سوق «الكوافي» كما كان يطلق عليه في الماضي لا أحد من زائري اسواق اليمن القديمة اليوم يشاهد تلك الحركة المستمرة التي كان يعرفها هذا السوق الذي ارتبط بعادات وتقاليد يمنية اخذت تندثر شيئاً فشيئاً. وحدهم أولئك الذين يحملون ذكرياتهم عن هذا السوق يمكنهم ان يصفوه ويصوروه لك بكل حركاته ونشاطاته. وسوق «الكوافي» أصبح اليوم يحمل اسماً اخر هو سوق المدائح «الزاجيل» هذا بالنسبة لسوق «الكوافي» في صنعاء اما في المدن اليمنية الأخرى تبدل اسم هذا السوق وفقاً للمعروضات التي يعرضها بدلاً من «الكوافي». والكوفية في اللغة اليمنية الشائعة هي الطاقية التي يعتمرها المرء على رأسه لتكون بمثابة القاعدة التي تقف عليها العمامة التي درج اليمنيون منذ القدم على اعتمارها ولباسها في حياتهم اليومية، غير ان الأمر تبدل اليوم كثيراً بعد ان تخلى الكثيرون عن ارتداء العمامة ما اثر على صناعة الكوافي بشكل كبير أدى إلى اندثار هذه الصناعة. أحمد علي مصلح واحد ممن يحملون ذكريات عن هذا السوق وما كان يعرفه في الماضي من رواج كبير يقول كان سوق الكوافي يقصده اليمنيون جميعاً إلى حدود الخمس عشرة سنة الماضية من كل الشرائح الاجتماعية والطبقات لأن الجميع في ذلك الوقت كانوا يرتدون العمائم التي لم يكن من الممكن وضعها على الرأس دون كوفية ولهذا كانت صناعة الكوافي صناعة مزدهرة والجميع يتسابقون على شرائها لأنه في تلك الايام كان من العيب على الإنسان ان يكون بدون عمامة وكان ينظر لمن لا يعتمر عمامة فوق رأسه نظرة غير سوية تقلل من مكانته الاجتماعية واحترام الاخرين له ولذلك كان جميع الناس يحرصون على شرائها والتسابق لاقتنائها ومع كل صباح كان السوق يعج بالباعة والمبتاعين كل واحد يعرض بضاعته أو يشتريها وكان الصناع المهرة يبدون مهارة في صنع الكوافي وبالتالي كان سوق الكوافي يعرف نشاطاً وحيوية لم تكن لنجدها في الأسواق الاخرى. أما اليوم فكما نشاهد لم يعد هناك لا من يعرض الكوافي ولا من يشتريها والسبب ان شباب اليوم تخلو عن عادة ارتداء العمامة وأصبحوا يتسابقون على كشف رؤوسهم بدلاً من تغطيتها ولم يعد يحافظ على هذه العادة سوى القلة القليلة من الناس القدماء الأمر الذي دفع بالمشتغلين في سوق الكوافي، اما إلى هجر محلاتهم وبيعها أو إلى التحول إلى بيع المدائح مجاراة لتحول السوق. ويستطرد مصلح موضحاً ان هذا العمل كان يدر دخلاً محترماً للكثير من الناس الذين كانوا يشتغلون بهذه الحرفة بل وكانت النساء تساهم بفعالية في هذا النشاط الاقتصادي حتى ان كل منزل من المنازل اليمنية لم يكن يخلو من النساء اللواتي لم يجدن هذه الصنعة واتقانها وكانت الفتاة تحرص على تعلم صناعة الكوافي منذ الصغر لأنه كان من العيب على الفتاة ان تنتقل إلى بيت الزوجية دون ان تكون مجيدة لهذه الحرفة حتى ولو ظل عملها محصوراً بصناعة الكوافي لزوجها وأولادها اليوم كل شيء تغير ولم يعد تعليم الفتاة لهذه الحرفة من مستلزمات التربية النافعة التي كانت سائدة في الماضي به. علي أحمد أحد الباعة المتجولين وهو مازال يعرض الكوافي على هواتها يقول بعد ان انتهى سوق الكوافي وتلاشى لم يكن أمامي سوى البيع بالتجول لهذه السلعة موضحاً ان الاقبال تراجع كثيراً وليس بمقدور البائع ان يبيع هذه السلعة إلا للرجال القدماء ممن ظلوا محافظين على ارتداء العمائم. وتراجعت قيمة الكوفية كثيراً ولم تعد القيمة المدفوعة مقابل الكوفية تعادل الجهد المبذول في صناعتها الأمر الذي دفع الكثير من النساء والرجال إلى التخلي عن هذا العمل. حتى الناس الذين يقبلون على الغتر لا يلبسونها بل يضعوها على اكتافهم فيما تبقى رؤوسهم مكشوفة كما ان الغتر نفسها حلت محل الكوافي حيث يفضل الناس وضعها وربطها على الرأس دون الحاجة لكوفية كما كان الحال في الماضي بل ان طريقة ربط الغترة على الرأس اختلفت عما كان عليه الحال في الماضي وهذا عامل آخر ساهم في تراجع اهتمام الناس بالكوافي. ويعتقد علي أحمد ان مجاراة الموضة من قبل الشباب حلت البلاء بالعاملين والمشتغلين في صناعة الكوافي مشيراً إلى ان كثيراً منهم تضرروا وهجروا هذا العمل إلى أعمال اخرى وينحي باللائمة في ذلك على فتح الأسواق اليمنية على مصراعيها امام المنتجات المستوردة من الخارج التي زاحمت رواج هذا المنتوج الوطني طالباً من الجهات المسئولة في البلاد حث الناس على ارتداء الزي التقليدي من اجل ان تنتعش الكثير من الحرف التقليدية التي تأثرت كثيراً في السنوات الأخيرة يقول حسين أحمد الخولاني المعروف دوماً في محيطه باعتمار الكوفية البيضاء. الحفاظ على اللباس التقليدي حفاظ على الشخصية اليمنية» ويتساءل لماذا لا يكون هناك التزام بالزي اليمني على غرار ما هو حاصل في سلطنة عمان حيث السلطات الزمت الشعب بارتداء الزي العماني الموحد؟ ويضيف الكوفية ليست فقط جزءا من شخصية اليمني كما عرف منذ القدم بل انها مفيدة فهي تقي من الحرارة الشديدة وتعكس اشعة الشمس خاصة عندما تكون باللون الأبيض. أما كيف يحصل على غايته من الكوافي بعد ان اغلق سوق الكوافي أو اندثر وتحول إلى سوق للمدائح يقول هناك بعض الجيران مازالوا يصنعون الكوافي ولذا اشتري منهم كما ان هناك بعض البائعات المتجولات مازلن يعرضن هذه السلعة التقليدية. الحقيقة ان التحولات التي طرأت على سوق الكوافي اليمنية التي كانت في الماضي عبارة عن سوق متخصص لبيع هذه السلعة تعكس في ابعادها التحولات والتغيرات التي يعيشها المجتمع اليمني والتي ادت إلى تغير الأذواق ومجاراة العصر بشكل جعل هذه الصنعة مجرد ذكرى من الماضي لا تثير أي حنين لارتدائها خاصة عند الشباب اللهم في المناسبات كالاعراس. صنعاء ـ عبدالكريم سلام: