يأتي الطبيب اللبناني الدكتور مروان د. أبو لطيف إلى الضفة الأخرى، حيث القلم مبضعه، والمساحة الورقية سرير مصابه، وفكرته محط عمليته الجديدة، وكتابتها جراحته، ومكتبه غرفة عملياته. في كتابه الأولى «تأملات من خلف السور» يقفز الطبيب إلى مصاف الكتاب والأدباء وان كان ما زال يتلمس مدى براعته وتجربته الكتابية، يعتقد انه يكفيه ان يبقى على مقاعد الدراسة تلميذاً، متواضعاً، صبوراً، جاداً، مجتهداً باحثاً، منقباً، متأملاً في حصة الكتابة، واستيلاد الحرف والفكرة. وكما العادة يقع الكتاب في حيرة التصنيف الأدبي، وهو المتنقل بموضوعاته بين المقالة والقصيدة والخاطرة والاقصوصة والومضة، مما يجعله: «عصياً على التصنيف في نوع معين، ولولا هذا المسلك الفكري الذي يستشعره القارئ في الكتاب، لامكن القول ان مروان أبو لطيف جمع ما حققه التفرق، وألف بين ما طبيعته الاختلاف، كما يقول الناقد سلمان زين الدين، عقب حفل توقيع الكتاب الذي اقامه مؤلفه في جاليري سهيلة بخعازي في الاشرفية ببيروت وسط حشد من أهل الفكر والقلم والصحافيين يتقدمهم وزير الاعلام غازي العريضي. ماذا يتضمن الكتاب بين دفتيه، وبين ضفتي الاهتمام لدى المؤلف الطبيب حيناً، والدكتور الكاتب أحياناً، وكيف تمكن من الخروج من رتابة الحركة ونمطية النص بالاستخدام المكثف والمدروس لصيغ التعجب والاستفهام وهل نجح في استحضار كمال جنبلاط في مجموعته الشعرية «فرح» وجبران خليل جبران في «حكيم السور» (بكتابه النبي) وذلك عبر «الصادرات الخمس» وهي الاقصوصة الوحيدة في «تأملات من خلف السور». يلاحظ زين الدين انه وانطلاقاً من ضفة العلم التي يقف المؤلف عليها وينطلق منها نراه يتصدى في مقالاته الخمس للفكر الغيبي والخرافية والتفكير العامي، ويدعو إلى نحو غير مباشر إلى ممارسة التفكير النقدي وتحكيم العقل في النظر إلى الأمور وربط العلم بالأخلاق، انها النظرة العلمية/ العقلية إلى الأمور، تسقط ما علق بها من اسقاطات البشر واوهامهم، وما توارثوه من خرافات وأساطير. ولعل الطبيب هنا يغلب على الأديب في مروان، فيخلص في كل مقالة إلى نتيجة شبه حاسمة يشكل ما تبقى من المقالة مقدمات لها، وكأنه ما كتب مقالته إلا ليفضي إلينا بهذه النتيجة، تلك التي لا تتعدى السطرين أو الثلاثة أسطر، وتنطوي على موقف فكري أو علمي أو عقلي أو نقدي، هو خلاصة التأمل والنظر العقلي. ففي مقالة «عيد رأس السنة» يخلص إلى القول ان اجزاء الوقت هي «مصطلحات من بنات أفكار البشر، لا وجود لها إلا في وعيهم، ولا قيمة لها إلا على كوكبهم، ولا حقيقة فيها إلا بمقدار نسبتها إلى حقائق الكون الفسيح». وفي «اصفار» يستنتج ان العالم الحالي وما قبله وما بعده ليس سوى جزئية صغيرة من زمان يمر، وفي «دموع الزجاج والفكر الغيبي» يضع نقاط العالم على الحروف ويدعو إلى الخضوع المطلق لصوت العقل، وفي «الاستنساخ» يحذر الكاتب، من منطلق اخلاقي، من تطبيق الاستنساخ على البشر، ويدعو مداورة إلى عدم الفصل بين العلم والأخلاق، وهي دعوة لطالما اطلقها كمال جنبلاط، في أدبياته العميقة الرائية. أما المقالة الخامسة «في التوحيد» فيقارن فيها بين الايمان والعرفان مفضلاً الثاني على الأول، ذلك ان «الايمان تراكم في الماضي واستعادة له» أما العرفان فتأمل للمستقبل وسعي باتجاهه، في تعبيره، ومن الطبيعي ان ينحاز الطبيب إلى المستقبل، إلا ان ما يلفتنا في هذه المقالات التعبير البسيط عن الفكرة المركبة مما يحررها من الصرامة والجفاف. اندفاع شعري خمس أخرى يضمها الكتاب هي القصائد، وتنتمي عناوينها إلى حقل معجمي واحد هو الزمان، واراها قصيدة واحدة رغم تعدد العناوين تغني حركة الانسان في الزمان والمكان وترصد رحلته بين الولادة والعودة، يصدر فيها صاحبة عن رؤية توحيدية للأمور، فالموت ولادة، والولادة عودة، وفي حين يشكل تصرم الزمن مبعث حزن وغصة للكثيرين فإن مروان يواجه هذا القدر بالرضى والتسليم ويؤشر في هذه الرؤية بوضوح إلى المدرسة الفكرية التي يأتي منها. والشعرية في قصائد مروان أو قصيدته ليست متأتية عن تضاد الصور وتجاوز المضادات واللعب بالكلمات كما يفعل الشعراء المحترفون بل هي شعرية بالمعنى والموقف لا شعرية المبنى، همه التعبير عن الفكرة بأهون السبل بلا لف أو دوران، لذا قلما يولي العملية الفنية اهتمامه وكأني به تشغله ماهية القول أكثر من كيفيته ان جاز لنا الفصل بين الـ «ما» و الـ «كيف» ومع ذلك ثمة حركية موقعة داخل النص تنجم عن تواتر الأفعال في حركة مائجة، وتترى الجمل موجة اثر موجة حتى بلوغ الضفة فتنتهي القصيدة بنتيجة معينة هي أقرب إلى الخلاصات التي بلغتها مقالاته، ونقع في نهايات القصائد على قوله : «آه يا رب الزمان، ما أقرب الانسان منك، ما أبعد الانسان!» أو قوله: «غبار هذه الدنيا.. غباراً» أو «هباء هذه الدنيا هباء». ومن خلال ذلك يحاول الدكتور مروان أبو لطيف ان ينضم إلى نادي الاطباء الأدباء وان يجد مكاناً ولو في أقصى درجات التواضع إلى جانب الاطباء الذين سبقوه إلى ضفة الكتابة امثال الدكاترة، يوسف ادريس، عبدالسلام العجيلي، نقولا فياض، حبيب ثابت، ابراهيم ناجي، وغيرهم الكثير.الاسم على مسمى حيث ما زال أبو لطيف خلف سور الكتابة متأملاً في كتابه الذي صمم غلافه الدكتور الفنان سامي مكارم علّ التأملات محاولات مؤدية لا مبعثرة. بيروت ـ شاكر وهبي: