الحاحا كبيرا الا انه هدأها وركب سعد باشا سيارة مع الضابط وهو لا يعلم وجهتها، حتى رأوها الناس وهي متجهة الى ضاحية مصر الجديدة فعلموا انها تتجه نحو السويس، واضطربت لذلك العاصمة وبدأت المظاهرات التي أحاطت بيت الأمة. في يوم 28 ديسمبر عام 1921 تناسى المنشقون عن الوفد خصوماتهم وقصدوا جميعا الى بيت الأمة حيث تألفت هيئتهم وقابلهم الشعب بترحيب عظيم، وفي البيت استقبلتهم أم المصريين حيث ألقت عليهم كلمة من وراء حجاب انتهت بالهتاف لمصر، وقد أثرت هذه الكلمة تأثيرا شديدا في نفوس الحاضرين الذين لم يتمكنوا من أن يحبسوا دموعهم، واستمر بيت الأمة مركزا لاجتماع الوفديين بعد أن عادوا لاتحادهم. الاجتماع العظيم في بيت الأمة، وهو الاجتماع الذي عقد يوم الخميس 19 أكتوبر عام 1922 وحضره جمهور كبير وفد اليه من العاصمة والاسكندرية وبورسعيد والاقاليم للبحث عن الخطة التي تتبعها الأمة فيما يتعلق بمؤتمر الشرق الذي تقرر عقده في لوزان للنظر في شئون الأملاك العثمانية السابقة بما فيها مصر، وقد قرر المجتمعون ارسال وفد الى تركيا وأوروبا لابلاغ حكومة أنقرة عن نية الوفد أن يرسل من يمثله في هذا المؤتمر، وأنه ليس لأي أحد آخر أن يدعي تمثيل الأمة. اغلاق بيت الأمة تم اغلاق بيت الأمة في الساعة الثامنة والدقيقة 45 بعد ظهر يوم 21 فبراير سنة 1923 توجهت قوة من رجال البوليس بقيادة مساعد الحكمدار الانجليزي الى بيت الأمة وحاصروه من جميع الجهات وطلبوا من الزائرين الذين وجدوهم هناك الانصراف، ودخلوا مكتب سكرتارية الوفد وبعد أن فتشوا أخذوا ما فيه من الأوراق ثم انتقلوا الى مكتب سعد باشا ففتشوه وكذلك أخذوا ماوجدوه من الأوراق وفي أثناء ذلك كان بعض الضباط الآخرين يفتشون كل الغرف فأخذوا الأوراق الموجودة بها وطلبوا اخلاء المنزل الذي كان به وقتئذ سعد زغلول بك القاضي بمحكمة الزقازيق ومحمد أمين يوسف المحامي زوج رتيبة فطلبا مهلة الى الصباح، وفي الساعة العاشرة مساء انتهى التفتيش وبقي الجنود يحرسون المنزل في ظهر يوم 21 فبراير تم اخلاء المنزل فأغلقت جميع غرفه بوضع قطعة خشب وتسميرها وختمها بالشمع الأحمر من الجهتين، ووضع داخل المنزل وخارجه 14 من الجنود وضباط الصف وترك الباب مفتوحا ووقف بجوار بواب المنزل بعض الجنود بالسلاح. في يوم 8 يوليو عام 1923 سلمت حكمدارية بوليس العاصمة بيت الأمة للأستاذ أمين يوسف المحامي ففتحه وعاد رجال الوفد للاجتماع فيه وقد انتهزوا فرصة أول جلسة عقدوها به وأرسلوا الى سعد زغلول باشا في منفاه في جبل طارق التلغراف الآتي: (بمناسبة عودتنا للاجتماع ببيت الأمة نؤكد تمسكنا المتين بحقوق الوطن واخلاصنا القلبي لشخصكم المحبوب راجين أن نراكم قريبا بيننا لقيادة الأمة في جهادها المقدس). في يوم 18 سبتمبر عام 1923 وصل سعد باشا من منفاه الثاني الى العاصمة فاستقبله الشعب استقبالا حماسيا رائعا يفوق استقباله يوم