تظل أسواق «العطارة» في اليمن بما طرأ عليها من تحولات ورتابة أحد ملامح تأثر هذا النشاط بتحولات العصر وتبدلاته المتسارعة وبقدر ما تبدو بعض المظاهر مؤشرات على احتضار هذه المهنة التقليدية العريقة فإن بقاء هذه الأسواق، واستمرارها في خضم المتغيرات المتسارعة التي اثرت على رواج هذا النشاط وازدهاره يعني ان هذه الأسواق باقية صامدة يساعدها على ذلك ما تقدمه من سلع واحتياجات لا يجدها الزبون الا عند العطارين وعندهم وحدهم وهذا ما يجعل العديد من المشتغلين بهذه المهنة لا يخشون على زوالها رغم اقرارهم بتراجع نشاطها مقارنة بما كان عليه الحال في الماضي. وسوق العطارين وسط صنعاء القديمة يقاوم عوائد الدهر وتقلباته يبرز بوضوح ان هذه المهنة التقليدية مازالت تفرض حضورها وان طرأت عليها ملامح ومعالم جعلتها مختلفة عما كانت عليه ومن هذه الملامح التي غيرت معالم سوق العطارين ومحلاتهم، كما يقول شيخ العطارين في السوق الحاج علي أحمد مطهر في الماضي لم يكن دكان أو حانوت العطار كما هو عليه الان وانما كان صغيراً للغاية ولا تتجاوز مساحته مترا x متر، أما اليوم وكما تشاهد المعطارة توسعت وكبرت وتتراوح مساحة بعضها ما بين 4 إلى 5 امتار وبعضها ما بين 2 إلى ثلاثة امتار وهذا التحول فرضته متغيرات العصر ومتطلباته، حيث الملاحظ ان العطار لم يعد يقتصر نشاطه على عرض وبيع المواد الخاصة بالعطارين فقط بل ضم اليها بضائع وسلعا لا علاقة لها بالعطارة والسبب ان هذه المعروضات الجديدة حلت محل المنتجات المحلية. ويرى شيخ العطارين انه على الرغم من هذه التحولات فإن العطارين مازالوا يحافظون على تواجدهم في السوق مرجعاً ذلك إلى ان الكثير من الناس مازالوا يقبلون على العطارين وسلعهم وبضائعهم لأنها سلع أساسية يتداوى بها الناس للعديد من الأمراض. أسباب التغيرات واذا كانت متغيرات العصر واحواله وراء التغيير الذي طرأ على طبيعة نشاط العطارين، كما أوضح الشيخ مطهر شيخ سوق العطارين فإن طه حسين يشاطره ذلك غير انه يضيف جملة من الأسباب الأخرى التي احدثت مثل هذه التبدلات على هذه التجارة ومن هذه الأسباب التي يوردها هذا العطار ان الأسواق في الماضي كانت تحكمها قواعد ونظم مرعية خاصة منها العمل في العطارة ومن هذه القواعد التي كانت سائدة وملزمة للمشتغلين الحصول على معارف محددة وحفظ اجزاء معلومة من القرآن الكريم والتحلي بالاخلاق والقيم النبيلة والصدق لكن الآن مثل هذه الشروط والضوابط لم يعد معمول بها وان كان ذلك لا يعني افتقاد مثل هذه الخصائص الا ان عدم العمل بها أوجد الكثير من المدعين والدخلاء على هذه المهنة الأمر الثاني ان سلع العطارين ومركباتهم الخاصة صارت تباع في محلات خارج سوق العطارين وهذا يتعارض مع ما كان معمول به في السابق من تخصيص أسواق معينة لمنتجات وسلع وبضائع معينة مثل سوق القماش وسوق العملة وسوق العطارين وغيرها الأمر الثالث الذي اثر على هذا النشاط هو شيوع وانتشار العطارين على الارصفة حيث يشكل تواجدهم مزاحمة للاشتغال بهذه المهنة ورغم هذه الأسباب التي يوردها هذا العطار إلا انه يرى ان مهنة العطارة ستظل باقية صامدة في وجه كل التحولات والمتغيرات. طبيعة العمل وعن طبيعة عمل العطار في الماضي وماهي عليه اليوم يقول شيخ العطارين في الماضي كان العطار يبدأ عمله من بعد صلات الفجر تحسباً لأي طاريء. كالولادة أو الوفاة وكانت هناك قواعد تحكم سير العمل فعلى سبيل المثال كان العطارون عندما يباشرون عملهم في الصباح يحثون الزبائن على الذهاب للشراء من جيرانهم لانهم يعتبرون ذلك بمثابة استفتاح لليوم الجديد هذا على صعيد اخلاقيات المهنة التي كانت توجب تعاملاً يقوم على الجيرة واحترامها، أما على مستوى كيفية العمل كان العطار في الماضي هو الطبيب الذي يعالج الأمراض لذا كان دائماً مستنفراً مستعداً لمواجهة كل الطواريء المحتملة واليوم اختلف الأمر وتوافرت المواصلات ولذا يعمد الناس إلى اقتناء حاجاتهم في النهار. ولهذا يقول الحاج مطهر العطار اليوم أصبح اكثر ميلاً إلى الهدوء والسكينة ولم يعد مستنفراً مترقباً لأي طاريء كما كان عليه الحال في الماضي مضيفاً ان العطار في الماضي كان عليه ان يتلقى اسرار المهنة ومعرفتها من الأب أو الجد لكن الآن لم يعد هذا التوارث قائما عند بعض العطارين ممن يعشقون هذه المهنة، أما الغالبية نجدهم يمارسون هذه المهنة دون دراية أو المام بقواعدها وشروطها وهو ما انعكس على مكانة العطار وقدراته، وبالتالي اثر ذلك على ثقة الناس في هذا العمل بسبب عدم احترام الكثيرين لشروط العمل الواجب توافرها في العطار مثل معرفته بالاعشاب وأنواعها ومجالات استخدامها وفوائدها ومظاهرها. التطفل على المهنة في السياق ذاته يبدي العطار طه الروني اسفه من التطفل على هذه المهنة مشيراً إلى ان عدم احترام ضوابطها تجسده واجهة المعطارة ذاتها حيث أن كثيراً منها توحي بأنها بقالة أكثر منها معطارة مفاخراً بنفسه كونه ظل وفياً مخلصاً لهذه المهنة بل وزاد على ذلك انغماسه في البحث عن خاصية الاعشاب وفوائدها سواء في الكتب القديمة أو الحديثة. المنتجات المستوردة واذا كان الشاب لا يخفي تحمسه لبقاء هذه المهنة تقاوم تقلبات الدهر وعوائده يرى منصور حسن ان العطارة قد تراجعت كثيراً وهي في تراجع دائم والسبب هو تزايد المنتجات المستوردة المنافسة مشيراً إلى ان البعض لم يعد يستمر في عمله هذا الا لأنه ليس له عمل آخر يزاوله وقد فاته الحال في ان يتعلم حرفة جديدة يكسب منها عيشه وانه من العبث القول بصمود واستمرار هذه المهنة إلا في حدود ضيقة لأنها على حد تعبيره لم تعد تكسب عيشا. وفي هذا الصدد يشير إلى ما يعتبره مثالاً حياً على تراجع أهمية العطارين وهو انتشار محلات التوابل على نطاق واسع بعد أن ظل بيع هذه المواد حكراً على العطارين وحدهم وكذا انتشار العطور بكافة أنواعها بعد ان كان العطارون يقومون بتركيبها وصناعتها دون وجود من ينافسهم كما هو الحال اليوم في انتشار العطور المستوردة. صنعاء ـ «البيان»: