من المعروف ان كلاب الصيد تستطيع ان تتبع شخصاً بمجرد ان تشم اثار خطواته، وهذا يعني انها تشم رائحة اقدامه وعرقه. والعرق عبارة عن خليط من الروائح المختلفة ويشبه بصمة الاصبع عند كل انسان. وتستطيع كلاب الصيد ان تفرق بين هذه الروائح المختلفة بسبب قوة حاسة الشم عندها التي تفوق حاسة شم الانسان من مئة الى الف مرة، وغالبية الثدييات تقريباً لديها حاسة شم اقوى من الانسان، مثلاً تتعرف الفئران على بعضها بحاسة الشم كما يتعرف الانسان على غيره من ملامح الوجه ويقول لاري كاتز الاستاذ بجامعة ديوك ان الفئران تستطيع التفريق بين الذكر والانثى بحاسة الشم وهناك معلومة قديمة تفيد بأن حاسة الشم تؤثر في سلوك الانسان والحيوان، لكن العلماء لم يثبتوا ذلك بالادلة القاطعة. وقد بدأ العلماء في فك طلاسم حاسة الشم مما يفيد في معرفة كيفية تعرف المخ على الرائحة التي يشمها الانف وبالتالي تأثير الروائح على السلوك. ويطبق العلماء حالياً مجموعة اساليب علمية على امل تحقيق هذه الاهداف، ويقول الدكتور كاتز ان هذا المجال لم يكن مطروقاً قبل عشر سنوات، حتى اكتشاف مجسات الشم، وقد فتح ذلك الطريق وجذب كثيراً من الباحثين اليه. ويقول استاذ الاعصاب كوري براجمان بجامعة كاليفورنيا ان لديه المفتاح الذي قد يؤدي الى استراتيجيات مختلفة لمعرفة العوامل المؤثرة على السلوك ويعتقد كثير من الباحثين ان البحث في حاسة الشم طريق لفهم الحاسة ذاتها فضلاً عن السلوك البيولوجي. ويقول استاذ الاعصاب ستيوارت فايرستاين بجامعة كولومبيا ان البعض يرى حاسة الشم على انها نموذج لتلقي الاشارات. تفاعل المورثات يحدث الشم عموماً عندما تلتصق جزيئات الروائح بجزيئات مجسات الشم (مستقبلات الشم) على سطح عصب الشم وتترجم الى نبضات عصبية، وتنتقل هذه النبضات عبر التجويف الشمي والنظام بالكامل الى مناطق في المخ حيث يتعرف المخ على نوع الرائحة. بهذه الطريقة يستطيع الانسان التعرف على اكثر من عشرة آلاف رائحة من خلال هذه المستقبلات. ويطبق كثير من العلماء وسائل بيولوجية لمعرفة كيفية تفاعل جزيئات الروائح مع جزيئات مستقبلات الروائح ومعرفة المحفزات التي تدفع كثيراً من الروائح الى المخ. ويطور معمل الدكتور فاير ستاين اسلوباً بيولوجياً للتعبير عن مستقبلات الروائح على انها بروتينات داخل الخلايا، وسوف يسمح هذا للباحثين بمراقبة نشاط البروتين عندما تستفزه الروائح. يقول فايرستاين عن مستقبلات الروائح انه من الصعب جداً شرحها ويقارن بين عشرة آلاف رائحة والف مستقبل روائح فقط حيث يصبح هذا العدد من الروائح تحدياً فعلياً لها. وعندما يكتمل هذا البحث يأمل الباحثون ان يحللوا آلاف المركبات في وقت واحد لمعرفة المستقبلات التي تتفاعل معها. حاسة الشم لابد ان البشر قد اعتمدوا في فترة ما على انوفهم لمعرفة معلومات عن البيئة، لكنهم يعتمدون الان على عيونهم، ويفترض العلماء ان نحو 60% من مستقبلات الروائح عند الانسان اصبحت ساكنة متوقفة عن العمل، مع تطور الانسان، ولم يبق عنده الا 350 مستقبلاً فقط للروائح، مقابل الف مستقبل عند الكلاب. لكن هذا لا يعني ان الروائح لها تأثير على الانسان. فقد ثبت في تجارب سابقة اجرتها استاذة الامراض النفسية راشيل هيرتز بجامعة براون ان حاسة الشم يمكن ان تؤثر على القدرة على النجاح. فقد دخلت مجموعة من الاطفال في غرفة بها رائحة جديدة عليهم وطلبت منهم تنفيذ مهمة مستحيلة، هي حل معضلة بصرية ووعدت بجائزة اذا استطاعوا حلها، لكن الاطفال اصيبوا بالاحباط بسرعة. ثم قسمت الاطفال الى ثلاث مجموعات وادخلت كل مجموعة في غرفة، الاولى رائحتها مثل رائحة الغرفة التي كانوا فيها والثانية بها رائحة مختلفة والثالثة ليس لها رائحة. وطلبت من الاطفال حل مسألة سهلة، فالاطفال في الغرفة التي تشبه رائحتها رائحة الغرفة التي كانوا فيها ابلوا بلاء سيئاً مقارنة ببقية الاطفال. وقالت الباحثة ان التجربة الاولى المرتبطة برائحة معينة اثرت على الاطفال وكأنه ارتباط شرطي. وتدرس هيرتز اثر الرائحة على التزاوج والانجاب. فقد افادت دراسات سابقة ان الاناث تسعى الى الذكور الذين لديهم مورثات مكملة لتخفيض معدل التشوه في الابناء الى اقل درجة ممكنة، وتقول هيرتز ان المرأة تتأثر برائحة الرجل اكثر من اي صفات بدنية اخرى وتفترض ان المرأة تتعرف على المورثات المكملة من خلال رائحة عرق الرجل المميزة. ووجد باحثون آخرون ان المرأة تتعرف على رائحة زوجها، مما يؤيد نتائج بحث الدكتورة هيرتز وتطغى الان قضية العلاقة بين حاسة الشم والسلوك على الدراسات البيولوجية، حيث يبحث العلماء في كيفية ترجمة السلوك الاجتماعي في المخ، مثل التعرف على الزوج او الزوجة او الحياة الجماعية مقابل الفردية. ويقول كاتز ان النظام الشمسي مرتبط بشكل وثيق بالسلوك الاجتماعي، ومن خلال ذلك يمكن ان نفهم كيف تتم علاقتنا وسلوكنا نحو الاحياء الاخرى سواء نتعلمها او هي متأصلة فينا، عن طريق المخ.