قدومه من أوروبا في ابريل عام 1921، وقد أقيم بجانب بيت الأمة سرادق كبير لاستقبال الوفود والهيئات فاجتمع فيه جماهير غفيرة من العلماء والكبراء والتجار والعمد والأعيان وغيرهم وتبارى الخطباء في الاشادة بجهاد سعد والترحيب به. وقد ظل السرادق يمتلئ ويخلو طوال الأيام الأربعة التالية، وكان لسعد زغلول كل يوم خطبة فيه، هذا فضلا عن الخطب التي كان يلقيها زعماء الوفود التي كانت تأتي كل ساعة. في يوم 21 مارس عام 1924 احتشد جمهور كبير جدا في حديثة الازبكية من طلبة المدارس والموظفين وأخذوا يهتفون لسعد زغلول لما تضمنه خطاب العرش الذي كان قد ألقاه في البرلمان يوم 15 من نفس الشهر من التعبير عن الأماني القومية، ثم خرج هذا الجمهور من الحديقة في مظاهرة كبرى مخترقين أهم شوارع القاهرة وهم يهتفون للرئيس وخطبة العرش حتى وصلوا الى بيت الأمة، فاطل عليهم سعد باشا وألقى فيهم كلمة طويلة استهلها بقوله (إن الله لم يخلق بعد من يحوله عن عقيدته وعن مبدأ الاستقلال التام لمصر والسودان). عودة الزعيم كانت قد تشكلت لجنة للاحتفاء بسعد زغلول بعد عودته من انجلترا وفشل مفاوضاته مع رئيس وزرائها رامزي مكدونالد، وقد أقامت هذه اللجنة سرادقا الى جوار بيت الأمة ألقى فيه زعيم الأمة بعد ظهر يوم 21 أكتوبر عام 1924 خطابا طويلا استهله بقوله: (لم أكن منتظرا هذه الحفاوة البالغة التي أبدتها الأمة بعد أن عدت ولم أحقق رجاءها ولم يتفق لي أني شكرت بعد سعي لم يكلل بالنجاح)!! بعد استقالة وزارة سعد زغلول باشا في 24 نوفمبر عام 1924 نتيجة للانذار الذي وجهه اليها الانجليز بسبب حادثة السردار وتأليف وزارة أحمد زيوار المؤتمرة بأوامر القصر والانجليز وأخذت وفود الشعب تتقاطر على بيت الأمة كل يوم محيية حيث كان يلقي فيها الزعيم الخطب التي تثير حماستها مما دعا السلطات الى اتخاذ القرار بمحاصرة البيت العتيد. لهذا قامت قوات البوليس بمحاصرة بيت الأمة في 25 فبراير عام 1925، وأخذت السلطات في مطاردة كل من يقترب منه مما دعا سعد زغلول الى ان يوجه خطابا الى الوزراء كان مما جاء فيه: (لا تظلموا أنفسكم وبلادكم بالاستمرار على انتهاك حرمة الدستور، وجرح كرامة الجمهور، وتقييد حرية الأفراد وقهرهم على مايكرهون، واظهار الأمة بمظهر الذلة والانكسار)! في 4 نوفمبر عام 1926 تم تركيب مصعد كهربائي في بيت الأمة في الغرفة المجاورة لغرفة المائدة ليوفر على سعد زغلول جهد الصعود نتيجة لظروفه الصحية. نوفمبر عام 1926، أقام الوفد سرادقا فخما بجوار بيت الأمة احتفالا بعيد الجهاد الوطني حيث ألقى كل من مصطفى النحاس ومكرم عبيد خطبتين بينما ألقى سعد زغلول على غير عادته خطبة قصيرة اذ كان قد بدأ وقتئذ يعاني من وطأة المرض. في الساعة التاسعة والدقيقة الخمسين في مساء يوم الثلاثاء 23 أغسطس عام 1927 أسلم سعد الروح، ولم تكد تنتصف الساعة الحادية عشرة حتى غص بيت الأمة بالجموع الغفيرة من الوزراء والشيوخ والنواب، وكان يشرف على اقامتها محافظ القاهرة، وأخذت قطارات السكك الحديدية تنقل الى القاهرة وفودا عديدة من الأقاليم كانت تقصد رأسا الى بيت الأمة لتقديم واجب العزاء والاشتراك في الجنازة، وفي منتصف الساعة الرابعة من اليوم التالي خرج موكب الجنازة وكان الخروج الأخير لسعد من البيت الذي أدخله التاريخ. في اليوم التالي لوفاة سعد قرر مجلس الوزراء تخليدا لذكرى الزعيم الراحل: شراء الحكومة لبيت الأمة وضمه الى الأملاك العمومية المخصصة للمنافع العامة، ويبقى اسمه بيت الأمة على أن يبقى حق السكن فيه لحرم المغفور له مدى الحياة، وشراء البيت الذي ولد فيه المرحوم ببلدة ابيانة بمركز فوة بمديرية الغربية وضمه الى الأملاك العامة المخصصة للمنافع العمومية، وتشييد المدفن في بيت الأمة على نفقة الحكومة. بيت الأمة متحف ظل بيت الأمة مقرا للوفد بعد وفاة سعد زغلول، ولم تغلقه أم المصريين في وجه الوفديين الا بعد أن انقسموا على أنفسهم أواخر عام 1937 بعد خروج النقراشي وأحمد ماهر عن الزعامة النحاسية وكونوا الهيئة السعدية حيث بقيت أم المصريين تشغله حتى وفاتها عام 1946. ويرجع تاريخ بناء البيت الى عام 1901 عندما وقف الزعيم على بنائه، وانتقل الى الاقامة فيه يوم الخميس 24 إبريل عام 1902، بعد أن كان سعد باشا من سكان حي الظاهر، وقرر الانتقال الى حي الانشاد الذي يقع فيه بيت الأمة، وكان معلوما أنه حي الارستقراطية التركية. يقدم الزعيم الوطني في مذكراته ما يفيد انه تم توصيل المياه النقية مع انشاء البيت، الأمر الذي كلفه تسعة جنيهات وسبعمئة وخمسين مليما!، وجهزه بالرخام الذي بلغت تكاليفه خمسة وسبعين جنيها، أمده بالغاز والكهرباء، وان جملة ما أنفقه عليه 4296 جنيها، بما يوازي تكلفة ثمن عشرين فدانا حينذاك. وتكشف المذكرات عن أن البيت كان يضم سبعة من الخدم، ممايؤكد انتماء سعد باشا الى الطبقة الارستقراطية، وهو الأمر الذي كان قد تأكد قبل خمس سنوات عندما تزوج صفية هانم ابنة رئيس الوزراء مصطفى فهمي باشا. كان الكاتب الصحفي الشهير مصطفى أمين 1914 قد عاش طفولته في بيت الأمة مع والدته السيدة رتيبة ابنة شقيقه سعد التي كان يعولها، ويذكر الكاتب انه عاش طفولة سعيدة مع أخيه (علي) بالطابق العلوي من البيت حيث كانا يشغلان غرفة واسعة لها شرفة واسعة جدا أشبه بالحديقة. كان البيت مصمما على طراز قصور الأثرياء في فرنسا، حيث اشترى سعد باشا أثاثه من فرنسا، فيينا، وألمانيا وحيط بالبيت حديقة واسعة ذات أسوار عالية يتوسطها باب حديدي ضخم، وبعد أن تجتاز الحديقة يأخذك الدرج المؤدي الى الطابق الأول حيث الباب الكبير الذي يوجد خلفه ساتر (برفان) تبدأ بعده القاعة الكبرى، على الأرضية سجاد فاخر وفي الأرجاء تنتشر القاعدة المكسوة بالمخمل (القطيفة) وفي نهاية الصالون الكبير تمثال للزعيم سعد زغلول. القاهرة ـ سيد هويدي: