يستعمل عدد كبير من سكان العاصمة الجزائرية يوميا المراكب الطائرة للوصول الى مواقع العمل والدراسة وقضاء حاجاتهم. وتطير المراكب من محطات بأسفل المدينة الى أعلاها والعكس، دون ضجيج ولادخان على سكة كهربائية مثل تلك التي يستخدمها رواد رياضات التزحلق على الثلج في الجبال. ويوجد بعاصمة الجزائر اليوم ثلاثة مراكز كهربائية اثنان منها بنتهما الادارة الفرنسية في الخمسينيات حين كانت الجزائر مستعمرة ويربط احدهما حي بلوزداد ( بلكور سابقا) بحي المدنية ويربط الثاني وهو نسخة مطابقة للأول ( بولوجين) بـ (السيدة الافريقية) أما الثالث فأقامته الحكومة الجزائرية في بداية الثمانينيات عند انطلاق مشروع كبير لتحديث العاصمة سمي «مشروع الحامة» ثم توقف بسبب انهيار أسعار النفط والاضطرابات التي شهدتها البلاد بعد ذلك، ويربط هذا المركز حي العناصر القديم بقصر الثقافة الذي بني في اطار ذلك المشروع على هضبة تشرف على المدينة تسمى أيضا ( هضبة العناصر) ويتشكل كل مركز من محطتين تنتهي اليهما العربتان المعلقتان كل خمس دقائق أحداهما في أسفل المدينة والأخرى على المرتفعات وترتبطان بالأسلاك والسكك التي تحمل العربتين. ويطلق عامة الناس الاسم الفرنسي على هذه الناقلات وهو ( تيلي فيريك). فيما يحلو للأطفال تسميتها بـ ( الحافلات المعلقة) وهي تتبع ـ إداريا وقانونيا ـ لمؤسسة النقل الحضري لمدينة الجزائر التي ورثتها الدولة الجزائرية بدورها عن الادارة الاستعمارية غداة الاستقلال عام 1962م. وتسع كل عربة لنحو 15 شخصا، وتقطع المسافة في زمن قياسي بين المحطتين، فهي لا تتأثر بضغط ازدحام المرور الذي يعيق الحركة بمدينة الجزائر في بعض ساعات النهار، وتتحرك في كل محطة عربتان في اتجاهين متعاكسين يعتبر سير كل منهما شرطا لسير الأخرى وتلتقيان عند منتصف المشوار تماما حيث يكون ارتفاعهما عن الأرض متساويا تماما أيضا ثم تقتربان من المحطتين. وتتوقفان بنفس الكيفية لأن النظام الذي يحكمهما واحد مركزي يسري عليهما معا. وهذا النظام يسري على المحطات الست ومن فضائله أنه خال تماما من عناصر التلوث التي تطلقها المراكب الأخرى التي تستخدم الوقود. وأشارت الدراسات الابتدائية التي سبقت تأسيس هذا النوع من وسائل النقل الحضري الى أن صعوبة تضاريس المدينة المبنية على هضبة غابية بدايتها مغروسة في البحر ونهايتها تطاول السماء تجعل التنقل بين جهاتها في ظل الارتفاع المتزايد للسكان والحاجة الى نقلهم يوميا أمرا مستعصيا ما لم تلجأ الادارة الى ابتكار طرق نقل جديدة وسريعة وقادرة على امتصاص العجز المتوقع. وذكرت تلك الدراسات أن بناء المصاعد الهوائية بين أسفل المدينة وأعلاها يكون قفزة عملاقة لقهر قساوة الطبيعة وتطويعها. وتحويل تلك الصعوبات الى متعة يومية للناس حيث يشرف ركاب العربات الطائرة على المدينة كلها. ولقد تحولت بالفعل عند تجسيد المشروع الى وسيلة نقل مفضلة لدى سكان المرتفعات الذين يشتغل معظمهم بأسفل الجزائر، لكن كانت أيضا أداة للمتعة فيقصدها الأطفال بالمئات كل ساعة في الأعياد والاحتفالات الرسمية والدينية والشعبية للصعود والنزول مرات عديدة في اليوم، وكثيرا ما استقلها المصورون والسياح لالتقاط أجمل الصور. وغدت (التيلي فيريك) جزءا من حياة العاصميين منذ نعومة أظافرهم، وربما لا يوجد في عاصمة الجزائر من لم «يسافر» على متن هذه العربات ولو مرة واحدة في حياته. الجزائر ـ مراد الطرابلسي